قالولي إني بقيت عبدة دلوقتي.
مافرقش معايا. لا فرقت معايا لما كلبشوا إيديا، ولا لما لبسوني طوق في رقبتي. سبتهم يجرجروني زي الكلب في الحبل، لأني ببساطة مكنش فارق معايا كفاية إني أقاوم.
مبقتش فارقة خلاص. مفيش أي حاجة جنود الأنجليين ممكن يعملوها تتقارن بمنظر قريتي وهي بتتحرق. ولا بمنظر إخواتي الصغيرين وهما بيدبحوا زي الحيوانات. العيال الصغيرة اللي في سنهم ده مكنش لهم لازمة، أنت فاهم. ميسووش الأكل اللي بيصرفوه عليهم عشان يفضلوا عايشين، حسب كلام الرجالة دي. لكن واحدة عندها تمنتاشر سنة؟ أكيد كان فيه حاجة ممكن أعملها. في الحقيقة، كذا حاجة.
فكنت أنا دي. الناجية. المحظوظة. جندي من اللي شبعوا حروب وقف على أرض غرقانة بدم عيلتي، ومسكني مثبتني، في الوقت اللي جندي تاني ضربني لحد ما قربت أفقد الوعي. قعدت أعيط وأترجاهم لحد ما اقتنعوا إنهم كسروني، وإلا كانوا فضلوا مكملين لحد ما ينجحوا فعلاً.
مش فاكرة من اللي حصل بعد كده غير لقطات متقطعة - وأنا بيتجر بيا وسط بقايا قريتي اللي لسه بتدخن، وعن الجيران اللي سابوهم للجوارح، وبعدين عن التقُّل التلج للطوق وهو بيتقفل على رقبتي.
ذكريات زي دي هي اللي كانت بتنهش فيا دلوقتي، وبتخلص على حيلي. بقيت بقضي وقت في إني أعيد تمثيل الساعات دي فوق بعضها أكتر بكتير من الوقت اللي بقضيه في الحاضر، بس... كان أسهل كدة. الطوق كان مخنقني في الأول. دلوقتي وأنا سايبة نفسي أسرح، مابقتش حتى باخد بالي من الوجع المستمر في المكان اللي الحديد حك فيه جلدي المجروح.
زي ما مابقتش واخدة بالي من اللي حواليا. إني أحط رجل قدام التانية كان سهل لدرجة تضحك، لدرجة إني كنت ممكن أسيب جسمي يكمل لوحده لأيام وأيام ورا بعض. كنت باجي في الأوقات اللي محتاجة آكل فيها، أو أقضي حاجتي، أو أتكور عشان أنام، بس ده كان كل اللي بعمله، وحتى ده كان حاساه تقيل أوي.
لحد اللحظة اللي وقفنا فيها فجأة. سمحت لنفسي أرجع للواقع للحظة، عشان الوقوف ده مكنش بيحصل كتير. الطبيعي إننا كنا بنمشي لحد ما حد يغمى عليه. الخوف انتشر زي النار في طابور العبيد. كنت شامة ريحته في نسمة هوا العصر، وقادرة أحس بيه في الطريقة اللي كتافي اتشدت بيها، وشعر رقبتي وقف.
كان فيه حاجة بتحصل.
محدش فينا فتح بقه. الجنود كانوا موضحين كويس أوي إنهم بيفضلونا ساكتين، وعمره ما كان ذكاء إنك تديهم عذر يضربوك. كانوا لاقيين أسباب كفاية من غير حاجة - إحنا كنا كامبريين، وهما كانوا زهقانين.
كان فيه عبيد على يميني وشمالي، قدامي ووراي، وأنا مكنتش أطول بنت مشيت على الأرض، بس كنت شايفة كفاية. كنا عند تقاطع طرق. على شمالي، بحيرة صغيرة طين. وعلى يميني، غابة كثيفة لدرجة إن النباتات كانت بتضطر تشق طريقها فوق جذوع الشجر عشان تلحق تبص بصة على نور الشمس.
ولا حاجة من دول اهتميت بيها بمجرد ما شفت الرجالة اللي مستنينا على الطريق قدام. كانوا أربعة. كلهم راكبين خيول، وكلهم سيوفهم في وسطهم وتراسهم مربوطة في ضهرهم. محاربين، مش جنود، عشان مكنش فيه أي لبس موحد باين. كانوا لغز جزء صغير أوي مني كان عايز يحله.
