التصنيفات

المزيد

الأحدث

0
0
0
0
0

رومانسية

0
0
0
0
0

فانتازيا

0
0
0
0
0

قد تعجبك

المزيد

الروايات الصاعدة

قراءات مفضلة

تبديل

التصنيفات

رومانسية فانتازيا أكشن وجريمة عائليه تاريخية

الفصل الأول المتسلسل | سيمفونية الموت

المتسلسل

دمها غطى جسمها ودراعي وهو بيتجمع بين رجليها. جسيت على نبضها، وما لقيتش حاجة، وبعدين حطيتها على نقالة الضهر. عينيها كانت مرفوعة للسقف. الضوء فارقها ومبقاش فيه حياة تنعكس لي تاني. فتحت مشابك نقالة الضهر، واتأكدت إنها في الوضعية المظبوطة. جسمها كان بدأ يتقل، وده كان تحدي عشان أثبتها صح. لما اتظبطت في مكانها، قفلت المشابك وقلبتها لتحت. تحت راسها كان فيه جردل معدن، بيجمع باقي دمها. صبيت كلور في إناء وبدأت أمسح أي أثر ليا في كل ركن وكل حتة كنت موجود فيها. خلال ساعة، كانت نظيفة تماماً عشان تدخل الفريزر. حطيتها ترتاح في المكان اللي فيه البنات التانيين. قريب هتبقى عروسة جميلة، حرة من غدر الدنيا وأذاها.
تحميل الفصول...
                       عينيها كانت بتترعش من الخوف واليأس والدموع نازلة بتمسح وشها اللي اتبهدل تراب. كان فيه دم ناشف متكتل على جنب راسها في المكان اللي واضح إني ما ضربتهاش فيه بالقوة الكافية. صوتها كان بيشرخ وهي بتتوسل لي لآخر مرة إني أسيبها تمشي. وعدتني إنها مش هتقول لحد وإنها هتنسى كل اللي حصل. في عالم مثالي، أيوه، كنت ممكن أسيبها تمشي، وكانت ممكن تنسى الموضوع ده وما تقولش لحد. بس إحنا مش عايشين في عالم مثالي. مشيت لحد جسمها الضعيف اللي كان مرمي كومة عاجزة على الأرض. فستانها كان مقطع من الجوانب وناسل من الحوافي. وطيت عشان أكون في مستوى نظرها ومسكت خصلة شعر من ورا راسها. اتأوهت وهي بتعيط لما صوابعي شدوا كام خصلة وقطعوهم. ضغطت بصباعي السبابة على شفايفها المشققة وهزيت راسي بالنفي.

"أرجوك." قالت بصوت مبحوح. "أرجوك سيبني أمشي."

رفعت إيدي التانية، وسمحت للإضاءة الخافتة تلمع على سطح السكينة الناعم. شهقة مكتومة طلعت من حنجرتها وهي غمضت عينيها وتمتمت بكلمة "لأ" مرة ورا التانية. كان صوتها زي اللحن وهي بتدخل من ودن وتخرج من التانية. ضغطت بسن السكينة في جلدها وحسيت بنبضها تحتها. دمها كان بيجري في عروقها. يا ترى هيخلص من جسمها بسرعة قد إيه لما أفتحها؟ مشيت إيدي على جلدها، وأنا بتنهد عشان نعومة ملمسها. القشعريرة ظهرت في كل حتة، ورفعت شعر دراعاتها. جه وقتها. اتحركت وراها، ولفيت دراعي بقوة فوق جبهتها. بدأت تتلوى، وبتحاول تصرخ عشان حد ينجدها. بعد أيام من غير أكل، كانت ضعفت. رجلي لفت تلقائياً حوالين جسمها عشان أمنعها من الحركة. خدت نفس عميق، وسحبت السكينة على الجلد المشدود في رقبتها بدقة جراح. خرجت زفيري لما الدم الدافي بدأ يتدفق ويطرطش من الجرح اللي عملته. جسمها بدأ يتنفض بطريقة متقطعة، وصاحب الحركة دي أصوات غرغرة. رميت السكينة، ولفيت دراعي حوالين وسطها، وبعدين هزيتها براحة قدام وورا وأنا بمسح على شعرها البني الطويل.

دمها غطى جسمها ودراعي وهو بيتجمع بين رجليها. جسيت على نبضها، وما لقيتش حاجة، وبعدين حطيتها على نقالة الضهر. عينيها كانت مرفوعة للسقف. الضوء فارقها ومبقاش فيه حياة تنعكس لي تاني. فتحت مشابك نقالة الضهر، واتأكدت إنها في الوضعية المظبوطة. جسمها كان بدأ يتقل، وده كان تحدي عشان أثبتها صح. لما اتظبطت في مكانها، قفلت المشابك وقلبتها لتحت. تحت راسها كان فيه جردل معدن، بيجمع باقي دمها. صبيت كلور في إناء وبدأت أمسح أي أثر ليا في كل ركن وكل حتة كنت موجود فيها. خلال ساعة، كانت نظيفة تماماً عشان تدخل الفريزر. حطيتها ترتاح في المكان اللي فيه البنات التانيين. قريب هتبقى عروسة جميلة، حرة من غدر الدنيا وأذاها.

خدت هدومها، لبستها لمانيكان وشيلته وخرجت بيه من الباب الخلفي للغابة. كان خسارة إنها وسخت فستانها، بس هو ده اللي متاح. البوم وكائنات الليل كانت خرجت، وطردت ضوء النهار. مكاني المميز كان على بعد حوالي 5 أميال، موجود على بعد ميل من كابينة تانية مهجورة لمعسكر صيفي. كان مشوار طويل، أكيد، بس هواء الليل المنعش كان دايمًا بيجدد نشاطي وبيجهزني لليل، وأنا كان ورايا الليل كله. وقفت عند كومة فروع وشجر واقع، وزقيت الغطا عشان أكشف حفرة عميقة. لما المانيكان اتحط كويس على فرشة من التراب، عملت رحلة العودة للكابينة عشان جردل الدم. فني لازم يكمل بالصبر والوقت. وقفت عند طرف الحفرة ووزعت الدم بالتساوي، واتأكدت إني غطيت كل بوصة على المانيكان. ريحة النحاس اتخلطت بريحة الصنوبر الطازة. الزهور البرية كانت بتنمو دايماً جنب الكابينة، دايماً زاهية ومليانة ألوان. شوية ورد صغيرين كانوا عند قاعدة شجرة، معاهم فروع ناشفة ورق شجر واقع. قطفتهم، وكسرت فروع الشجر، وبعدين خدهم معايا.

قعدت على طرف الحفرة، بضفر وأربط الفروع في بعض قبل ما أثبت الورد والورق. اتحولت لتاج طبيعة جميل قدام عيني. ابتسمت، وأنا بلمس بصوابعي الورد الناعم والحريري، وبعدين اتزحلقت تاني جوه الحفرة. التاج استقر بشكل حلو على راسها، وادى للمانيكان مظهر بريء ورقيق. كانت مثالية، بس مش بنفس درجة مثالية عرايسي. عملت وقفة سريعة عند الكابينة اللي قريبة، وولعت نار صغيرة هتطفي لوحدها. دي كانت طريقتي في التمويه. المانيكان كان مفروض يتلاقي والكابينة دي كانت الطُعم المثالي عشان أشغل السلطات عن أي حاجة تانية. لما خلصت ده، تقلت في المشي لحد كابينتي الخاصة، ورميت كبريت في الدفاية بتاعتي.

الحرارة بدأت تنتشر في المكان، وقضت على الرعشة الخفيفة اللي كانت ماشية على جلدي. الشمس كانت خلاص غابت تماماً ورا الأفق، وطلقت ظلامها اللي بلون الفحم. بصيت من الشباك في اتجاه آخر تحفة فنية عملتها. صريخها ودموعها هيوحشوني جداً. كانت بتأنسني في أكتر ساعاتي وحدة. شغفها الملتهب عشان تهرب، آه ده كان بيملاني حياة. كانت مليانة حياة. الواحد بيكون في قمة حياته لما يكون في وش الموت المحقق. هتوحشني... طيب، أنت عارف بيقولوا إيه، عشان تنسى واحدة ست، لازم تروح لواحدة تانية. ولا ده كان مجرد اللي الستات بيقولوه عن الرجالة؟ مش مهم، ندخل على الست الشابة اللي بعدها. مسكت إزازة كلور وجردل، وبعدين وطيت على ركبي عشان أدعك الدم اللي صديقتي سابته وراها.




ريحة الكلور النفاذة دي ملت الجو في ثواني. اتسربت لخيراتي، وزغزغت الشعيرات الصغيرة اللي جواها. قاومت الرغبة في العطس، وبدالها مسكت مناخيري. لما اتأكدت إن كل أثر ليها اختفى، طفيت النار واتأكدت إن كل حاجة مقفولة كويس قبل ما أخرج بره. الليل عدى من غير صوت، ودلوقتي السما كانت بتستقبل أول خيوط نور الشمس وهي بتشق طريقها بين السحاب. دمها كان نشف ولزق على جلدي جامد. لبست البالطو بتاعي عشان أخفي المنظر الوحش ده، وركبت عربيتي. الريحة النفاذة للكلور كانت لازقة في هدومي، ومستمرة في حرق مناخيري. لفيت زرار التكييف على أعلى درجة، وسبت الهواء الساقع يطير شعري لورا وينشف عيني في محجرها. الطريق السريع كان فاضي، والشارع اللي بيتي فيه كان فاضي، وبيتي كان فاضي. طفيت النور الأمامي أول ما ركنت بالظبط في المدخل. مقدمة العربية كان لازم تكون على بعد 25 بوصة بالظبط من الجراج. مفاتيحي رنت بهدوء وأنا بوطي أقيس المسافة. مثالي. فتحت باب البيت وطفيت نور المدخل.

كفوف قطتي الفرو خبطت بخفة على أرضية الخشب اللي بتلمع، قبل ما تظهر. دخلت المطبخ وخدت كيس أكلها وكبيت كمية كبيرة في طبقها. بدأت تخرخر عند رجلي، وهي بتلتهم حتت أكلها الناشف. كان اسمها إيلويز، ومع إنها كانت رفيقة كويسة، بس كانت زي أي ست طبيعية. مابتجيليش غير لما تعوزني، ولو ضايقتها بيبقى يوم مش فايت. بنت كلب.

اتجهت ناحية الفريزر وطلعت كيس سوسيس، وبعدين خدت بيضتين. من الشباك، قدرت أشوف مطبخ جاري. كان راجل ناجح جداً، ومعاه زوجة جميلة، بس عياله مايتمسحش فيهم الحيط. ابنهم الكبير، تايلور، كان عار على البشرية. كان بيتباهى إن "التقديرات الضعيفة بتنجح". إنسان مقرف فعلاً. بنتهم، أنجيلا، ماكنتش أحسن منه. كانوا فاكرين إنهم مخبيين السر، بس الحقيقة إن الحارة كلها عارفة إن بنتهم عملت إجهاض وهي عندها 15 سنة عشان ماكنتش بتعرف تقفل رجليها. ودلوقتي وهي عندها 17 سنة، ما بتبطلش نوم في الحرام. الواحد لازم يمشي مع نقاط قوته، أعتقد.

إيلويز لحست شواربها قبل ما تنط على ترابيزة المطبخ. كملت تحضير فطارى، وأنا ببص من شباك الجيران. البنت كانت قاعدة على الترابيزة لابسة قميص مقصوص وجينز ضيق جداً وبرا حمراء باينة. على عكس أخوها الغبي، ماكنتش مؤمنة إن التقديرات الضعيفة بتنجح. كانت مؤمنة إن العاهرات هما اللي بيجيبوا درجات كويسة. كانت طالبة ممتازة، بس لو فيه درجة مش عاجباها، بتلاقي طريقة ترفعها. لما السوسيس اتحمر كويس والبيض استوى، حطيت كل صنف في طبق، وقعدت مع إيلويز. كانت بتلحس كفوفها، وبتغسل وشها وبعدين فتحت رجليها عشان تنضف مؤخرتها. مفيش حيوان يتأمن عليه بياكل فضلاته من على مؤخرته.

زقتها من على الترابيزة عشان آكل من غير المنظر المقرف ده قدامي، وبعدين حطيت المواعين الوسخة في غسالة الأطباق لما خلصت. هدومي كانت متطبقة بنظام على سريري، جاهزة عشان ألبسها، بس كان لازم الأول آخد دش عشان ريحة الكلور والدم تروح. المية السخنة ملت مراية الحمام بالبخار وشباك الحمام الصغير على الحيطة الشمال. غمضت عيني، وفكرت في اللي عملته الليلة اللي فاتت. كنت حذر. هي كانت واحدة محدش هيفتقدها، ومحدش هيلاحظ غيابها. كان اسمها إيفلين، وكانت بياعة الجرايد الهادية والوحيدة في القهوة. كانت دايمًا بتختفي في الزحمة. كتير، الناس كانوا بيتجاهلوا صوتها الرفيع وهي بتعرض عليهم جورنال. ماكانش ذنبها. في الزمن ده، محدش بيشتري جورنال، ده غير إن محدش محتاج حد يبيعهوله أصلاً.

