المكتبة

عالم الوحوش - الفصل الأول استيقاظ في الجحيم

استيقاظ في الجحيم

لحظات حبس الأنفاس حيث تستيقظ "فو لينجشي" لتجد نفسها في قلب الجحيم الذي صنعته شخصيتها الأصلية. صراع محموم بين محاولة إنقاذ الضحايا المقهورين وبين الهروب من الموت المحدق على أيدي أزواجها الوحوش.
تحميل الفصول...
                       "هه، فاكرة إن بقوتك دي تقدري تخليني أترجاكي عشان أطلب الرحمة؟ احلمي."

دماغ فو لينجشي كانت بتنبض من الوجع.

الصوت كان بعيد ومكتوم، كأنها محبوسة جوه حلم ناتج عن سخونية. لكن في نفس الوقت، كان مألوف ليها بشكل مؤلم.

الجملة دي...

مش دي نفس جملة الراجل المتوحش اللي كان بيتعرض للتعذيب في رواية عالم الوحوش اللي كانت بتسمعها قبل ما تنام؟

نبرة الصوت كانت مليانة احتقار وحشي، باردة، وساخرة، وفيها تمرد شرس.

وهي لسه دايخة، فو لينجشي رفعت إيدها لا إرادياً عشان تدلك كتفها اللي بيوجعها، وفجأة اكتشفت إنها ماسكة حاجة في إيدها.

صوابعها ضغطت عليها بقوة بشكل تلقائي.

طويلة. مرنة. ومتغطية بشوك حاد.

"هسسس—!"

الشوك دخل مباشرة في جلدها.

الوجع المفاجئ فاققها تماماً.

رؤيتها وضحت في لحظة.

أول حاجة شافتها كانت فك بطل الرواية الملطخ بالدم، منحوت بشكل مثالي، وحاد لدرجة إنه ممكن يجرح.

وبعدين نظرتها نزلت لتحت.

ولتحت أكتر.

فو لينجشي كادت تتوقف عن التنفس.

جسم الراجل كان يبان كأنه منحوت من قبل فنان مجنون مهووس بتشريح الأجسام.

عضلات برونزية مشدودة تحت هدوم متقطعة من جلد الحيوانات، كل خط في جسمه كان قوي وعنيف. الدم كان مالي دراعاته وصدره، ومبين التضاريس القوية لعضلات بايسبس ودراعاته وبطنه.

عضلات بطن سداسية ومقسمة لثمانية.

حتى في الموقف ده، مخها عدّهم تلقائياً.

ثمانية بالظبط.

إيديه كانت مربوطة بقوة في حيطة الحجر بحبل خشن. ورجليه كمان كانت مربوطة، والجلد متقطع من كتر المقاومة. الدم كان ملون الحبال باللون الأحمر الغامق.

وهو بيتكلم، العضلات في بطنه كانت بترتعش زي وتر قوس مشدود تحت ضغط كبير.

"هه، ودلوقتي؟ بتحاولي تجربي خدعة تانية؟" الراجل سخر منها. "تعذيب الوحوش ما كفكيش، فبدأتي تعذبي نفسك إنتي كمان؟"

عينيه الخضراء الغامقة كانت بتقطر كره. "يا ريت تدعي إنك ما تخلينيش أتحرر أبداً."

العدائية الباردة في صوته رجعت فو لينجشي للواقع تماماً.

وقفت وهي بترنح من الخوف وبصت لنفسها.

بشرة سمراء متغطية بالتراب.

هدوم مقطعة من جلد الحيوانات.

وكرباج في إيدها.

فروة راسها اتملت تنميل.

فو لينجشي قرصت خدها بقوة فوراً.

الوجع انتشر في وشها.

حقيقي.

ده كان حقيقي.

"مستحيل... لا، لا، لا..."

بثها المباشر.

طلبات البرفان بتاعتها.

فلوسها.

مش هي لسه سهرانة طول الليل بتعمل بث عشان تروج للبرفانات اللي بتصنعها بإيدها؟

كانت أخيراً قدرت تبيع كام مية وحدة بعد ما تعبت نفسها لدرجة الموت.

وبعد ما البث خلص، وكانت متحمسة بزيادة لدرجة إنها مش عارفة تنام، فتحت تطبيق عادي واختارت رواية عالم الوحوش اللي بتحبها كخلفية صوتية.

ده اللي حصل.

ده حرفياً كل اللي حصل.

طيب ليه يا ربي فتحت عينيها جوه الرواية؟!

فو لينجشي كانت سينجل من ساعة ما اتولدت. حياتها كلها كانت بتلف حوالين صنع البرفان وجمع الفلوس.

هل فيه نظام كوني اتلخبط وافتكر تفانيها في الرأسمالية ده طلب لتحقيق أمنية؟!

الوجع اللاسع في صوابعها وخدها فكرها بقسوة إن ده مش حلم.

ببطء، بصت تاني للراجل اللي قدامها.

ملامحه كانت وسيمة بشكل مدمر، كأنه تمثال رخام حي. عينين غايرة لجوه. عظمة حاجبه بارزة. ومناخير حادة منحنية بأناقة على وشه.

لكن العينين الخضراء دي ما كانش فيها غير اشمئزاز واضح.