خطوات على الطريق، صوتها بيعلى مع كل ثانية بتعدي. العقدة اللي بين كتافي اتشدت. كنا متسلسلين في صفوف بمسافة يادوب تسمح بخطوة، بس لفونا بالعرض عشان نواجه قائد الجنود وهو بيتمشى بطول الصف. هو ده اللي كان أداني أول ضربة قاسية، وكنت هكرهه لو قلبي مكنش فاضي بالشكل المرعب ده.
"عايز دستة كاملة. أحسن اللي فيهم،" قال.
الذعر انفجر في الصف. أغلبهم حاولوا يوطوا، عشان يبانوا ضعفاء وتعبانين. طابور العبيد كان جحيم، بس الأرجح إن مصير اللي هيختاروهم هيكون أوحش بكتير. أنا بس فضلت موطية راسي، وباصة في الطين. إنك تقاوم الاختيار معناه إن لسه فارق معاك اللي يحصلك، وأنا مكنش فارق معايا.
جنب صوابع رجلي، خنفسانتين كانوا بيتخانقوا على حتة أرض. واحدة رمادية، والتانية زرقاء بتلمع. بعد أيام من البص في جزم العبيد اللي قدامي، لقيت نفسي مندمجة مع خناقتهم. أكيد كانوا شايفين السنتيمترات القليلة من الطين دي مهمة جداً، بس من فوق هنا كانت تبان تافهة أوي.
الجنود بدأوا يشدوا رجالة وستات من الصفوف. كانوا لازم يفكوا سلاسلهم عشان يعملوا كدة، فكان الموضوع بياخد وقت. اللي بيختاروهم كانوا بيتحملوا في عربية في آخر الصفوف، ومقدرتش مآخدش بالي إنهم كانوا أصغرنا وأجملنا. بنت شعرها أسود زي الأبنوس اتشدت من جنبي. ولد ميزدش عن ستعشر سنة انضم لها بعد لحظة.
"ده،" القائد كان بيقول، وكالعادة مصحوبة بصباع بيشاور.
كان وصل للرقم حداشر لما وقف حصانه قدامي. مكنتش قادرة أتنفس وأنا بشوفه بيمد إيده اللي لابسة جوانتي ويمسك دقني، يرفعها عشان يقدر يشوف وشي. للحظة طويلة، فضل باصص لي وأنا باصة لتحت بإصرار.
الخنفسانات كان باين إنهم موتوا بعض - عالأقل، مفيش واحدة فيهم كانت بتتحرك. الرمادية كانت نايمة على ضهرها، ورجليها بترعش. حركت جزمتي حتة صغيرة عشان أدوس عليها وأنهي عذابها. ده... يعني لو الخنفسانات حتى بتحس بالعذاب.
"هي دي هتنفع. نظفوها."
سيب دقني ومشي. بس أول ما مشي، جندي تاني جه عشان يفك سلاسلي ويشدني بره الصف. لو مكنتش لسه متكلبشة، كنت ممكن أحاول أشد سيف الراجل ده. يمكن كان هيتعصب لدرجة إنه يقتلني، في الآخر، وده كان بالظبط اللي أنا عايزاه - إني أمشي في جنة الآلهة مع عيلتي، أسمع ضحكة أبويا العالية وأشوف ابتسامة أمي تاني.
قميصي الوسخ اللي غرقان ترجيع اتقطع، وصبوا قربة مية متلجة على صدري. رعشة واحدة هزت جسمي من راسي لحد رجلي. كان معاهم قميص جديد ليا، بيهرش وكبير بزيادة. أكيد كان بتاع واحد من الجنود.
عشان ألبسه، الكلبشات كان لازم تتفك للحظة، بس كانوا ماسكيني جامد لدرجة إني مكنتش قادرة غير إني أتحرك، وأخدت ضربة بالجنب من إيد الجندي بكسل. لحست كام نقطة دم من شفايفي واستخدمتهم عشان أغسل كبريائي. كان طعم بدأت آخد عليه أوي.
في الظروف العادية، ملمس القطن النضيف على جلدي كان هيحسسني بالراحة. النهارده، حسيته كإنه آخر دفاع ضعيف ليا اتعرى. أول ليلة، لما الجنود كانوا جايين يدوروا على بنات يدفوا سريرهم، كنت حطيت صباعي في زوري ورجعت على نفسي. نفعت... بطريقة ما.