إيفلين كانت بتشرب قهوتها، سادة، بمعلقة سكر واحدة، طول اليوم. كنت براقبها كل ساعة غدا وهي بتقرا جورنالها وبتحاول بصعوبة تتكلم. ماكنتش بتلاقي صعوبة في الكلام لما حطيت إيدي عليها، بس دي حكاية ليوم تاني. في الآخر، بدأت تلاحظني وتقدم لي ابتسامات حلوة. حتى إنها اشترت لي قهوة مرة، وهناك عرفت إني صيدتها. خطفتها من حياتها الكئيبة دي في نفس الليلة، وخدتها لكابينتي عشان تقعد كام يوم.

افتكرت إن ده اللي هي كانت عايزاه، هروب. لكن، لما صحيت، دابت فوراً في بحر من الدموع والحزن، بتترجاني أرجعها. صريخها جمع كام نقطة شفقة، بس زي ما قلت قبل كده، إحنا مش عايشين في عالم مثالي وهي كانت أكيد هتقول. خسارة بجد، كان ممكن تكون مبسوطة معايا ومع إيلويز. مع إني دلوقتي لما براجع نفسي، كان لازم أجيبها هنا بدل الكابينة، بس فكرت إني أحترم إيلويز ومساحتها.

قفلت المية السخنة ولفيت فوطة حوالين وسطي قبل ما أمرر إيدي على المراية. خيال إيفلين وهي غرقانة في دمها ظهر في طرف عيني. رمشت عشان أمسح الصورة ووصلت لإيد خزانة الأدوية عشان آخد دواء القلق. إيلويز كانت قاعدة على طرف سريري جنب شراباتِي وعينيها مقفولة. شلتها وبدأت ألبس هدومي، رجل برجل، وإيد بإيد. شايف؟ أنا زي أي حد تاني. كرمشة قميص الشغل عجبتني وأنا ببص لنفسي في المراية. بحب أفتكر إني عريس لقطة. يمكن في يوم من الأيام، ست كويسة تدرك ده.




شريط الشرطة الأصفر كان عازل منطقة كبيرة في الغابة. عديت من بين عشرات الظباط اللي بيحرصوا المحيط اللي أنا حددته، ووطيت عشان أكون في مستوى نظر خبير تحليل بقع الدم، جيم. صوت شاتر الكاميرا بتاعه كان شغال وهو بيصور مسرح الجريمة. كان فيه تاج ورد على راس مانيكان تاني متغطي بدم ناشف. سديت مناخيري من ريحة الكلور والدم القوية بشكل غريب. دي كانت ريحته المميزة. الدبان كان بيزن في كل حتة، ومتجمع على أجزاء معينة من المانيكان. جيم خلص تصوير وساب فريق الأدلة الجنائية يتدخلوا عشان يجمعوا أي دليل يقدروا عليه. فرد جسمه ووقف جنبي. اتفرجنا سوا على اتنين من فريق الجنائية وهما بيقلبوا المانيكان. كان مرمي على فرشة من التراب خلت ضهره متغطي بطبقة غامقة. أخدوا عينات تراب ودم، قبل ما يحطوه في كيس أدلة. قضوا كام دقيقة تانية وهما بيمشطوا الحفرة وبعدين حطوا التاج في كيس.

جيم التفت ليا، وبلغني إن باين إن المانيكان ماكنش موجود هناك غير بقاله كام ساعة بس. الدم ماكنش نشف تماماً وريحة الكلور لسه نفاذة. وطيت عيني للأرض، بدور على آثار أقدام، بس المنطقة كانت تبان نظيفة. إزاي الراجل ده شاطر كده؟ هو كان بيطير وهو بيجهز المسارح دي؟ الاتنين اللي كانوا بيتمشوا واكتشفوا الجثة، كانوا بيتكلموا مع زميلي، كريستوفر مارنر. مشيت ناحيتهم، وهزيت راسي بالتحية. كانوا بيوصفوا ريحة الدم والكلور الغريبة وإزاي مشيوا وراها لحد الحفرة. مارنر كان بيكتب بجدية كل اللي بيقولوه بخط وحش ومكعبل.

"هي دي زي رسالة؟" سألت الست اللي كانت بتتمشى.

"ممكن، أو شوية مراهقين بيعملوا مقلب." رديت.

"أيوه، بس ده دم حقيقي، مش كده؟" صاحبها، أو جوزها، أو أي كان، دخل في الكلام.

"ممكن يكون دم حيوان برضه." اقترحت.

"ناويين تلاقوا مين اللي عمل كده؟"

دايمًا كنت بكره السؤال ده. الناس بتحاول تبين إن كل اللي بنعمله كظباط هو إننا نقعد ناكل دونات. ماكنش يوم تلات، طبعاً كنا هندور على العيال الهبلة اللي عملت كده.

"طيب، شكراً ليكم. لو افتكرتوا أي حاجة تانية، من فضلكم اتصلوا بينا." قال مارنر، وهو بيديهم الكارت بتاعه.

الاتنين لموا حاجتهم، ورجعوا تانى للمسار. هو إيه اللي جاب الاتنين دول بره المسار أصلاً؟ ما يعرفوش إن دي الطريقة اللي الناس اللي زيهم بينتهي بيها المطاف في حفر زي المانيكان؟

"واحد من ظباطنا قال إن فيه كابينة على بعد ميل من المسار. لازم نروح نكشف عليها." قال لي مارنر.

هزيت راسي، ومشيت وراه للعربية. عدينا على ناس كتير بيتمشوا في الطريق، وده أكد فكرة إن اللي بيعمل كده عايز شغله يتشاف. أول أفكاري لما وصلت للكابينة كانت إنها قديمة، وموسخة، ومتهالكة. كانت تمويه مثالي لأوضة قتل. مع ذلك، القاتل كان يبان نظيف جداً. كان هيقرف يشتغل في مكان زي ده. المانيكان كان ريحته كلور في الآخر. عمره ما كان هيقبل بكده. نزلنا من العربية وطلعنا طريق التراب. الشبابيك كانت متغطية تماماً بالتراب، وبالكاد سايبة مساحة واضحة تبص منها. مارنر زق الباب وفتحه، ووجه كشاف النور لجوه وسلاحه في إيده. هو خد الناحية الشمال وأنا خدت اليمين.

جزيئات تراب دخلت مناخيري، وهددت إني أعطس. حاجة تانية مزعجة قابلت حواسي، دخان. عيني بصت ناحية الدفاية، لقيت الخشب اللي جواها لسه بيطلع دخان. مارنر خلص تفتيش ناحيته في البيت، وجالي عند الدفاية. ركع جنبي، وأنا مشيت صباعين على الحافة اللي تحت. هباب أسود غطى أطراف صوابعي وأنا بفركهم بصباعي الكبير.

"ممكن يكون متشرد بات هنا." اقترح مارنر.

"ممكن، بس ماكنش هيفضل هنا؟" رديت.

"أنت كنت هتقعد؟ المكان ده زبالة."

"يمكن العيال اللي عملوا المانيكان كانوا هنا. لو كانوا بيدوروا يعملوا مصيبة، ده هيكون المكان المناسب."

مارنر هز راسه. "مش عارف. مجموعة مراهقين هيعملوا إيه هنا بمانيكان؟" سأل.

"ممكن يكون عيل واحد، وحيد جداً." ضحكت، ونفضت صوابعي من التراب.

"مفيش حاجة تقارن بالحقيقة." هزر مارنر.

"أيوه، بس بالطريقة دي، مش مضطر يرجع يكلمها تاني."

الأوضة اتملت بصوت ضحكنا. ريحة مواد كيميائية فجأة طلعت لمناخيري.

كانت خفيفة، بس مألوفة. ركعت على الأرض، بتنفس بعمق. كلور، ده كان كلور أكتر من أي حاجة. مراتي كانت بتموت نص البيت كل يوم حد وهي بتنضف الحمامات. الأرض كانت بيفضل فيها ريحة خفيفة زي دي لأيام بعدها. العيل الوحيد كان أكيد هنا، بس مش بقاله كتير. ده مش المكان اللي بيشتغل فيه. بصيت لمارنر وأنا محتار أقول شكوكي اللي اتأكدت ولا لأ. مش دلوقتي.

"دي أرضية خشب صنوبر. أنا مقدرش أقاوم ريحة الصنوبر." كدبت.

"كلام فارغ، إيه الفكرة المجنونة اللي ماشية في دماغك؟" رد عليا.

لما يكون ليك شريك بقالك ست سنين، ما تقدرش تستبعد أي حاجة عليهم.

"المانيكان كان ريحته كلور والأرضية هنا برضه. الريحة خفيفة، بس موجودة أكيد. مش شايف إنها حاجة غريبة إن الأرضية ريحتها كلور في مكان مفروض إنه كابينة مهجورة؟ الدفاية لسه فيها نار خفيفة. فيه حد كان هنا، وأنا أشك جداً إنه يكون متشرد عنده هواية للكلور والدفايات. الشبابيك مقفولة ومتحنطة بقالها سنين، الروائح مركزة، وده معناه إنه هو نفسه كان ريحته كلور." قلت.

مارنر خد نظرة سريعة على الأوضة. "يعني، نتفق إنه كان عيل وحيد؟"

"ممكن، بس ده تالت مانيكان. العيل ده مايقدرش يكون وحيد للدرجة دي، وإحنا مانشرناش أي حاجة للإعلام، فده مش حد بيقلد."

"طيب، الكابينة دي قريبة جداً من المكان اللي لقينا فيه المانيكان، ودي أول مرة نلاقي حاجة زي المكان ده. هنحتاج نجيب ناس هنا عشان يمشطوا المكان وبعدين يمكن نلاقي آثار عجل رايح جاي على المكانين." قلت.

"لازم نعرف الكابينة دي ملك مين."

مارنر وأنا خرجنا تاني على البرندة، وعملنا مكالمة لفريق الجنائية عشان يجوا ويفحصوا الكابينة. الغابة اللي حوالينا كانت وحيدة زي ما كانت لما وصلنا لأول مرة. اللي بيعمل كده ما بقاش هنا، بس يمكن يكون قريب. القتلة والناس الغريبة بيحبوا يتفرجوا على غدرهم وهو بيتنفذ. الجنائية وصلوا في خلال 10 دقايق وقضوا ساعة ونص بيفتشوا الكابينة من فوق لتحت. ما لقوش ولا شعرة ولا خلية جلد. الراجل ده كان بيعمل تمويه، كان عايزنا نلاقي المكان ده. خلصنا التفتيش لما ما لقيناش أي حاجة ملموسة، وبعدين أنا ومارنر رجعنا القسم. جيم كان ساب صور مسرح الجريمة على مكتبي ومعاهم نتايج تحاليل الدم.

وقفت لحظة وأنا بقرا الصفحة الأولى. كان دم بشري تاني، وده معناه إننا هنضطر نفتح محضر بلاغ اختفاء تاني. جه الوقت اللي نتكلم فيه للجمهور. الليلة، مدينة لوس أنجلوس هتعرف عن اكتشافات المانيكان. كملت قراية، الدم ماطابقش عينات الدم من المسرحين التانيين. تلات ضحايا، مع شهر هدوء بين الاكتشافات ما يقدرش يعني غير حاجة واحدة. بقى عندنا قاتل متسلسل.
                       

روايه سيمفونية الموت - رعب

روايه سيمفونية الموت
مستمرة

سيمفونية الموت

تأليف الكاتب

جاري الجلب...

القصة والوصف

عقل قاتل متسلسل مهووس بالكمال، حيث يحول ضحاياه إلى "دمى" بشرية صامتة في محاولة يائسة للهروب من واقع الحياة الموحش. يصور العمل رحلة هذا القاتل في البحث عن الرفقة في أكثر الصور دموية، معتقداً أن ضحاياه يجدون في الموت طمأنينة أبدية بعيداً عن غدر البشر. تتصاعد وتيرة الأحداث عندما تبدأ الشرطة في لوس أنجلوس بربط الخيوط بعد العثور على سلسلة من المانيكان الملطخة بالدماء في الغابات. الصراع هنا ليس فقط بين المحققين والقاتل، بل بين عالمين متناقضين: عالم النظام الصارم الذي يفرضه القاتل على ضحاياه، وعالم الفوضى الذي يحاول المحققون فك طلاسمه. تبرز الرواية كدراسة دقيقة للسيكولوجية الإجرامية، مستعرضة لحظات الترقب، والوحدة، والبحث عن الكمال في أماكن لا يجب أن يوجد فيها سوى الخراب. من خلال سرد بصيغة المتكلم، يجد القارئ نفسه في مواجهة مباشرة مع أفكار المذنب وتبريراته الغريبة لأفعاله الشنيعة. رحلة مرعبة تستكشف الحدود الفاصلة بين الجنون والمنطق، وبين رغبة الإنسان في الانتماء وهوسه بالتملك.

المشاهدات
7.5 التقييم
عدد الفصول
العربية اللغة الأصلية

الفصول المتاحة

محدث

قد تعجبك أيضاً

رواية آخر فرسان التنانين - استعادة مجد المملكة الضائع

استعادة مجد المملكة الضائع

الأميرة ألينيا غيرت طريقتها، ومثلت كأني شخصية فظيعة. قالت وهي بتكتم شهقة: "آه، مارك البنت دي فظيعة. ما اتحركتش لما خليت الرسول يلف يقول وسعوا للأميرة. فضلت واقفة في مكانها، ولما واجهتها، بذوق، شتتني بشتيمة فظيعة و... وضربتني." مسحت عينيها وشممت.
تحميل الفصول...
                       من زمان بعيد، كان الفرسان بيشتغلوا بجد عشان يحموا ممالك ألينشيا، مكان مليان سحر وقوة، ويخلوها دايماً منظمة. من زمان بعيد، الفرسان دول اتوهبوا تنانين قوية ممكن تبني العالم أو تهدّه، تنانين جاتلهم من آلهة الناس نسيوهم بسرعة في معركة دمرت الثقة اللي كانت بينهم.