شاب بوش مليان دقن خشنة مسك دراعي وركبني العربية مع الباقيين. كانت ضيقة لدرجة إن مكنش فيه مكان كفاية لهيبتي على طرف الدكة الخشب، بس رفاهية إني أكون قاعدة كانت معوضة ده. اتحركت العربية برزع بعد دقايق، والخيول بدأت تهرول غصب عنها. الواصلين الجداد مشيوا حوالين العربية.
كنا رايحين الجنوب، بعيد عن الطابور، اللي اختفى بسرعة من عينينا لما لفينا حوالين تلة. القائد واتنين من رجاله كانوا ماشيين ورانا، لاستغرابي. كانوا سايبين مسافة حذرة - تكاد تكون بازدراء - عن المحاربين.
السواق ضرب خيول العربية بالكرباج عشان يخليهم يهرولوا بانتظام. كانوا جلد على عضم، مش زي الحصان القوي اللي عيلتي كانت بتستخدمه في الحراثة. حسيت بشفقة عليهم. الحيوانات دي مكنش يستاهلوا العبودية دي أكتر مننا.
بس خيول الواصلين الجداد كانت مختلفة. كانت خيول رشيقة عندها عضلات تخليها تشيل أصحابها ليل نهار لو لزم الأمر. شعرهم كان متسرح، وعرفهم متفكك، واللجام كان مرخي. ده قالي كل اللي محتاجة أعرفه عن أصحاب الخيول دي. والأهم، إنهم مكنوش ساعدوا في مذبحة عيلتي. معاييري للبشر كانت نزلت الأرض في الأسبوع اللي فات.
كانوا بيتكلموا مع بعض فوق دماغنا بلغة مكنتش أعرفها. أكيد مش أنجليين، إذاً. كلهم كانوا سمر، وجسمهم عليه علامات حروب، ولابسين جلد وفرو. لو كان لازم أخمن، كنت هقول عليهم شماليين - رجالة من الجبال اللي في أعلى بلدي. في المستنقعات، كنا بنحب نسميهم همج، بس كنت عارفة إن ده مبالغة. كانوا بس مختلفين عننا، ثقافتهم أنشف وأقسى.
الولد العبد اللي شعره أصفر غامق اللي قاعد قصادي كان بيبص لي. مكنش أكتر من ستعشر سنة، ومكنش بيتهيألي إنه يقصد حاجة وحشة، بس رفعت راسي عشان أقابل نظرة عينه وثبتها. مكنش فيه أي حاجة إنسانية في عيني في اللحظة دي. في قريتي، ده كان دايماً كفاية عشان يخلي اللي بيبص لي يهرب، بس الولد ابتسم لي.
"أنا روري،" قالي. "فرصة سعيدة."
بصيت حواليا، مستنية المحاربين يزعقوا له أو يخلوا وشه يحس بظهر إيدهم. ولا ده ولا ده حصل - أقرب واحد فيهم بس بص لنا بصة سريعة قبل ما عينه ترجع للطريق اللي قدامه. اعتبرت ده إذن إني أتكلم.
"لأ، مش لطيف." قولت بصوت مكتوم حاد. "مش لطيف إني أقابلك لأني شخص مش لطيف. واسمك مش روري، يا حتة غبي يا عديم الفهم. إنت معندكش اسم دلوقتي. ولا حد فينا عنده - إحنا عبيد. كل ما تستوعب ده بدري في دماغك الناشفة، كان أحسن."
الرد ده كان المفروض يخليه يبطل رغبته في تكوين صداقات، بس ابتسامته وسعت أكتر. "الموضوع هيبقى ملخبط شوية لو نادوا علينا كلنا بـ 'يا عبد'، مش كدة؟ تخيلي بس - روح وسرج الحصان بتاعي، يا عبد. لأ، مش إنت! إنت!"
الولد ده أكيد عقله فيه حاجة. مفيش تفسير تاني لده. كان فاكر الموضوع كله نكتة كبيرة ومضحكة. بس مش هيكون فيه وظائف بيت مريحة وشغل عند الأسياد. إحنا هنتبعت لمعسكرات عمل - مناجم، غالباً - وهنشتغل لحد الموت عشان الحياة بقت رخيصة الأيام دي.
"إنت عايز إيه بالظبط؟" سألت بخشونة.
روري كان بيلعب في سلاسله. مكنش وحش، مع إن نص وشه كان متغطي بدم ناشف. حفظت ملامحه في ذاكرتي من غير تفكير، لو بس عشان هو الشخص الوحيد اللي اتكلمت معاه من ساعة ما سبت القرية.
"ممكن يبقى لينا أسماء،" تمتم.
كشرت، ومردتش عليه. ويادوب الولد فتح بقه عشان يضيف كلام فارغ تاني، صرخة جت من قدام الطابور. واحد من خيول المحاربين كان بيقف على رجلين ورا. قدر يفضل قاعد في السرج، بس سمحت لنفسي آمل للحظة واحدة. ممكن تكون كمين - محاولة لتحريرنا. في الآخر، كان فيه سبعة رجالة بس بيحرسونا.
وبعدين شفت دم على الطريق - أثر طويل وممتد وصل لظبي بيموت. فيه حاجة كانت متمزقة أمعاؤه. في المناطق دي، الأرجح إنه ذئب. بس المهمة متكملتش، والظبي الصغير زحف مية خطوة في الطين وهو بيتعذب بوضوح. قاوم كتير عشان يعيش، وأنا اندهشت من ده، لأني مش قادرة أفتكر إحساس إني أقدر حياتي أصلاً.
المحارب القائد نزل من على حصانه، وبدأ يقول كلام هادي لحصانه اللي خايف وللظبي المرعوب. بحركات بطيئة وحذرة، طلع سكينة وقربها من رقبته. الظبي مسبتش نفسه يموت بسهولة. قعد يرفس ويصرخ لحد ما قلبه بطل يدق.
طبعاً مكنتش محاولة إنقاذ. كنت غبية إني حتى فكرت في كدة. أي قوات كامبرية ناجية هتكون مستخبية في التلال، مستنية سيد الأرض يسيب قلعته ويحارب. هو مش هيعمل كدة، ومحدش يقدر يجبره. مكنش فيه ملوك في كامبريا - بس زعماء قبائل في غابات الجنوب، ونبلاء وكونتات في المستنقعات، وأمراء حرب في المناطق الشمالية. أدركت إن واحد من أمراء الحرب دول أكيد بيملك المحاربين دول. واحد منهم أكيد خان بلده عشان يشتغل مع الغزاة الأنجليين.
حتى وأنا بوصل للاستنتاج ده، لاحظت إن القائد كان ركب وسط الشماليين عشان يتفرج على ذبح الظبي. افتكرت إنه كان بيدور على عذر.
"عمل جيد، يا صديقي. تفتكر ده كان فأل؟" القائد سأل الراجل اللي قتل الظبي.
اتحرك بعدم ارتياح. "مع كامل الاحترام، بس إحنا مابنؤمنش بآلهتكم ولا خرافاتكم."
كتمت صوت استهزاء. الأنجليين ميعرفوش حاجة عن بلدنا. الجنوب كان اتأنجل على مدار السنين، واتحول لدينهم، بس الشمال فضل وثني بعناد.
"متقدرش تنكر صدفة الموضوع. الظبي ممكن يكون المستنقعات، والكلب اللي هجم عليه... مش أمير حربكم معروف بلقب 'كلب سييرا' الأيام دي؟"
"مش عند أهل الشمال، يا سيدي. راجنير بيسموه 'ذئب سييرا'،" المحارب قال. كان فيه نبرة توتر جديدة في صوته وهو بيحاول يمشي على الخيط الرفيع بين التحدي والوقاحة.
'راجنير' كانت بمعنى 'سيد' باللغة القديمة. الأيام دي كان لقب بيستخدم بس في الشمال. وكنت عارفة إن سييرا حتة أرض في الشمال الغربي، مع إني مكنتش أقدر أحددها على خريطة.
القائد ضحك بصوت عالي. "يمكن كان حقيقي في وقت ما. بس ذئبكم حط ديله بين رجليه ونام على بطنه لما الملك بص للشمال. وإيه هو الذئب المطيع لو مش كلب؟"
لاحظت المحاربين بيتحركوا بعدم راحة، وإيديهم المتعورة بتلمس سلاحهم. محدش فيهم يقدر يسحب سيف - دي كانت خيانة إنك تحمل حديد ضد جنود الملك. الراجل اللي نزل من حصانه طلع تاني في السرج وقرب حصانه لقدام عشان يبص للقائد في عينه.
صوته كان هادي بشكل خطير ومليان كره وهو بيمتم، "زي ما تقول، يا سيدي."
القائد مطلعش أي شكوى. في الحقيقة، مكنش يقدر يعمل أي حاجة غير إنه يبرق ويتمتم بشتائم تحت نفسه وإحنا بنتحرك تاني. خيول العربية عدت من جنب جثة الظبي، بس واحدة من العجل خبطت في بركة الدم، وسابت أثر غامق على الطريق ورانا. اتكومنت على دكة العربية وريحت راسي على الحاجز، اللي كان بيرزع وبيعمل دوشة لدرجة إن راسي وجعتني بسرعة.