واحد حاول يسيطر على التنانين وفرسانهم بس فشل بسرعة على إيد الناس اللي أقسم إنه يحميهم ويحترمهم. هو اتقتل، ومعاه مات الفرسان لأن الناس خافوا إن حد تاني يحاول يسيطر زي ما هو عمل.

لكن، ده كان غلطة فادحة، لأن الفرسان دول ما كانوش بس حماية، دول كانوا بيضمنوا إن الكل في سلام. كانوا بيضمنوا إن الكل عايشين في سعادة، حتى لما الضلمة كانت بتبان إنها هتسيطر.

ولما قام تاني، زي طائر الفينيق اللي وقع في دم، الفارس السابق ده وجه الناس ناحيته لحد ما ما بقاش حد بيقف في طريقه. قوته زادت وزادت وما كانش بيخاف من عواقب أفعاله.

لكن، كان فيه بنت، وراجل، وتنين هيقفوا قريب في طريقه ويخلوا العالم يرجع لسلامه مرة تانية.

عرفت منين؟

لأني أنا آخر فارس تنين، وهعمل أي حاجة في قدرتي عشان أحمي مملكتي والناس اللي عايشين فيها. ومفيش حد أبداً هيقف في طريقي.


----



"خلي بالك فوق يا ماريني،" صوت جالي من ورايا. كان باين على صوتها القلق عليا، وهي عارفة كويس إني ممكن أتعور بسهولة لو عملت حركة غلط واحدة. كانت واقفة تحت على الأرض بتبصلي، وكنت عارفة إنها عمالة تتوتر زي الفرخة الأم اللي بتراقب كتكوتها وهو بيعمل حاجة خطر.

دقت آخر مسمار في السقف اللي كنت بشتغل فيه، وتجاهلت وجع عضلاتي. قولت وأنا ببص لتحت على الست الكبيرة وببدأ ألم عدتي: "خلاص قربت أخلص يا مارثا." مسحت العرق عن جبيني، وأنا بكرة حر الصيف اللافح ده مرة تانية.

قالت مارثا: "طيب، انزلي بقى. وراكي حاجات تانية تعمليها ووقتك ضيق." كنت عارفة إنها مربعة إيديها وبتبص لفوق على ضهري بنظرة حادة. كانت عايزة تجرب تطلع فوق بنفسها بس عارفة إن ده مش صح.

شلت الشنطة الصغيرة اللي حطيت فيها العدة وعلقتها حول رقبتي، واتأكدت إنها ثابتة. قولت وأنا بمسك السلم اللي جنبي: "أنا نازلة أهو."

حذرتني تاني: "خلي بالك."

ما رديتش عليها وأنا برفع طرف جيبتي وأربطه حول وسطي، عشان أبين البنطلون اللي كنت لابساه تحتها. سمعت مارثا بتعمل صوت استنكار صغير، بس ما قالتش حاجة وأنا ببدأ أنزل السلم. كنت عارفة إنها مش... راضية عن لبسي للهدوم دي، بس كان أحسن ألبس بنطلون بدل ما أبين للناس هدومي الداخلية.

في اللحظة دي، تيمي، ابن مارثا اللي عنده ست سنين، جه بيجري ورا ليول، بنت مارثا اللي عندها أربع سنين، وزق السلم من مكانه من غير ما يقصد. حسيت بيه بيتحرك وبدأ يرجع لورا، بس ما اتخضيتش.

صرخت مارثا: "ماريني!" وأنا بزق نفسي والسلم عشان يرجع لمكانه الطبيعي. الخوف والصدمة ماليين وشها لحد ما وصلت للأرض ووقفت قدامها وأنا بضحك.

قولت وأنا بضحك وبفك العقدة عشان الجيبة تنزل تاني على رجلي: "أنا كويسة."

تنهدت مارثا براحة وهزت راسها شوية. هديت لما شافت إني كويسة وفضلت تصدر أصوات قلق زي الفرخة. تمتمت بحاجة تحت نفسها ما أحبش أكررها.

رجع تيمي وشاف اللي حصل. كانت عينه الزرقاء مليانة خوف وهو بيبصلي وبعدين بيبص لأمه. شعره الأشقر كان واقف، ومخلي شكله منكوش. كان قصير، بس ده عشان سنه، وغالباً هيبقى أطول لما يوصل سن البلوغ. هدومه كان فيها خرام من كتر مغامراته، وكنت عارفة إن مارثا هتضطر تخيطها عاجلاً أو آجلاً.

قالت مارثا وهي مربعة إيديها وبتبص للولد الصغير اللي قدامها بنظرة حادة: "يا واد، ادخل البيت دلوقتي، وعايزاك تفكر في اللي عملته ده." ما كانتش غاضبة بجد، بس كانت خايفة إني كان ممكن أموت، مع إني مريت بحاجات أسوأ.

هز تيمي راسه وبصلي، بيدعي إني أساعده. ما كانش عايز يقع في مشكلة، وكنت فاهمة ليه. عقاب مارثا... كان غريب شوية، على أقل تقدير.

قولت وأنا بمسك دراع مارثا وبضغطه عشان أطمنها إني حية وبخير: "خلاص يا مارثا، مش مشكلة. أعتقد دي كانت طريقة تيمي إنه يقولي إن وقت مشيتي جه."

قالت وهي بتبصلي: "ليه بتدافعي عنه؟ كان ممكن يموتك." عينيها الرمادي كانت مليانة مرح وقلق. كانت فاهمة ليه بدافع عنه، بس كانت عايزة تسمعها مني.

رديت وأنا بمسح إيدي في جيبتي: "دي مش أول ولا آخر مرة حاجة أو حد يحاول يموتني، وبعدين ده غلطي لأني بعمل شغلانة رجالة كل يوم تقريباً."

هزت مارثا راسها وهديت. وقالت وهي بتبتسم بحب: "عندك حق، وأنتِ مثالية للشغلانة دي." حاولت تمرر إيدها في شعري بس أنا زقتها بإيدي. "مش عارفة كنت هعمل إيه لو ما كنتيش هنا بتساعديني."

سأل تيمي بصوت واطي وهو بيبص لأمه بحذر: "يعني أنا في مشكلة؟" وقف قدامها، ومخبي إيديه ورا ضهره وهو بيراقبها.

بصيت لمارثا بابتسامة ملتوية وسألت بعدها: "آه، هو في مشكلة؟" ملت راسي وعملت بوزي صغير، لاني عارفة إنها ما تقدرش تقاوم الوش ده.

تنهدت مارثا وهزت راسها. وقالت وهي بتبص للسما وبترفع إيديها لفوق بشكل مسرحي: "يا آلهة، ليه دايماً بتغلبوني؟ لا يا تيمي، أنت مش في مشكلة." وبصت لابنها، وبعدين كشرت وشورت عليا وقالت: "بس أنتِ، لو ما اتحركتيش دلوقتي هتكوني في مشكلة." شالت الفوطة من حول وسطها وهزت صباعها.

قولت وأنا بضحك بصوت واطي وبرجع لورا بعيد عنها: "طيب طيب، أنا ماشية، ما تأذينيش." حطيت شنطتي في السلة عشان أخبيها، قبل ما أشيل السلة وأبدأ أرجع لورا. ناديت من ورا كتفي قبل ما أبدأ أتمشى ناحية ساحة البلد: "أشوفك بكرة."

قالت مارثا: "استني!" كان صوتها مليان استعجال، فخليتني أقف وألف لها. وقفت لما بقت قدامي ومسكت إيدي اللي مش شايلة السلة. حطت فيها شوية عملات وقالت: "خدي دول من فضلك وقولي لأمك إني بقولها شكراً إنها عندها بنت زيك."

بصيت للعملات وبصيت لها، وحاولت أخبي مشاعري عن وشي. كنت مصدومة شوية إنها ادتني دول، رغم إني كنت بساعدها في كل فرصة تتاح ليا. هزيت راسي لأني مش عايزة أقبلهم وعارفة إن أمي مش هتضايق لو ما رجعتش البيت بفلوس. قولت وأنا بحاول أرجعهم لها: "ما أقدرش أخد دول."

رجعت مارثا لورا وهزت راسها. وقالت: "لا، خليكي بيهم. لو ما كنتيش أنتِ، كان بيتنا لسه بيسرب ميه. وبعدين، شكلك جعانة."

هزيت راسي لأني مش عايزة أقبل. كانت فلوسها هي، وعندها تلات بقاع محتاجة تطعمهم وما عندهاش جوز يساعدها. كنت جعانة، بس ما كنتش عايزة أخد فلوسها. كنت هروح أصطاد النهاردة بالليل وهقدر أجيب لحم لنفسي ولعيلتي. "أنتِ محتاجاهم أكتر مني."

هزت راسها بابتسامة وقالت: "يا بنتي، أنا متأكدة إنك أنتِ اللي محتاجاهم أكتر مني. يلا، اتحركي وحطي الفلوس في جيبك عشان تقدري تجيبي رغيف عيش أو أي حاجة." لوحت بإيدها بمعنى كفاية، وكنت عارفة إن المجادلة مش هتنفع.

قولت بابتسامة ممتنة: "حاضر يا هانم." حطيتهم في جيبي، وعملت انحناءة، ورحت ساحة البلد عشان أخلص اللي ورايا. كنت ممتنة، على أقل تقدير، بس ما قدرتش أمنع نفسي من الشعور بالذنب، وما كنتش فاهمة ليه حاسة بكده.




مشيت في ساحة البلد وخلصت مشاويري. كان معايا شوية ورد متعودة أديهم لستات أليشيا. كانت دي طريقة بعرف بيها إزاي أبهج يومهم، لأن العيشة هنا كان وحشها أكتر من حلوها.

في أيام، كان ناس بيوقفوني في الشارع ويسألوني لو أقدر أساعدهم في حاجة، من تصليح سقف بيسرب ميه لحد قعدة بيبي لفترة. وما كنتش بقدر أرفض لأن المكان اللي عايشة فيه، كان فيه ناس غالباً مش قادرين يدفعوا تمن الخدمات دي.

"وسعوا للأميرة ألينيا،" حد زعق، فخلاني أقف لحظة. "وسعوا للأميرة!" الشخص صرخ.

وقفت عن شغلي وهزيت راسي. كنت عارفة إن ده معناه إني لازم أدخل أي مبنى لحد ما تعدي، بس ما كانش عندي وقت. ما كانش باقي كتير من النهار، وكنت محتاجة أخلص ده قبل ما البوابات تقفل.

"هو أنتِ طرشة؟" حد سأل، فخلاني أقف. "ما سمعتيش الرسول وهو بيقول وسعوا للأميرة ألينيا؟"

لفيت عشان أشوف إنها ما كانتش غير صاحبة السمو، الأميرة ألينيا.

عينيها الرمادي كانت مليانة ضيق وهي بتبصلي. كان ليها نظرة دلال كده، وجلدها كان ناعم كأنها ما عملتش أي شغل خالص غير إنها تقطف التوت وتأكله. شعرها الأشقر كان مربوط كحكة مشدودة، وكان باين إن مفيش خصلة عمرها كانت بره مكانها.

عملت انحناءة، وموطية راسي. قولت وأنا شايلة الكره من صوتي: "يا سمو الأميرة." كنت عايزاها تمشي، عشان أقدر أكمل شغلي. الوقت كان بيخلص، ومعاه كان صبري بيخلص. ما كنتش بحب العيلة المالكة أوي، مع إني عمري ما قابلتهم غير في الشوارع.

سألت تاني وهي بتربع إيديها: "هو أنتِ طرشة؟" ضيقت عينيها، وادتها نظرة مكشرة كأنها محتاجة تدخل الحمام. حاولت ترفع حاجبها بس ما عرفتش.

رديت: "لا يا سمو الأميرة، أنا مش طرشة." بصيت وراها وشفت حارسين، كنت عارفاهم من أيام طفولتي. ما كنتش متفاجئة أشوفهم لأنهم اتدربوا يبقوا حراس من سن صغير جداً مع راجل كنت بعتبره أبويا.

سألت بقرف: "أومال ليه ما اتحركتيش من الطريق لما الرسول قال وسعوا؟"

رديت: "أصل ورايا شوية شغل محتاجة أخلصه، وما عنديش وقت كتير أعمله فيه." وجوايا فكرت، وكنت هخلص، لو ما كنتيش وقفتيني.

عملت صوت استنكار وكانت هتقول حاجة لما حد قاطعها بـ "ألينيا." لفت وشافت حد وراها.

قولت وأنا بنحني تاني: "يا سمو الأميرة." لمحت أخوها، ولي العهد مارك ويستر. كنت سمعت إنه وسيم، بس ما كنتش قادرة أفهم إيه كل الدوشة دي. كان شبه أي ولد تاني عرفته، بس يمكن ريحته كانت أحسن.

الأميرة ألينيا غيرت طريقتها، ومثلت كأني شخصية فظيعة. قالت وهي بتكتم شهقة: "آه، مارك البنت دي فظيعة. ما اتحركتش لما خليت الرسول يلف يقول وسعوا للأميرة. فضلت واقفة في مكانها، ولما واجهتها، بذوق، شتتني بشتيمة فظيعة و... وضربتني." مسحت عينيها وشممت.

ما كنتش مصدقة الاتهام اللي سمعته منها. أكيد، كنت بكره العيلة المالكة، بس ما كنتش هضربهم. كانوا ممكن يقبضوا عليا، وما كنتش عايزة ده يحصل، لأن مين تاني هياخد باله من الفقراء؟ الملوك أكيد ما كانوش بيعملوا كده، وده كان السبب إني ما كنتش بحبهم.

سأل ولي العهد وهو بيبصلي: "آه، هي عملت كده؟" عيونه البني كانت مليانة مرح ومعرفة، وكان باين إنه عارف بالظبط قد إيه أخته ممكن تكون مستفزة. "إزاي تقدر تضربك، وهي معاها سلة تقيلة ومضطرة تستخدم إيدين الاتنين عشان تشيلها؟" بص لأخته ورفع حاجبه.

"يعني إيه مضطرة تستخدم إيدين الاتنين؟ كانت بتستخدم إيد واحدة عشان تدي ورد للناس الفقراء الأغبياء."

سكت وما نطقتش، وعارفة لو قلت حاجة، ده هيبقى وحش ليا. فضلت موطية راسي، ومش عايزة يفتكروني قليلة الأدب. مع ذلك، كنت ببص عليهم من وقت للتاني، عشان أتأكد إنهم الاتنين في نظري.

سأل ولي العهد مارك وهو بيبصلي: "ده حقيقي؟ كنتِ ماسكة السلة بإيد واحدة، رغم إن السلة تقيلة؟" رفع حاجبه ليا، وكنت عارفة إنه متفاجئ شوية إن بنت تقدر تعمل حاجة زي كده.

رديت: "أيوه يا سمو الأمير، كنت بوزع ورد على الستات، كهدية." انحنيت تاني، وما قلتش إني قوية كفاية عشان أشيل سلة "تقيلة" زي دي بإيد واحدة وجنبي.

"طيب، لازم نتحرك يا ألينيا. خلينا البنت الفلاحة دي ترجع لشغلها. أنا متأكد إنها ما قصدتش حاجة لما ضايقتك." مسكها من كتفها وبدأ يمشّيها بعيد، متجاهل احتجاجاتها اللي وجهتها له. بص عليا وغمزلي كأنه بيقول 'العفو'.

جزيت على سناني وانحنيت، وبقيت بكرهم أكتر وأكتر. كنت عارفة إن ده غلط إني أحكم عليهم، بس ما كنتش قادرة أمنع نفسي. كنت بشوف الوجع والتعذيب اللي الناس دي بتمر بيه، وكان باين إن الملوك عمرهم ما اهتموا. كنت بشوف ناس بتموت، وما كنتش حابة ده.

وكل اللي كنت أقدر أدعي بيه هو مستقبل أحسن. كل اللي كنت أقدر أدعي بيه هو طريقة أطلع بيها الكل من الأزمات دي، بس كنت عارفة إن ده تمني بس. كنت بس أتمنى لو كان فيه طريقة أبين للملوك إن شعبهم بيعاني، بس ما كنتش عارفة إزاي.
                       

روايه فرسان التنانين | فانتازيا

روايه فرسان التنانين | فانتازيا
مستمرة

فرسان التنانين

تأليف الكاتب

جاري الجلب...

القصة والوصف

رواية فرسان التنانين وعالم "ألينشيا" الساحر، حيث كانت التنانين رمزاً للقوة والعدالة تحت حماية فرسان أسطوريين. بمرور الزمن، تلاشت الثقة وانقلب الناس على حماتهم، مما أدى لاندثار عهد الفرسان في ظل محاولات السيطرة والاستبداد. تبدأ الأحداث مع "ماريني"، فتاة بسيطة تعمل في المهن الشاقة وتحمل سراً يغير وجه التاريخ، فهي الوريثة الأخيرة لهذا العهد المفقود. وسط عالم يغرق في الظلم، تبرز "ماريني" كبصيص أمل وسط معاناة الفقراء وتجاهل الطبقة الحاكمة. تتشابك خيوط القدر عندما يظهر طاغية يسعى لفرض سيطرته المطلقة، مما يضع ماريني أمام مسؤولية إنقاذ مملكتها. تمزج الرواية بين الفانتازيا الملحمية، والصراعات الطبقية، ورحلة البطلة في البحث عن الذات. في "ألينشيا"، حيث تختفي الرحمة، تثبت "ماريني" أن الشجاعة لا تعرف المستحيل. هل ستنجح في استعادة السلام المفقود بمساعدة صديقة وفية وتنين ينتظر إشارة القدر؟ اكتشفوا رحلة ملحمية عن القوة، التضحية، والأمل في عالم يرفض الانكسار.

المشاهدات
9.0 التقييم
عدد الفصول
العربية اللغة الأصلية

الفصول المتاحة

محدث

قد تعجبك أيضاً

رواية الهروب نحو الحرية

الهروب نحو الحرية

ذكريات زي دي هي اللي كانت بتنهش فيا دلوقتي، وبتخلص على حيلي. بقيت بقضي وقت في إني أعيد تمثيل الساعات دي فوق بعضها أكتر بكتير من الوقت اللي بقضيه في الحاضر، بس... كان أسهل كدة. الطوق كان مخنقني في الأول. دلوقتي وأنا سايبة نفسي أسرح، مابقتش حتى باخد بالي من الوجع المستمر في المكان اللي الحديد حك فيه جلدي المجروح.
تحميل الفصول...
                       قالولي إني بقيت عبدة دلوقتي.

مافرقش معايا. لا فرقت معايا لما كلبشوا إيديا، ولا لما لبسوني طوق في رقبتي. سبتهم يجرجروني زي الكلب في الحبل، لأني ببساطة مكنش فارق معايا كفاية إني أقاوم.

مبقتش فارقة خلاص. مفيش أي حاجة جنود الأنجليين ممكن يعملوها تتقارن بمنظر قريتي وهي بتتحرق. ولا بمنظر إخواتي الصغيرين وهما بيدبحوا زي الحيوانات. العيال الصغيرة اللي في سنهم ده مكنش لهم لازمة، أنت فاهم. ميسووش الأكل اللي بيصرفوه عليهم عشان يفضلوا عايشين، حسب كلام الرجالة دي. لكن واحدة عندها تمنتاشر سنة؟ أكيد كان فيه حاجة ممكن أعملها. في الحقيقة، كذا حاجة.

فكنت أنا دي. الناجية. المحظوظة. جندي من اللي شبعوا حروب وقف على أرض غرقانة بدم عيلتي، ومسكني مثبتني، في الوقت اللي جندي تاني ضربني لحد ما قربت أفقد الوعي. قعدت أعيط وأترجاهم لحد ما اقتنعوا إنهم كسروني، وإلا كانوا فضلوا مكملين لحد ما ينجحوا فعلاً.

مش فاكرة من اللي حصل بعد كده غير لقطات متقطعة - وأنا بيتجر بيا وسط بقايا قريتي اللي لسه بتدخن، وعن الجيران اللي سابوهم للجوارح، وبعدين عن التقُّل التلج للطوق وهو بيتقفل على رقبتي.

ذكريات زي دي هي اللي كانت بتنهش فيا دلوقتي، وبتخلص على حيلي. بقيت بقضي وقت في إني أعيد تمثيل الساعات دي فوق بعضها أكتر بكتير من الوقت اللي بقضيه في الحاضر، بس... كان أسهل كدة. الطوق كان مخنقني في الأول. دلوقتي وأنا سايبة نفسي أسرح، مابقتش حتى باخد بالي من الوجع المستمر في المكان اللي الحديد حك فيه جلدي المجروح.

زي ما مابقتش واخدة بالي من اللي حواليا. إني أحط رجل قدام التانية كان سهل لدرجة تضحك، لدرجة إني كنت ممكن أسيب جسمي يكمل لوحده لأيام وأيام ورا بعض. كنت باجي في الأوقات اللي محتاجة آكل فيها، أو أقضي حاجتي، أو أتكور عشان أنام، بس ده كان كل اللي بعمله، وحتى ده كان حاساه تقيل أوي.

لحد اللحظة اللي وقفنا فيها فجأة. سمحت لنفسي أرجع للواقع للحظة، عشان الوقوف ده مكنش بيحصل كتير. الطبيعي إننا كنا بنمشي لحد ما حد يغمى عليه. الخوف انتشر زي النار في طابور العبيد. كنت شامة ريحته في نسمة هوا العصر، وقادرة أحس بيه في الطريقة اللي كتافي اتشدت بيها، وشعر رقبتي وقف.

كان فيه حاجة بتحصل.

محدش فينا فتح بقه. الجنود كانوا موضحين كويس أوي إنهم بيفضلونا ساكتين، وعمره ما كان ذكاء إنك تديهم عذر يضربوك. كانوا لاقيين أسباب كفاية من غير حاجة - إحنا كنا كامبريين، وهما كانوا زهقانين.

كان فيه عبيد على يميني وشمالي، قدامي ووراي، وأنا مكنتش أطول بنت مشيت على الأرض، بس كنت شايفة كفاية. كنا عند تقاطع طرق. على شمالي، بحيرة صغيرة طين. وعلى يميني، غابة كثيفة لدرجة إن النباتات كانت بتضطر تشق طريقها فوق جذوع الشجر عشان تلحق تبص بصة على نور الشمس.

ولا حاجة من دول اهتميت بيها بمجرد ما شفت الرجالة اللي مستنينا على الطريق قدام. كانوا أربعة. كلهم راكبين خيول، وكلهم سيوفهم في وسطهم وتراسهم مربوطة في ضهرهم. محاربين، مش جنود، عشان مكنش فيه أي لبس موحد باين. كانوا لغز جزء صغير أوي مني كان عايز يحله.

خطوات على الطريق، صوتها بيعلى مع كل ثانية بتعدي. العقدة اللي بين كتافي اتشدت. كنا متسلسلين في صفوف بمسافة يادوب تسمح بخطوة، بس لفونا بالعرض عشان نواجه قائد الجنود وهو بيتمشى بطول الصف. هو ده اللي كان أداني أول ضربة قاسية، وكنت هكرهه لو قلبي مكنش فاضي بالشكل المرعب ده.

"عايز دستة كاملة. أحسن اللي فيهم،" قال.

الذعر انفجر في الصف. أغلبهم حاولوا يوطوا، عشان يبانوا ضعفاء وتعبانين. طابور العبيد كان جحيم، بس الأرجح إن مصير اللي هيختاروهم هيكون أوحش بكتير. أنا بس فضلت موطية راسي، وباصة في الطين. إنك تقاوم الاختيار معناه إن لسه فارق معاك اللي يحصلك، وأنا مكنش فارق معايا.

جنب صوابع رجلي، خنفسانتين كانوا بيتخانقوا على حتة أرض. واحدة رمادية، والتانية زرقاء بتلمع. بعد أيام من البص في جزم العبيد اللي قدامي، لقيت نفسي مندمجة مع خناقتهم. أكيد كانوا شايفين السنتيمترات القليلة من الطين دي مهمة جداً، بس من فوق هنا كانت تبان تافهة أوي.

الجنود بدأوا يشدوا رجالة وستات من الصفوف. كانوا لازم يفكوا سلاسلهم عشان يعملوا كدة، فكان الموضوع بياخد وقت. اللي بيختاروهم كانوا بيتحملوا في عربية في آخر الصفوف، ومقدرتش مآخدش بالي إنهم كانوا أصغرنا وأجملنا. بنت شعرها أسود زي الأبنوس اتشدت من جنبي. ولد ميزدش عن ستعشر سنة انضم لها بعد لحظة.

"ده،" القائد كان بيقول، وكالعادة مصحوبة بصباع بيشاور.

كان وصل للرقم حداشر لما وقف حصانه قدامي. مكنتش قادرة أتنفس وأنا بشوفه بيمد إيده اللي لابسة جوانتي ويمسك دقني، يرفعها عشان يقدر يشوف وشي. للحظة طويلة، فضل باصص لي وأنا باصة لتحت بإصرار.

الخنفسانات كان باين إنهم موتوا بعض - عالأقل، مفيش واحدة فيهم كانت بتتحرك. الرمادية كانت نايمة على ضهرها، ورجليها بترعش. حركت جزمتي حتة صغيرة عشان أدوس عليها وأنهي عذابها. ده... يعني لو الخنفسانات حتى بتحس بالعذاب.

"هي دي هتنفع. نظفوها."

سيب دقني ومشي. بس أول ما مشي، جندي تاني جه عشان يفك سلاسلي ويشدني بره الصف. لو مكنتش لسه متكلبشة، كنت ممكن أحاول أشد سيف الراجل ده. يمكن كان هيتعصب لدرجة إنه يقتلني، في الآخر، وده كان بالظبط اللي أنا عايزاه - إني أمشي في جنة الآلهة مع عيلتي، أسمع ضحكة أبويا العالية وأشوف ابتسامة أمي تاني.

قميصي الوسخ اللي غرقان ترجيع اتقطع، وصبوا قربة مية متلجة على صدري. رعشة واحدة هزت جسمي من راسي لحد رجلي. كان معاهم قميص جديد ليا، بيهرش وكبير بزيادة. أكيد كان بتاع واحد من الجنود.

عشان ألبسه، الكلبشات كان لازم تتفك للحظة، بس كانوا ماسكيني جامد لدرجة إني مكنتش قادرة غير إني أتحرك، وأخدت ضربة بالجنب من إيد الجندي بكسل. لحست كام نقطة دم من شفايفي واستخدمتهم عشان أغسل كبريائي. كان طعم بدأت آخد عليه أوي.