المشوار كان أقصر مما كنت متخيلة. في ساعة واحدة، طلعنا على تلة وبصينا لتحت على سهل فيضي ممتد لآخر مدى العين. معسكر على شكل هلال كان مفرود بين نهر وواجهة جبل. عديت بسرعة وبشكل مش منظم، وكان فيه على الأقل ميت خيمة، وده ممكن يعني ألف راجل. ألف راجل. جيش بالحجم ده ممكن يغير مسار أي معركة، ممكن ينضف المستنقعات من تجار العبيد الأنجليين دول... بس بدل ده، كانوا بيحاربوا للملك هيروكس.
حسيت بوشم العبودية بيحرقني من مجرد التفكير. تقُل الطوق على رقبتي بقى لا يطاق فجأة، وبدأت ألاحظ كل وخزة وجع لما حواف الحديد كانت بتحك في جلدي. كل دي حاجات كانت تلاشت في الخلفية - مجرد جسمي بيعمل دوشة لودان صماء.
بس دلوقتي بقيت بلعب فيه وببص على الجيش اللي متخيم قدامنا زي أي فلاح عادي وإحنا بننزل. كل المحاربين كانوا راكبين خيول: قدرت أعرف من الحجم الضخم لخط الإمدادات اللي كان ملتف بكسل على طول حافة النهر. كان فيه أرض فاضية في نص الخيام حيث كان فيه مية محارب بيتدربوا بأسلحتهم. أغلبهم كانوا بيتمرنوا على حيطة الترس.
فكرت نفسي إني مأبرقش. الاستعراض العادي للقوة العسكرية كان طبيعي لأمير حرب. كانوا مشهورين إنهم بيعيشوا ويموتوا بسيوفهم. بسيفين منهم، لو هنصدق بعض الإشاعات.
العربية وقفت برعشة عند طرف المعسكر، ونزلونا. قعدونا في ضل شجرة بلوط عشان يخبونا من شمس الظهر - لطف غير متوقع. واحد من الشماليين أصر إن القائد يستنى رجوع أمير الحرب في خيمته الكبيرة. قال إن 'ذئب سييرا' كان بره بيصطاد 'أرانب'. كان يقصد 'متمردين'.
فالقائد مشي مع حراسه، والاتنين محاربين اللي سابوهم يحرسونا شربوا لحد ما سكروا. ريحة الجعة المرة فكرتني بأول ليلة قضيتها مع توماس. إحنا الاتنين كنا بنشرب كتير، بس كانت المتعة هي اللي سكرتنا لما خلصنا. إيه اللي حصل لتوماس، يا ترى؟ مفيش حاجة كويسة - ده كان أكيد.
بس هو كان ممكن يهرب من الأنجليين لأنه كان بيعرف يستخدم القوس وكان سريع. لو قدرت أرجع للقرية، ممكن أدور عليه - بعد السنين دي كلها، كنت مديونة له بده على الأقل. ومكنش فيه طريقة تعرف مين تاني ممكن يكون ناجى...
مشفش أمي ولا إخواتي الاتنين الصغيرين وهما بيموتوا. سمعت بس الصريخ. كان مش محتمل إن الجنود يسيبوا الشغل مش كامل، ده مينفعش ننكره، بس مش مستحيل. ماذا لو كانت إمري الصغيرة بتتعثر وسط رماد بيتنا دلوقتي، وبتسأل أختها الكبيرة راحت فين؟
لازم أتأكد - لازم. وعشان كدة، هحتاج أهرب من السلاسل دي، وهحتاج ألاقي طريقة أقطع بيها عشرين فرسخ من غير ما أتمسك. مكنش عندي أي أوهام بخصوص اللي هيحصل لو مسكوني. الأنجليين كانوا موضحين كويس أوي إحساسهم بخصوص محاولات الهروب.
بنت مرعوبة حاولت تعملها وهي بتغير سلاسلها. لما الجنود خلصوا معاها، أمها نفسها مكنتش هتعرفها. الجثة اللي كانت دم ومقطعة اتعلقت من أقرب شجرة كتحذير لباقينا. أغلب التانيين وصلتهم الرسالة، بس أنا مكنش فارق معايا سلامتي لدرجة إني أخاف من الموت - مهما كان مؤلم أو طويل. ممكن حتى أرحب بيه.
لأني مش مصدقة. مش بجد. كان مريح إني أتخيل إن أي حد من عيلتي لسه عايش، بس كنت شفت البيت بيتحرق وماما وإمري وأختي الصغيرة لسه جواه. جثثهم أكيد كانت محروقة لدرجة متتعرفش. ومع كدة كنت عايزة أعمل نفسي مش مصدقة، لأنه الطريق الوحيد اللي يخرجني من حزني فترة كافية عشان أعمل حاجة. أي حاجة.
لأول مرة من ساعة ما اتأسرت، ركزت عقلي إني أعمل حاجة غير إني أعيش وبس. مكنش هيكون صعب - إني أخرج من السلاسل دي وأسرق حصان. أصعب جزء هيكون إني أجري أسرع من اللي هييجوا ورايا. حصانين، إذاً. أو حصان واحد خارق. بس كل حاجة في وقتها...
عملت نفسي مكسوفة، ووجهت سؤال لأقرب حارس. "إزاي بتشربوا كتير كدة؟ أبويا كان بيغمى عليه بعد كوباية واحدة."
كذبة. أبويا نادراً ما كان بيشرب، ولما كان بيعمل كدة، كان بياخد بوق أو اتنين. بس المحاربين اتبسطوا باللي فسروه كإنه مدح. ضحك، "ده طعم الواحد بيتعود عليه، يا بنتي. في الشمال، إحنا بنفطم على الجعة."
"آي، ده حقيقي فعلاً،" التاني وافق.
"طب مين فيكم يقدر يشرب أكتر؟" سألت بحذر. رسمت ابتسامة بريئة فوق مكرهم. روري بص لي بفضول، بيسأل نفسه أنا ناوية على إيه. سيبه يسأل.
السؤال ده أثار خناقة قعدت ساعة تقريباً. المحاربين أصروا يوروا قوتهم بشرب قربة ورا التانية. شجعتهم بابتسامات وتعليقات بتستفزهم. وزي ما كنت آمل، راحوا في النوم وبدأوا يشخروا قبل فترة طويلة، والشراب أثر عليهم على طول. الموضوع كان سهل جداً، بجد.
مديت إيدي لشكل الحارس الأول اللي كان واقع، وشديت نفسي ضد السلاسل، ومشيت صوابعي على الحزام اللي في وسطه. مفيش. جمعت الحلقات اللي رابطة كلبشاتي في إيد واحدة عشان متعملش صوت، واتحركت ناحية الراجل التاني. وفعلاً، مفتاح سلاسلي كان متعلق جنب شنطة وسطه. مكنش صعب إني أفك الخيط وأخطفه.
"يا مكشرة، بتعملي إيه؟" روري نادى بصوت واطي. مكنتش معجبة باللقب الجديد وتجاهلته.
ببطء، ببطء شديد، نقلت وزني لورا لحد ما قعدت على كعبي ورفعت المفتاح لرقبتي. بعد ثواني، الطوق اتفتح. هزيت راسي، ووجهت اهتمامي للكلبشات اللي في إيديا.
"لأ، بجد. بتعملي إيه؟" روري همس. عينه كانت بتلف حواليه بيأس، بيدور على أي حراس جايين. حتى العبيد التانيين قعدوا وبدأوا ياخدوا بالهم. إنك تشهد على هروب عبد كان أكيد بيعتبروه تسلية بعد البص في الأرض لأيام.
سلاسي وقعت على الأرض كومة واحدة، ورميت المفتاح بإهمال لروري. "اسمي ليرة. خدي راحتك في استخدام المفتاح ده، بس لو مشيتي ورايا وخلتيني أتمسك، هفتح بطنك. فاهمة؟"
بص لي بقه مفتوح وأنا وقفت. العبيد التانيين بدأوا يهمسوا لبعض واتحركوا في مكانهم بعدم راحة، أكيد بيسألوا نفسهم لو هيتعاقبوا عشان سابوني أمشي. خطفت سكينة من حزام أقرب محارب نايم. سيف كان هيكون مثالي، بس كنت أقدر أستغنى عن التقُل، و... مكنتش أعرف إزاي استخدم واحد. حطيت السلاح في وسطي، وعملت انحناءة ساخرة للعبيد الباقيين. الغريب، إنهم مصفقوش.
"هيمسكوكِ،" روري وعدني، "وبعدين هيقتلوكِ."
كنت خلاص بقيت على بعد عشرين خطوة من خط الإمدادات لما رديت عليه من فوق كتفي، "كويس."