في الظروف العادية، ملمس القطن النضيف على جلدي كان هيحسسني بالراحة. النهارده، حسيته كإنه آخر دفاع ضعيف ليا اتعرى. أول ليلة، لما الجنود كانوا جايين يدوروا على بنات يدفوا سريرهم، كنت حطيت صباعي في زوري ورجعت على نفسي. نفعت... بطريقة ما.

شاب بوش مليان دقن خشنة مسك دراعي وركبني العربية مع الباقيين. كانت ضيقة لدرجة إن مكنش فيه مكان كفاية لهيبتي على طرف الدكة الخشب، بس رفاهية إني أكون قاعدة كانت معوضة ده. اتحركت العربية برزع بعد دقايق، والخيول بدأت تهرول غصب عنها. الواصلين الجداد مشيوا حوالين العربية.

كنا رايحين الجنوب، بعيد عن الطابور، اللي اختفى بسرعة من عينينا لما لفينا حوالين تلة. القائد واتنين من رجاله كانوا ماشيين ورانا، لاستغرابي. كانوا سايبين مسافة حذرة - تكاد تكون بازدراء - عن المحاربين.

السواق ضرب خيول العربية بالكرباج عشان يخليهم يهرولوا بانتظام. كانوا جلد على عضم، مش زي الحصان القوي اللي عيلتي كانت بتستخدمه في الحراثة. حسيت بشفقة عليهم. الحيوانات دي مكنش يستاهلوا العبودية دي أكتر مننا.

بس خيول الواصلين الجداد كانت مختلفة. كانت خيول رشيقة عندها عضلات تخليها تشيل أصحابها ليل نهار لو لزم الأمر. شعرهم كان متسرح، وعرفهم متفكك، واللجام كان مرخي. ده قالي كل اللي محتاجة أعرفه عن أصحاب الخيول دي. والأهم، إنهم مكنوش ساعدوا في مذبحة عيلتي. معاييري للبشر كانت نزلت الأرض في الأسبوع اللي فات.

كانوا بيتكلموا مع بعض فوق دماغنا بلغة مكنتش أعرفها. أكيد مش أنجليين، إذاً. كلهم كانوا سمر، وجسمهم عليه علامات حروب، ولابسين جلد وفرو. لو كان لازم أخمن، كنت هقول عليهم شماليين - رجالة من الجبال اللي في أعلى بلدي. في المستنقعات، كنا بنحب نسميهم همج، بس كنت عارفة إن ده مبالغة. كانوا بس مختلفين عننا، ثقافتهم أنشف وأقسى.

الولد العبد اللي شعره أصفر غامق اللي قاعد قصادي كان بيبص لي. مكنش أكتر من ستعشر سنة، ومكنش بيتهيألي إنه يقصد حاجة وحشة، بس رفعت راسي عشان أقابل نظرة عينه وثبتها. مكنش فيه أي حاجة إنسانية في عيني في اللحظة دي. في قريتي، ده كان دايماً كفاية عشان يخلي اللي بيبص لي يهرب، بس الولد ابتسم لي.

"أنا روري،" قالي. "فرصة سعيدة."

بصيت حواليا، مستنية المحاربين يزعقوا له أو يخلوا وشه يحس بظهر إيدهم. ولا ده ولا ده حصل - أقرب واحد فيهم بس بص لنا بصة سريعة قبل ما عينه ترجع للطريق اللي قدامه. اعتبرت ده إذن إني أتكلم.




"لأ، مش لطيف." قولت بصوت مكتوم حاد. "مش لطيف إني أقابلك لأني شخص مش لطيف. واسمك مش روري، يا حتة غبي يا عديم الفهم. إنت معندكش اسم دلوقتي. ولا حد فينا عنده - إحنا عبيد. كل ما تستوعب ده بدري في دماغك الناشفة، كان أحسن."

الرد ده كان المفروض يخليه يبطل رغبته في تكوين صداقات، بس ابتسامته وسعت أكتر. "الموضوع هيبقى ملخبط شوية لو نادوا علينا كلنا بـ 'يا عبد'، مش كدة؟ تخيلي بس - روح وسرج الحصان بتاعي، يا عبد. لأ، مش إنت! إنت!"

الولد ده أكيد عقله فيه حاجة. مفيش تفسير تاني لده. كان فاكر الموضوع كله نكتة كبيرة ومضحكة. بس مش هيكون فيه وظائف بيت مريحة وشغل عند الأسياد. إحنا هنتبعت لمعسكرات عمل - مناجم، غالباً - وهنشتغل لحد الموت عشان الحياة بقت رخيصة الأيام دي.

"إنت عايز إيه بالظبط؟" سألت بخشونة.

روري كان بيلعب في سلاسله. مكنش وحش، مع إن نص وشه كان متغطي بدم ناشف. حفظت ملامحه في ذاكرتي من غير تفكير، لو بس عشان هو الشخص الوحيد اللي اتكلمت معاه من ساعة ما سبت القرية.

"ممكن يبقى لينا أسماء،" تمتم.

كشرت، ومردتش عليه. ويادوب الولد فتح بقه عشان يضيف كلام فارغ تاني، صرخة جت من قدام الطابور. واحد من خيول المحاربين كان بيقف على رجلين ورا. قدر يفضل قاعد في السرج، بس سمحت لنفسي آمل للحظة واحدة. ممكن تكون كمين - محاولة لتحريرنا. في الآخر، كان فيه سبعة رجالة بس بيحرسونا.

وبعدين شفت دم على الطريق - أثر طويل وممتد وصل لظبي بيموت. فيه حاجة كانت متمزقة أمعاؤه. في المناطق دي، الأرجح إنه ذئب. بس المهمة متكملتش، والظبي الصغير زحف مية خطوة في الطين وهو بيتعذب بوضوح. قاوم كتير عشان يعيش، وأنا اندهشت من ده، لأني مش قادرة أفتكر إحساس إني أقدر حياتي أصلاً.

المحارب القائد نزل من على حصانه، وبدأ يقول كلام هادي لحصانه اللي خايف وللظبي المرعوب. بحركات بطيئة وحذرة، طلع سكينة وقربها من رقبته. الظبي مسبتش نفسه يموت بسهولة. قعد يرفس ويصرخ لحد ما قلبه بطل يدق.

طبعاً مكنتش محاولة إنقاذ. كنت غبية إني حتى فكرت في كدة. أي قوات كامبرية ناجية هتكون مستخبية في التلال، مستنية سيد الأرض يسيب قلعته ويحارب. هو مش هيعمل كدة، ومحدش يقدر يجبره. مكنش فيه ملوك في كامبريا - بس زعماء قبائل في غابات الجنوب، ونبلاء وكونتات في المستنقعات، وأمراء حرب في المناطق الشمالية. أدركت إن واحد من أمراء الحرب دول أكيد بيملك المحاربين دول. واحد منهم أكيد خان بلده عشان يشتغل مع الغزاة الأنجليين.

حتى وأنا بوصل للاستنتاج ده، لاحظت إن القائد كان ركب وسط الشماليين عشان يتفرج على ذبح الظبي. افتكرت إنه كان بيدور على عذر.

"عمل جيد، يا صديقي. تفتكر ده كان فأل؟" القائد سأل الراجل اللي قتل الظبي.

اتحرك بعدم ارتياح. "مع كامل الاحترام، بس إحنا مابنؤمنش بآلهتكم ولا خرافاتكم."

كتمت صوت استهزاء. الأنجليين ميعرفوش حاجة عن بلدنا. الجنوب كان اتأنجل على مدار السنين، واتحول لدينهم، بس الشمال فضل وثني بعناد.

"متقدرش تنكر صدفة الموضوع. الظبي ممكن يكون المستنقعات، والكلب اللي هجم عليه... مش أمير حربكم معروف بلقب 'كلب سييرا' الأيام دي؟"

"مش عند أهل الشمال، يا سيدي. راجنير بيسموه 'ذئب سييرا'،" المحارب قال. كان فيه نبرة توتر جديدة في صوته وهو بيحاول يمشي على الخيط الرفيع بين التحدي والوقاحة.

'راجنير' كانت بمعنى 'سيد' باللغة القديمة. الأيام دي كان لقب بيستخدم بس في الشمال. وكنت عارفة إن سييرا حتة أرض في الشمال الغربي، مع إني مكنتش أقدر أحددها على خريطة.

القائد ضحك بصوت عالي. "يمكن كان حقيقي في وقت ما. بس ذئبكم حط ديله بين رجليه ونام على بطنه لما الملك بص للشمال. وإيه هو الذئب المطيع لو مش كلب؟"

لاحظت المحاربين بيتحركوا بعدم راحة، وإيديهم المتعورة بتلمس سلاحهم. محدش فيهم يقدر يسحب سيف - دي كانت خيانة إنك تحمل حديد ضد جنود الملك. الراجل اللي نزل من حصانه طلع تاني في السرج وقرب حصانه لقدام عشان يبص للقائد في عينه.

صوته كان هادي بشكل خطير ومليان كره وهو بيمتم، "زي ما تقول، يا سيدي."

القائد مطلعش أي شكوى. في الحقيقة، مكنش يقدر يعمل أي حاجة غير إنه يبرق ويتمتم بشتائم تحت نفسه وإحنا بنتحرك تاني. خيول العربية عدت من جنب جثة الظبي، بس واحدة من العجل خبطت في بركة الدم، وسابت أثر غامق على الطريق ورانا. اتكومنت على دكة العربية وريحت راسي على الحاجز، اللي كان بيرزع وبيعمل دوشة لدرجة إن راسي وجعتني بسرعة.

المشوار كان أقصر مما كنت متخيلة. في ساعة واحدة، طلعنا على تلة وبصينا لتحت على سهل فيضي ممتد لآخر مدى العين. معسكر على شكل هلال كان مفرود بين نهر وواجهة جبل. عديت بسرعة وبشكل مش منظم، وكان فيه على الأقل ميت خيمة، وده ممكن يعني ألف راجل. ألف راجل. جيش بالحجم ده ممكن يغير مسار أي معركة، ممكن ينضف المستنقعات من تجار العبيد الأنجليين دول... بس بدل ده، كانوا بيحاربوا للملك هيروكس.

حسيت بوشم العبودية بيحرقني من مجرد التفكير. تقُل الطوق على رقبتي بقى لا يطاق فجأة، وبدأت ألاحظ كل وخزة وجع لما حواف الحديد كانت بتحك في جلدي. كل دي حاجات كانت تلاشت في الخلفية - مجرد جسمي بيعمل دوشة لودان صماء.

بس دلوقتي بقيت بلعب فيه وببص على الجيش اللي متخيم قدامنا زي أي فلاح عادي وإحنا بننزل. كل المحاربين كانوا راكبين خيول: قدرت أعرف من الحجم الضخم لخط الإمدادات اللي كان ملتف بكسل على طول حافة النهر. كان فيه أرض فاضية في نص الخيام حيث كان فيه مية محارب بيتدربوا بأسلحتهم. أغلبهم كانوا بيتمرنوا على حيطة الترس.

فكرت نفسي إني مأبرقش. الاستعراض العادي للقوة العسكرية كان طبيعي لأمير حرب. كانوا مشهورين إنهم بيعيشوا ويموتوا بسيوفهم. بسيفين منهم، لو هنصدق بعض الإشاعات.

العربية وقفت برعشة عند طرف المعسكر، ونزلونا. قعدونا في ضل شجرة بلوط عشان يخبونا من شمس الظهر - لطف غير متوقع. واحد من الشماليين أصر إن القائد يستنى رجوع أمير الحرب في خيمته الكبيرة. قال إن 'ذئب سييرا' كان بره بيصطاد 'أرانب'. كان يقصد 'متمردين'.

فالقائد مشي مع حراسه، والاتنين محاربين اللي سابوهم يحرسونا شربوا لحد ما سكروا. ريحة الجعة المرة فكرتني بأول ليلة قضيتها مع توماس. إحنا الاتنين كنا بنشرب كتير، بس كانت المتعة هي اللي سكرتنا لما خلصنا. إيه اللي حصل لتوماس، يا ترى؟ مفيش حاجة كويسة - ده كان أكيد.

بس هو كان ممكن يهرب من الأنجليين لأنه كان بيعرف يستخدم القوس وكان سريع. لو قدرت أرجع للقرية، ممكن أدور عليه - بعد السنين دي كلها، كنت مديونة له بده على الأقل. ومكنش فيه طريقة تعرف مين تاني ممكن يكون ناجى...

مشفش أمي ولا إخواتي الاتنين الصغيرين وهما بيموتوا. سمعت بس الصريخ. كان مش محتمل إن الجنود يسيبوا الشغل مش كامل، ده مينفعش ننكره، بس مش مستحيل. ماذا لو كانت إمري الصغيرة بتتعثر وسط رماد بيتنا دلوقتي، وبتسأل أختها الكبيرة راحت فين؟

لازم أتأكد - لازم. وعشان كدة، هحتاج أهرب من السلاسل دي، وهحتاج ألاقي طريقة أقطع بيها عشرين فرسخ من غير ما أتمسك. مكنش عندي أي أوهام بخصوص اللي هيحصل لو مسكوني. الأنجليين كانوا موضحين كويس أوي إحساسهم بخصوص محاولات الهروب.

بنت مرعوبة حاولت تعملها وهي بتغير سلاسلها. لما الجنود خلصوا معاها، أمها نفسها مكنتش هتعرفها. الجثة اللي كانت دم ومقطعة اتعلقت من أقرب شجرة كتحذير لباقينا. أغلب التانيين وصلتهم الرسالة، بس أنا مكنش فارق معايا سلامتي لدرجة إني أخاف من الموت - مهما كان مؤلم أو طويل. ممكن حتى أرحب بيه.

لأني مش مصدقة. مش بجد. كان مريح إني أتخيل إن أي حد من عيلتي لسه عايش، بس كنت شفت البيت بيتحرق وماما وإمري وأختي الصغيرة لسه جواه. جثثهم أكيد كانت محروقة لدرجة متتعرفش. ومع كدة كنت عايزة أعمل نفسي مش مصدقة، لأنه الطريق الوحيد اللي يخرجني من حزني فترة كافية عشان أعمل حاجة. أي حاجة.

لأول مرة من ساعة ما اتأسرت، ركزت عقلي إني أعمل حاجة غير إني أعيش وبس. مكنش هيكون صعب - إني أخرج من السلاسل دي وأسرق حصان. أصعب جزء هيكون إني أجري أسرع من اللي هييجوا ورايا. حصانين، إذاً. أو حصان واحد خارق. بس كل حاجة في وقتها...

عملت نفسي مكسوفة، ووجهت سؤال لأقرب حارس. "إزاي بتشربوا كتير كدة؟ أبويا كان بيغمى عليه بعد كوباية واحدة."

كذبة. أبويا نادراً ما كان بيشرب، ولما كان بيعمل كدة، كان بياخد بوق أو اتنين. بس المحاربين اتبسطوا باللي فسروه كإنه مدح. ضحك، "ده طعم الواحد بيتعود عليه، يا بنتي. في الشمال، إحنا بنفطم على الجعة."

"آي، ده حقيقي فعلاً،" التاني وافق.

"طب مين فيكم يقدر يشرب أكتر؟" سألت بحذر. رسمت ابتسامة بريئة فوق مكرهم. روري بص لي بفضول، بيسأل نفسه أنا ناوية على إيه. سيبه يسأل.

السؤال ده أثار خناقة قعدت ساعة تقريباً. المحاربين أصروا يوروا قوتهم بشرب قربة ورا التانية. شجعتهم بابتسامات وتعليقات بتستفزهم. وزي ما كنت آمل، راحوا في النوم وبدأوا يشخروا قبل فترة طويلة، والشراب أثر عليهم على طول. الموضوع كان سهل جداً، بجد.

مديت إيدي لشكل الحارس الأول اللي كان واقع، وشديت نفسي ضد السلاسل، ومشيت صوابعي على الحزام اللي في وسطه. مفيش. جمعت الحلقات اللي رابطة كلبشاتي في إيد واحدة عشان متعملش صوت، واتحركت ناحية الراجل التاني. وفعلاً، مفتاح سلاسلي كان متعلق جنب شنطة وسطه. مكنش صعب إني أفك الخيط وأخطفه.

"يا مكشرة، بتعملي إيه؟" روري نادى بصوت واطي. مكنتش معجبة باللقب الجديد وتجاهلته.

ببطء، ببطء شديد، نقلت وزني لورا لحد ما قعدت على كعبي ورفعت المفتاح لرقبتي. بعد ثواني، الطوق اتفتح. هزيت راسي، ووجهت اهتمامي للكلبشات اللي في إيديا.

"لأ، بجد. بتعملي إيه؟" روري همس. عينه كانت بتلف حواليه بيأس، بيدور على أي حراس جايين. حتى العبيد التانيين قعدوا وبدأوا ياخدوا بالهم. إنك تشهد على هروب عبد كان أكيد بيعتبروه تسلية بعد البص في الأرض لأيام.

سلاسي وقعت على الأرض كومة واحدة، ورميت المفتاح بإهمال لروري. "اسمي ليرة. خدي راحتك في استخدام المفتاح ده، بس لو مشيتي ورايا وخلتيني أتمسك، هفتح بطنك. فاهمة؟"

بص لي بقه مفتوح وأنا وقفت. العبيد التانيين بدأوا يهمسوا لبعض واتحركوا في مكانهم بعدم راحة، أكيد بيسألوا نفسهم لو هيتعاقبوا عشان سابوني أمشي. خطفت سكينة من حزام أقرب محارب نايم. سيف كان هيكون مثالي، بس كنت أقدر أستغنى عن التقُل، و... مكنتش أعرف إزاي استخدم واحد. حطيت السلاح في وسطي، وعملت انحناءة ساخرة للعبيد الباقيين. الغريب، إنهم مصفقوش.

"هيمسكوكِ،" روري وعدني، "وبعدين هيقتلوكِ."

كنت خلاص بقيت على بعد عشرين خطوة من خط الإمدادات لما رديت عليه من فوق كتفي، "كويس."
                       

روايه ظل الفارس

روايه ظل الفارس
مستمرة

ظل الفارس

تأليف الكاتب

جاري الجلب...

القصة والوصف

في عالم تمزقه الحروب والغزو، تجد "ليرا" نفسها فجأة من الناجين الوحيدين من مجزرة مروعة أودت بحياة عائلتها وقريتها. تقع في أيدي جنود الأنجليين القساة، لتتحول حياتها من فتاة حرة إلى عبدة مقيدة بالأغلال، مجردة من كل شيء إلا إرادة مكسورة. بينما تُساق في طوابير العبيد نحو مصير مجهول، تبدأ رحلة محفوفة بالمخاطر عبر أراضٍ يسيطر عليها أمراء الحرب المتصارعون. وسط هذا الظلام، تكتشف ليرا أن الانتقام قد لا يكون المسار الوحيد، وأن البقاء يتطلب أكثر من مجرد تحمل العذاب. رواية ملحمية تغوص في أعماق النفس البشرية عند مواجهة الفقد المطلق. تتقاطع فيها دروب المتمردين مع طموحات الغزاة، وتتشابك الخيوط السياسية بخيوط الخلاص الشخصي. هل ستستسلم ليرا للقدر المحتوم، أم ستجد القوة للتمرد والبحث عن الحقيقة في رماد ماضيها؟ قصة عن الصمود، الخيانة، والأمل الذي يولد في أكثر الأماكن قسوة.

المشاهدات
5.0 التقييم
عدد الفصول
العربية اللغة الأصلية

الفصول المتاحة

محدث

قد تعجبك أيضاً

عالم الوحوش - الفصل الأول استيقاظ في الجحيم

استيقاظ في الجحيم

لحظات حبس الأنفاس حيث تستيقظ "فو لينجشي" لتجد نفسها في قلب الجحيم الذي صنعته شخصيتها الأصلية. صراع محموم بين محاولة إنقاذ الضحايا المقهورين وبين الهروب من الموت المحدق على أيدي أزواجها الوحوش.
تحميل الفصول...
                       "هه، فاكرة إن بقوتك دي تقدري تخليني أترجاكي عشان أطلب الرحمة؟ احلمي."

دماغ فو لينجشي كانت بتنبض من الوجع.

الصوت كان بعيد ومكتوم، كأنها محبوسة جوه حلم ناتج عن سخونية. لكن في نفس الوقت، كان مألوف ليها بشكل مؤلم.

الجملة دي...

مش دي نفس جملة الراجل المتوحش اللي كان بيتعرض للتعذيب في رواية عالم الوحوش اللي كانت بتسمعها قبل ما تنام؟

نبرة الصوت كانت مليانة احتقار وحشي، باردة، وساخرة، وفيها تمرد شرس.

وهي لسه دايخة، فو لينجشي رفعت إيدها لا إرادياً عشان تدلك كتفها اللي بيوجعها، وفجأة اكتشفت إنها ماسكة حاجة في إيدها.

صوابعها ضغطت عليها بقوة بشكل تلقائي.

طويلة. مرنة. ومتغطية بشوك حاد.

"هسسس—!"

الشوك دخل مباشرة في جلدها.

الوجع المفاجئ فاققها تماماً.

رؤيتها وضحت في لحظة.

أول حاجة شافتها كانت فك بطل الرواية الملطخ بالدم، منحوت بشكل مثالي، وحاد لدرجة إنه ممكن يجرح.

وبعدين نظرتها نزلت لتحت.

ولتحت أكتر.

فو لينجشي كادت تتوقف عن التنفس.

جسم الراجل كان يبان كأنه منحوت من قبل فنان مجنون مهووس بتشريح الأجسام.

عضلات برونزية مشدودة تحت هدوم متقطعة من جلد الحيوانات، كل خط في جسمه كان قوي وعنيف. الدم كان مالي دراعاته وصدره، ومبين التضاريس القوية لعضلات بايسبس ودراعاته وبطنه.

عضلات بطن سداسية ومقسمة لثمانية.

حتى في الموقف ده، مخها عدّهم تلقائياً.

ثمانية بالظبط.

إيديه كانت مربوطة بقوة في حيطة الحجر بحبل خشن. ورجليه كمان كانت مربوطة، والجلد متقطع من كتر المقاومة. الدم كان ملون الحبال باللون الأحمر الغامق.

وهو بيتكلم، العضلات في بطنه كانت بترتعش زي وتر قوس مشدود تحت ضغط كبير.

"هه، ودلوقتي؟ بتحاولي تجربي خدعة تانية؟" الراجل سخر منها. "تعذيب الوحوش ما كفكيش، فبدأتي تعذبي نفسك إنتي كمان؟"

عينيه الخضراء الغامقة كانت بتقطر كره. "يا ريت تدعي إنك ما تخلينيش أتحرر أبداً."

العدائية الباردة في صوته رجعت فو لينجشي للواقع تماماً.

وقفت وهي بترنح من الخوف وبصت لنفسها.

بشرة سمراء متغطية بالتراب.

هدوم مقطعة من جلد الحيوانات.

وكرباج في إيدها.

فروة راسها اتملت تنميل.

فو لينجشي قرصت خدها بقوة فوراً.

الوجع انتشر في وشها.

حقيقي.

ده كان حقيقي.

"مستحيل... لا، لا، لا..."

بثها المباشر.

طلبات البرفان بتاعتها.

فلوسها.

مش هي لسه سهرانة طول الليل بتعمل بث عشان تروج للبرفانات اللي بتصنعها بإيدها؟

كانت أخيراً قدرت تبيع كام مية وحدة بعد ما تعبت نفسها لدرجة الموت.

وبعد ما البث خلص، وكانت متحمسة بزيادة لدرجة إنها مش عارفة تنام، فتحت تطبيق عادي واختارت رواية عالم الوحوش اللي بتحبها كخلفية صوتية.

ده اللي حصل.

ده حرفياً كل اللي حصل.

طيب ليه يا ربي فتحت عينيها جوه الرواية؟!

فو لينجشي كانت سينجل من ساعة ما اتولدت. حياتها كلها كانت بتلف حوالين صنع البرفان وجمع الفلوس.

هل فيه نظام كوني اتلخبط وافتكر تفانيها في الرأسمالية ده طلب لتحقيق أمنية؟!

الوجع اللاسع في صوابعها وخدها فكرها بقسوة إن ده مش حلم.

ببطء، بصت تاني للراجل اللي قدامها.

ملامحه كانت وسيمة بشكل مدمر، كأنه تمثال رخام حي. عينين غايرة لجوه. عظمة حاجبه بارزة. ومناخير حادة منحنية بأناقة على وشه.

لكن العينين الخضراء دي ما كانش فيها غير اشمئزاز واضح.

"اضربيني لو عايزة،" قالها بحدّة. "بس ما تقربيش أكتر. ريحتك بتقرفني."

لما فو لينجشي قربت خطوة لا إرادياً، الراجل حاول يقف بعنف.

القيود سحبته لتحت تاني فوراً.

طرقعة.

صوت كسر حاد ظهر من تحته.

نظرة فو لينجشي نزلت لتحت.

قلبها اتجمد.

الراجل كان راكع على سرير من أغصان شوكية.

ألياف رفيعة كانت رابطة رجليه بقوة ضد الشوك الحاد. كل حركة بسيطة كانت بتدخل الشوك جوه لحمه أكتر.

عرق بارد كان بينزل من جبهته وهو بيجز على سنانه من الوجع.

وحتى وقتها، كان لسه بيجبر نفسه يطلع كلمات مرتعشة من بين سنانه.

"ما... ما تقربيش أكتر..."

رؤية فو لينجشي بدأت تلف.

وبعدين الذكريات هجمت عليها.

صدرها اتخنق في الأول.

وبعدين حست بدوخة عنيفة، كأن فيه ألعاب نارية بتنفجر جوه جمجمتها. ذكريات متقطعة غرقت عقلها في موجات فوضوية.

هي اتنقلت لعالم تاني.

لجسم الشخصية الشريرة الثانوية اللي بتضحي بيها في رواية عالم الوحوش دي.

صاحبة الجسم الأصلية كان اسمها نفس اسمها—فو لينجشي.

وريثة مزيفة.





اتبدلت وهي لسه مولودة بسبب جوز وحش غيور كان عايز يسرق مكانتها عند زعيم القبيلة.

مؤخراً، الحقيقة اتكشفت أخيراً. أهلها بالتبني، اللي كانوا غضبانين بسبب الخداع ده، طردوها هي وجوازها من الوحوش بره القبيلة ونفوهم للأرض القاحلة دي.

بسبب إنها ما قدرتش تتقبل زوال النعمة، صاحبة الجسم الأصلية فرغت كل غلها في جوازها من الوحوش اللي كانت أجبرتهم على الجواز بيها بعقود.

عذبتهم.

هانتهم.

عذبتهم بلا نهاية.

وفي الآخر—جوازها من الوحوش دول هيتحولوا لأشرار مرعبين.

هما اللي هيكسروا عقدها بنفسهم، وهيمزقوها وهي حية، وهيهرسوا عضمها لحد ما يبقى تراب، وهيشتتوا بقاياها مع الريح.

جسم فو لينجشي كله برد.

الخوف اتسرب لعضمها مباشرة.

ببطء، بصت تاني للراجل اللي قدامها.

لا.

مستحيل تموت بالطريقة دي.

ومستحيل بالذات تتهرس لحد ما تبقى رماد على إيد مجموعة من جوازها الوحوش اللي هيصبحوا أشرار في المستقبل.

بتاخد نفس مهزوز، فو لينجشي أجبرت نفسها إنها تمشي ناحيته.

"ما تقربش مني..."

"اسكتي."

صوتها طلع أقل ثقة بكتير من اللي كانت تقصده.

وطت على الأرض، ومسكت سكينة عضم مركونة جنبها وبدأت بحذر تقطع الحبال اللي حوالين إيديه ورجليه.

إيديها كانت بترتعش لدرجة إنها كادت تجرح نفسها مرتين.

بعد ما حررته، استحملت الوجع من الشوك اللي غرز في كفوفها وبسرعة سحبت الأغصان الشوكية من تحت ركبه.

وهي بتبص مباشرة في عينيه الخضراء المليانة كره، أجبرت نفسها تتكلم بثبات.

"قوم الأول."

الدم كان مالي ركب الراجل.

دراعته كانت مدلدلة بضعف على جوانبه وهو بيسخر ببرود.

"إيه؟ بتدي أوامر دلوقتي؟"

وهو بينزل راسه بضحكة سخرية من نفسه، فو لينجشي لاحظت علامة الوحش على قفا رقبته.

علامة طاووس.

في العالم ده، بترمز لرابطة تزاوج—عقد بين الوحوش وأزواجهم.

"عايزاني أقطع حتة من لحمي تاني؟" سخر بهدوء. "أي جزء المرة دي؟"

عينيه غمقت. "ولا أتحول لشكل نص الوحش بتاعي عشان تقشري جلد التعبان من ديلّي تاني؟"

فو لينجشي حست إن فيه حاجة مسكت قلبها وعصرته.

التنفس بقى صعب.

أخدت كذا نفس عميق قبل ما تلف فجأة وتمشي بره البيت الحجري.

افتكرت إنها شافت أعشاب لوقف النزيف قريبة.

لحسن الحظ، أغلب النباتات في العالم ده كانت شبه اللي في العالم الحديث. بعد ما استعادت ذكرياتها، كانت لسه فاكرة بوضوح البيئة اللي بره.

فو لينجشي جمعت بسرعة كذا عشبة طبية ورجعت جوه.

مدتهم ناحيته.

"رجلك متعورة جامد. لازم توقف النزيف—"

"ها. مفيش داعي."

الراجل اتسند على الحيطة وقام ببطء.

الاحتقار كان بيكتسي نظراته.

النظرة دي لوحدها خلت فو لينجشي تدرك بوجع قد إيه هي بتبان ضعيفة ومثيرة للشك.

"مش محتاج شفقتك،" قال ببرود. "مين عارف إيه الخطة المقرفة اللي بتفكري فيها دلوقتي؟"

جسمه كله كان بيشع بالمقاومة.

كل ما تقرب خطوة، هو كان بيتراجع خطوة.

فو لينجشي وقفت.

وفجأة ابتسمت.

كانت ابتسامة فظيعة. معوجة وفيها خبث متعمد.

"عارف،" قالت بتمطيط في الكلام، "قد إيه ممتع إنك تمزق جرح كان خلاص قرب يلم؟"

كانت عارفة كويس جداً إن مفيش حد هيصدق تغييرها المفاجئ.

مفيش حد هنا هيسيبها تقرب بالسهولة دي.

وهي بترمي الأعشاب ناحيته، قطرات من دم من إيدها المجروحة نزلت على أسورة الكريستال المستخبية تحت كُمّها المقطوع.

لمعة خفيفة ظهرت على الكريستالات.

هادية.

شبه مستحيل تتلاحظ.

تعبير مو لين غمق فوراً تاني.

يعني ده بجد كان مجرد لعبة تانية.

كان لازم يعرف أحسن من إنه يسيب حذره.

وشه بارد زي التلج، رقد تاني على الأرض الحجرية، وهرس الأعشاب بين صوابعه، وضغطها على جروحه بنفسه.

في اللحظة دي—

دبدبة.

صوت تقيل جه من بره ستارة الفروع اللي مغطية المدخل.

فو لينجشي لفت لا إرادياً وجريت بره.

تحت شجرة ضخمة قريبة كان مرمي وحش تاني.

شعر دهبي منكوش مفرود على الأرض. إيديه ورجليه مربوطين بقوة بحبل، والجلد حواليهم مسلوخ ومجروح.

وشه كان شاحب زي التلج.

تنفسه كان ضعيف لدرجة إنه يا دوب يتشاف.

قلب فو لينجشي وقع في رجليها.

لفت فوراً رجعت جوه البيت الحجري، مسكت إبريق المية من الزاوية، وجريت تاني.

ركعت جنبه، وغرفت مية بحذر في إيديها وقربتها ببطء من بقه، وخلته يشرب شوية بشوية.

قبل ما تقدر تخلص تأكيله المية، خطوات سريعة فجأة رنت بره.

كذا حد.

سريعين. وتقال.

فو لينجشي بصت لفوق بحدة في اللحظة اللي ظهرت فيها تلات أشكال مصابة في البعيد، وقربوا منهم بسرعة.

أول ما شافوها جنب الوحش اللي فاقد الوعي، تعبيراتهم اتغيرت فوراً.

"يا أنثى قبيحة وشريرة! بتعملي إيه؟!"

"إنتي مش بجد بتحاولي تقتلي يون تشي، صح؟!"

"ابعدي عنه!"

أول اتنين زعقوا تحذيرات بس.
الوحش الأخير، مع ذلك، ما كانش عنده صبر للكلام. زي هبة ريح عنيفة بتمزق الأرض القاحلة، اندفع لقدام في لحظة.

قبل ما فو لينجشي تقدر تتصرف، إيد كبيرة اتطبقت على زورها.

نية قتل تلجية هجمت عليها فوراً.

رؤيتها اسودت.

حست كأن رقبتها اتحطت في تلج. الهوا اختفى من ريتها.

ما بقتش قادرة تتنفس.

وبعدين كل حاجة بقت ضلمة.
                       

روايه عالم الوحوش

رواية عالم الوحوش
مستمرة

عالم الوحوش

تأليف الكاتب

جاري الجلب...

القصة والوصف

قصة خيالية مشوقة تأخذ القراء في رحلة غير متوقعة إلى عالم من الفانتازيا والوحوش الضارية. تبدأ الأحداث بانتقال "فو لينجشي" المفاجئ إلى جسد وريثة مزيفة منبوذة في رواية كانت تقرأها، لتجد نفسها محاصرة في أرض قاحلة مع أزواجها من الوحوش الذين سبق وأن أذاقتهم أشد أنواع العذاب. تتحول حياتها إلى صراع من أجل البقاء، حيث تحاول تغيير مصيرها المأساوي وتجنب انتقامهم الوحشي. تتشابك الأحداث بين مشاعر الكره الدفين، وصراع الهوية، ومحاولات التكفير عن أخطاء الشخصية الأصلية. هل ستنجح فو لينجشي في كسب ثقتهم وتحويل العداء إلى تحالف، أم أن ماضيها المظلم سيقودها إلى نهايتها المحتومة؟ استكشفوا عالماً من الأكشن، الرومانسية المظلمة، والتحولات السريعة في هذه الملحمة الأدبية المثيرة التي تتحدى قوانين القدر.

المشاهدات
2.5 التقييم
عدد الفصول
العربية اللغة الأصلية

الفصول المتاحة

محدث

قد تعجبك أيضاً

الفصل الأول: الصديق الذي أحببته سرًا | حكايات حب صامتة

الفصل الأول: الصديق الذي أحببته سرًا

هايدن خد نفس طويل قبل ما يسند راسه على كتفي. "عارفة إني كنت خارج معاها النهاردة". هزيت راسي. ده كان السبب اللي خلاني أكتب جواب تاني للمرة المليون. "كنت ناوي أقولها إني بحبها وأديها دي". طلع سلسلة دهب مكتوب عليها اسمها. "بس هي كان عندها خطط تانية على ما يبدو. خرجتها على العشا، وبعدين تمشينا في الجنينة. قلت لها على اللي جوايا ووريتها السلسلة. مكنتش قادرة تبص في عيني حتى. وقتها قالت لي الخبر، قالت إن الشرارة مابقتش موجودة". صوته اتنبح تاني. المرة دي ضميته أكتر.
تحميل الفصول...
                       هايدن،

أنا عادةً مش متأكدة من أي حاجة في الدنيا الملعونة دي، وبميل إني ألخبط نفسي طول الوقت. بس في حاجة واحدة متأكدة منها، وهي إني بحبك بعمق النجوم اللي في سما الليل مش هتقدر تفهمه، ولا حتى عمق المحيط يقدر يشرحه. بحبك بطرق إنت عمرك ما حبيت بيها، ولأسباب عمرك ما سمعتها، ولفترة أطول ما تفتكر إنك تستاهلها، وبحاجات أكتر ما كنت تعرف إنها موجودة جوا شخص.
بكل إخلاص، أستريا جراي

عيني مشيت على الورق الأبيض المليان بخط إيدي المرتب. وبصيت بصه أخيرة، طبقت الورقة قبل ما أحطها في ظرف. ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفي، كنت مبينة إني هدي الجواب لهايدن نفسه زي ما طبقته من شوية. فتحت الدرج اللي على يميني في المكتب، ومكنش عندي أي رد فعل على كومة الجوابات اللي كانت مرصوصة جوه الدرج، وكلها موجهة للمشهور هايدن أندرسون. بدل ما أصدع هايدن بمشاعري الحقيقية، كنت بهرب للكتابة، كانت أحسن وسيلة للهروب من الواقع.

كنت عارفة كويس مشاعره تجاهي، وكانت بعيدة خالص عن مشاعري. كنت بالنسبة له زي أخته الصغيرة. مناخيري كرمشت لما افتكرت اليوم اللي كنت قاعدة فيه أنا وصحابي في الجنينة ورا البيت، كنا قاعدين حولين حمام السباحة بنلعب لعبة صراحة ولا جرأة قديمة. كنت قاعدة على السلم وهايدن جنبي، وذراعه كان محاوط كتفي وأنا كنت ساندة عليه. كان عندنا أربعتاشر سنة وقتها، وكنت عارفة إني عندي مشاعر قوية تجاهه.

نص صحابي كانوا عارفين، ما عدا هايدن. كان أعمى في الحاجات دي لما الموضوع بيوصل لأبسط حاجة زي الإعجاب بحد. صاحبتي ستيسي شافت دي فرصتها عشان تفتح الموضوع. ابتسامة ملتوية اترسمت على شفايفها وهي بتبص لي وأنا في حضن هايدن. مكنش عندي مانع وقتها، بما إنها ستيسي، ستيسي الصغيرة الرقيقة الخجولة. بس يا خيبتي، كنت غلطانة. كحّت قبل ما تتكلم وقالت: "بقولك إيه يا هايدن، عندك أي مشاعر قوية لأستريا هنا؟" وشاورت عليا. خدي بدأت تسخن، وقبل ما هايدن يقدر يشوف وشي اللي بقى زي الطماطم، بصيت ناحية الميه وداريت وشي بشعري الأشقر الطويل.

الكل كان متلهف يسمع هايدن هيقول إيه في اليوم ده. وأخيراً، فتح بوقه، والكلمات خرجت من لسانه بمنتهى الرقة، كأنها كانت طريقة عشان مخلنيش أحس بالوحش: "لأ، دي زي أختي الصغيرة." شدني لحضنه من الجنب، ودخل راسي تحت دقنه. تمتمت بكلمة "وأنا كمان" بسرعة، وبدأت أغرق في أفكاري.

رمشت كذا مرة ورجعت للواقع. بصيت قدامي، وعيوني البني بتبص لي وأنا قاعدة قدام المراية. مكنتش فاهمة، كنت عارفة إني جذابة من كتر المجاملات اللي بتجيلي، ومن شكل بابا وماما. كان عندي شخصية كويسة. وطيت راسي وبصيت على جسمي، كنت لابسة بلوزة سوداء قصيرة وشورت. جسمي كان يبان تمام جداً بالنسبة لواحدة نادراً ما بتعمل رياضة. صدري مش صغير أوي ولا كبير أوي، مقاس مظبوط. وبفضل جيناتي كان عندي انحناءات كويسة.

كان الموضوع بيوجع، إن الولد اللي قلبي متعلق بيه مش بيبادلني نفس المشاعر. من شهر أغسطس وأنا بكتب كل يوم، لأن هايدن نفسه بقى عنده حبيبة. في الأول كنت فرحانة له، قصدي في الآخر هو لسه أعز أصدقائي ومقدرش أكرهه عشان مش بيحبني. مع إني مكنتش أنا اللي بيبوسها أو بيخرج معاها، بس كنت مبسوطة إنه بطل حركات اللعب بالبنات اللي كان بيعملها. بس مع مرور الأيام، لقيت إن من الصعب جداً أرسم ابتسامة على وشي وأمثل إني فرحانة. كانت حاجة متعبة بصراحة.

فكان اختياري هو الكتابة، واللي كانت جايبة نتيجة، طبعاً غير إني خلصت رزم ورزم من الورق. كانت ماشية كويس. بصيت لنفسي بصه أخيرة في المراية. مناخيري كرمشت من الهالات البنفسجية الصغيرة اللي بدأت تظهر تحت عيني، وعيني كانت حمراء ومنفوخة شوية، وده يا صديقي كان بسبب العياط. إمبارح بالليل كنت بكلم هايدن في التليفون وكان عمال يرغي عن حبيبته، وأكتر حاجة وجعتني لما قال فجأة إنه بيحبها.

قلبي اتكسر حتت لما سمعت الكلمة. أكيد كان بيقولي "أنا بحبك" قبل كده، بس زي ما قلت قبل كده كان قصده أخوي. كنت كارهة الموقف ده. مش فاهمة إيه اللي غلط فيا، مهما حاولت مقدرتش أوقف مشاعري. كل ولد كنت بكلمه أو بخرج معاه، كنت بقارنه بهايدن. مكنش عندهم الابتسامة المنورة اللي بتملأ الأوضة، ولا الضحكة الغنية المعدية. ولا العيون البني الشوكولاتة اللي خلتني أحب عيوني البني. العيون اللي كنت بضيع فيها لما ببص لها. المشكلة إني كنت حاطة معايير عالية جداً، والشخص الوحيد اللي كان فيه كل الصفات اللي عاوزاها هو أعز أصدقائي.

قمت من على الكرسي ومشيت ناحية السرير ورميت نفسي عليه. التليفون رن، رفعت إيدي ببطء عشان أرد.

"ألو يا مادز." اتعدلت عشان أنام على ضهري.

"ألو يا راي." كان صوتها فرحان بزيادة الناحية التانية. حسيت إني بدأت أندمج في الكلام أكتر. "مش هتصدقي إيه اللي حصل."

"إيه؟ أخدتي دور البطولة."

"لأ يا شيخة، هيذر هي اللي خدته. أعتقد بس عشان المدرسة مش بتحبني، عارفة عشان أنا مش بيضاء." تمتمت بالجملة الأخيرة بحزن.

شهقة خرجت مني على كلامها. "يا ماديسون يا جايد، إياك تقولي كده تاني. لو الست العجوزة دي مش مقدرة مهاراتك في الرقص، دوري على حد يقدرها. وإياك تقولي كده تاني، إنتي كاملة زي ما إنتي، لون بشرتك مش بيحدد إنتي مين، شخصيتك وتضحيتك هما اللي بيحددوا. بين حركاتك الهبلة وتصرفاتك المتفانية، إنتي رائعة. ومهاراتك في الرقص هي الأحسن، أنا بغير منها. ولو المدرسة دي مش قادرة تشوف ده بسبب لون بشرتك، يبقى سيبك منها ودوري على حد أحسن، حد يقدر مهاراتك في الرقص ومش بيحكم عليكي بسبب لون بشرتك." قلت الكلام ده بضيق. مدرسة الرقص دي في استوديو ماديسون بدأت تطلع عني. إحنا في القرن الواحد والعشرين، ليه في الدنيا لسه في ناس بتميز ضد الناس الملونين؟ ناس ليهم نفس الحق في الوجود زي الناس اللي بتميز ضدهم. الموضوع كان بيعصبني جداً.

الخط التاني سكت شوية. شديت ودني وأنا بسمع صوت تنشيط الناحية التانية. "مادز، كل حاجة تمام؟"

ضحكتها ملت ودني، بتحاول تخفف الجو أعتقد. "أيوة، بس كلمتك دي خلتني أعيط. شكراً، وأنا بحبك."

"وأنا كمان بحبك."

"طيب بما إننا خلصنا الكلام الدرامي ده، احزري مين اللي طلب يخرج معايا." صرخت بفرح، فضحكت.

"إيه-"

"دارنيل جيمس." صوتها كان مدلوق وهي بتقول اسمه. كنت متخيلة شكلها، غالباً كانت بتنطط في أوضتها وبتصرخ كأنها أخيراً أخدت الحصان اللي كانت طالباه وهي في تانية ابتدائي.

"إنتي بتتكلمي جد!؟" قمت قعدت على السرير. ده كان حدث كبير لماديسون. كلنا كنا في نفس المدرسة مع دارنيل، بس نادراً ما كنا بنتكلم عشان هو نجم فريق كرة القدم الأمريكية. كان أحياناً بيقعد معانا على ترابيزة الغدا، بس ده كان آخره غير كلمة "ألو" في الطرقات. ماديسون كان عندها إعجاب بيه من زمان، من تانية إعدادي لما طلب منها قلم في حصة الرياضة. كانت بتسميه حب من أول نظرة.

"أيوة، خبطت فيه في فروزن بيكس، وخليت الآيس كريم بتاعي يقع عليه كله. اشترى لي واحد جديد وسألني لو عاوزة أخرج معاه السبت الجاي بالليل، وأنا وافقت."

"ده شيء رائع. وأنا هاجي عندك البيت عشان أساعدك تجهزي."

ضحكت وقالت "ماشي، موافقة." سكتت ثانية وسمعت مامتها بتنادي عليها. "بصي، لازم أقفل، ماما عاوزاني أغسل المواعين."

"باي، بحبك."

"وأنا كمان بحبك، هحاول أكلمك تاني." قفلت التليفون قبل ما ألحق أرد عليها. بس كنت عارفة إنها لازم تروح تغسل المواعين، ولو كانت قعدت معايا كنت هصدعها لدرجة إن المواعين كانت هتفضل في الحوض. زي ما هي.

بصيت على الواجب اللي ملمستوش. بدأت فيه يا دوب. بصيت للواجب وأنا بفكر أبدأ فيه ولا لأ. رفعت حاجبي بملل، مكنش ليا أي مزاج أعمل أي شغل تاني. مسكت اللابتوب من على الطاولة وفتحت نتفليكس.

الواجب يستنى.




وأنا في نص الحلقة التانية من مسلسل "يوميات مصاص دماء"، جرس الباب الملعون بدأ يضرب. رفعت عيني من اللابتوب عشان أشوف أخويا وهو بيجري على أوضته من غير قميص ومعاه شوية تسالي.

"كولتون". ناديت عليه وأنا بوقف المسلسل. مشي لورا ووقف عند بابي.

رسم ابتسامة صغيرة على شفايفه. كنت عارفة إنه متوتر ومستعجل يرجع أوضته. "نعم؟"

"روح افتح الباب، إنت كنت لسه تحت".

عيني أخويا الرمادي بصت لي قبل ما تبص للسقف. بوز شفايفه وهو بيفكر. "إيه رأيك إنتي اللي تروحي تفتحي؟ أنا في نص ماتش". وراني الأكل اللي في إيده، كأنه بيقول لي من غير كلام إنه مش خارج من أوضته بقية اليوم. قلبت عيني قبل ما أقف. "بحبك إنتي كمان يا أختي". طلع لي لسانه قبل ما يلف ويرجع لأوضته.

نزلت على السلم بخطوات سريعة. البيت كان فاضي، مفيش غيري أنا وأخويا. ماما كانت في المخبز بتاعها، المكان كان زحمة ومحتاجة عمال. عرضت عليها أساعدها بس قالت لي خليكي هنا وراقب أخوكي، عشان مش عاوزة البيت يتحرق. اللي مفكرتش فيه هو إني أنا كمان قادرة جداً أعمل حاجة غبية زي دي.

فتحت الباب وقلبي اتكسر حتت. هايدن أندرسون المشهور كان واقف على بابي. شعره كان منكوش من كتر ما كان بيدخل إيده فيه، وعيونه كانت حمراء ومنفوخة من العياط. وسعت الباب بإشارة صامتة عشان يدخل.

فهم قصدي ودخل. ابتسامة حزينة صغيرة اترسمت على شفايفه وهو بيبص لي. "هايدن، إيه اللي حصل؟". صوتي كان يا دوب هامس. مليون فكرة وفكرة جرت في عقلي. سيناريوهات مجنونة كانت مغوشة على تفكيري.

من غير ما يجاوب، دخل المطبخ. قفلت الباب بسرعة وجريت وراه. كان واقف قدام الفريزر بيطلع آيس كريم "روكي رود" بتاعي. "هايدن، إيه اللي حصل؟". كررت سؤالي تاني وأنا قاعدة على رخامة المطبخ. ساند بظهره على الكاونتر اللي قدامي.

"مفيش". تمتم قبل ما يحط معلقة كبيرة من الآيس كريم في بوقه. عيني كانت بتبص بتركيز وهو بيحط المعلقة في بوقه. لما حس إني ببص له، لفت وشي.

"متقوليش مفيش. إنت اللي جيت لحد بابي وكنت بتعيط. إنت أعز أصدقائي ولو في حاجة مضيقاك تقدر تقولي". سكت لحظة. كنت منافقة جداً، مكنتش قادرة أطبق النصيحة دي على نفسي. "حصل حاجة لعيلتك؟" قلتها فجأة وأنا ببص لهايدن.

عينيه وسعت وهز راسه. "لأ، بس ممكن نروح أوضتك؟". صوته كان هامس. هزيت راسي وقمت من على الرخامة وبدأت أطلع لأوضتي. بصيت لورا على هايدن اللي كان بيبص لعلبة الآيس كريم في إيده وهو طالع السلم.

يا ترى إيه اللي ممكن يكون حصل؟

دخلنا أوضتي، وريحة الفانيليا والفراولة ملت المكان. هايدن مشي ناحية السرير ورمى نفسه عليه.

"ها، هتقولي إيه اللي حصل؟". قفلت باب الأوضة، مش عاوزة أسمع صريخ كولتون وشتايمه على اللعبة الغبية.

"هيزل". تمتم قبل ما عينه تيجي في عيني. "سابتني". صوته اتنبح وهو بيقول الكلمة. ناس كتير كانت هتطير من الفرح لو عرفت إن حبيبة الشخص اللي معجبين بيه خرجت من حياته أخيراً. بس أنا مقدرتش أعمل كده. شفايفي طبقت على بعضها. كنت شايفة هو كان مبسوط معاها إزاي، وإن حالته دي وجعت لي قلبي.

"عملت إيه؟!". مشيت ناحية الدولاب وأخدت سويت شيرت. "أنا رايحة أكلمها كلمتين". تمتمت وأنا باخد بنطلون رياضي.

"يا راي، بلاش. خليكي هنا معايا". حط علبة الآيس كريم على الأرض ودفن وشه بين إيديه. رميت الهدوم اللي في إيدي ورحت عنده وحاوطت جسمه الكبير بدراعاتي الصغيرة.

"عاوز تتكلم؟". همست وأنا قاعدة جنبه ومسكت إيده الكبيرة. كنت عارفة إن الكلام عن المشاعر، غير الكتابة، وسيلة كويسة جداً عشان تفرغ اللي في قلبك.

هايدن خد نفس طويل قبل ما يسند راسه على كتفي. "عارفة إني كنت خارج معاها النهاردة". هزيت راسي. ده كان السبب اللي خلاني أكتب جواب تاني للمرة المليون. "كنت ناوي أقولها إني بحبها وأديها دي". طلع سلسلة دهب مكتوب عليها اسمها. "بس هي كان عندها خطط تانية على ما يبدو. خرجتها على العشا، وبعدين تمشينا في الجنينة. قلت لها على اللي جوايا ووريتها السلسلة. مكنتش قادرة تبص في عيني حتى. وقتها قالت لي الخبر، قالت إن الشرارة مابقتش موجودة". صوته اتنبح تاني. المرة دي ضميته أكتر.

"إيه اللي غلط فيا؟". همس. "أكيد في حاجة ناقصاني بما إنها سابتني".

بعدت عنه ورفعت دقنه بصباعي وبصيت في عيونه البني الشوكولاتة. مسكت وشه بين إيدي ومسحت بصوابعي على خده. "مفيش حاجة غلط فيك. إنت كامل زي ما إنت، حتى بمهاراتك الوحشة في الرقص والغنا. إنت كامل ولو هي مش قادرة تشوف ده يبقى هي مش النصيب. في حد تاني بره هيحبك عشان اللي إنت عليه، حتى بعيوبك". بوسته بوسة خفيفة على جبينه. حاوط وسطي بدراعاته.

"شكراً. إنتي أحسن صديقة ممكن أتمناها. بحبك". تمتم وهو بيسند دقنه فوق راسي.

"وأنا كمان بحبك". حاربت عشان صوتي ميتشرخش. هو مش بيحبني. بيحبني زي أخته بس. لكنه بيحب البنت اللي كسرت قلبه. يمكن لو كسرت قلبه أنا كمان، هيشوف إيه اللي فاته. بعدت عن الحضن. "عاوز تتفرج على يوميات مصاص دماء؟". ابتسامة اترسمت على وشي.

"شفناه مية مرة قبل كده". قال بضيق وهو بياخد علبة الآيس كريم تاني.

"يعني موافق". دخلت تحت اللحاف وطبطبت على المكان الفاضي جنبي. "يلا". قلب عينه قبل ما يقوم.

"هروح أغير هدومي بسرعة". مشي ناحية التسريحة حيث هدومه اللي سابها من ليالي المبيت اللي قبل كده.

"أنجز بقى". تمتمت بضيق قبل ما أدوس على زرار التشغيل.
                       

Pages