"اضربيني لو عايزة،" قالها بحدّة. "بس ما تقربيش أكتر. ريحتك بتقرفني."

لما فو لينجشي قربت خطوة لا إرادياً، الراجل حاول يقف بعنف.

القيود سحبته لتحت تاني فوراً.

طرقعة.

صوت كسر حاد ظهر من تحته.

نظرة فو لينجشي نزلت لتحت.

قلبها اتجمد.

الراجل كان راكع على سرير من أغصان شوكية.

ألياف رفيعة كانت رابطة رجليه بقوة ضد الشوك الحاد. كل حركة بسيطة كانت بتدخل الشوك جوه لحمه أكتر.

عرق بارد كان بينزل من جبهته وهو بيجز على سنانه من الوجع.

وحتى وقتها، كان لسه بيجبر نفسه يطلع كلمات مرتعشة من بين سنانه.

"ما... ما تقربيش أكتر..."

رؤية فو لينجشي بدأت تلف.

وبعدين الذكريات هجمت عليها.

صدرها اتخنق في الأول.

وبعدين حست بدوخة عنيفة، كأن فيه ألعاب نارية بتنفجر جوه جمجمتها. ذكريات متقطعة غرقت عقلها في موجات فوضوية.

هي اتنقلت لعالم تاني.

لجسم الشخصية الشريرة الثانوية اللي بتضحي بيها في رواية عالم الوحوش دي.

صاحبة الجسم الأصلية كان اسمها نفس اسمها—فو لينجشي.

وريثة مزيفة.





اتبدلت وهي لسه مولودة بسبب جوز وحش غيور كان عايز يسرق مكانتها عند زعيم القبيلة.

مؤخراً، الحقيقة اتكشفت أخيراً. أهلها بالتبني، اللي كانوا غضبانين بسبب الخداع ده، طردوها هي وجوازها من الوحوش بره القبيلة ونفوهم للأرض القاحلة دي.

بسبب إنها ما قدرتش تتقبل زوال النعمة، صاحبة الجسم الأصلية فرغت كل غلها في جوازها من الوحوش اللي كانت أجبرتهم على الجواز بيها بعقود.

عذبتهم.

هانتهم.

عذبتهم بلا نهاية.

وفي الآخر—جوازها من الوحوش دول هيتحولوا لأشرار مرعبين.

هما اللي هيكسروا عقدها بنفسهم، وهيمزقوها وهي حية، وهيهرسوا عضمها لحد ما يبقى تراب، وهيشتتوا بقاياها مع الريح.

جسم فو لينجشي كله برد.

الخوف اتسرب لعضمها مباشرة.

ببطء، بصت تاني للراجل اللي قدامها.

لا.

مستحيل تموت بالطريقة دي.

ومستحيل بالذات تتهرس لحد ما تبقى رماد على إيد مجموعة من جوازها الوحوش اللي هيصبحوا أشرار في المستقبل.

بتاخد نفس مهزوز، فو لينجشي أجبرت نفسها إنها تمشي ناحيته.

"ما تقربش مني..."

"اسكتي."

صوتها طلع أقل ثقة بكتير من اللي كانت تقصده.

وطت على الأرض، ومسكت سكينة عضم مركونة جنبها وبدأت بحذر تقطع الحبال اللي حوالين إيديه ورجليه.

إيديها كانت بترتعش لدرجة إنها كادت تجرح نفسها مرتين.

بعد ما حررته، استحملت الوجع من الشوك اللي غرز في كفوفها وبسرعة سحبت الأغصان الشوكية من تحت ركبه.

وهي بتبص مباشرة في عينيه الخضراء المليانة كره، أجبرت نفسها تتكلم بثبات.

"قوم الأول."

الدم كان مالي ركب الراجل.

دراعته كانت مدلدلة بضعف على جوانبه وهو بيسخر ببرود.

"إيه؟ بتدي أوامر دلوقتي؟"

وهو بينزل راسه بضحكة سخرية من نفسه، فو لينجشي لاحظت علامة الوحش على قفا رقبته.

علامة طاووس.

في العالم ده، بترمز لرابطة تزاوج—عقد بين الوحوش وأزواجهم.

"عايزاني أقطع حتة من لحمي تاني؟" سخر بهدوء. "أي جزء المرة دي؟"

عينيه غمقت. "ولا أتحول لشكل نص الوحش بتاعي عشان تقشري جلد التعبان من ديلّي تاني؟"

فو لينجشي حست إن فيه حاجة مسكت قلبها وعصرته.

التنفس بقى صعب.

أخدت كذا نفس عميق قبل ما تلف فجأة وتمشي بره البيت الحجري.

افتكرت إنها شافت أعشاب لوقف النزيف قريبة.

لحسن الحظ، أغلب النباتات في العالم ده كانت شبه اللي في العالم الحديث. بعد ما استعادت ذكرياتها، كانت لسه فاكرة بوضوح البيئة اللي بره.

فو لينجشي جمعت بسرعة كذا عشبة طبية ورجعت جوه.

مدتهم ناحيته.

"رجلك متعورة جامد. لازم توقف النزيف—"

"ها. مفيش داعي."

الراجل اتسند على الحيطة وقام ببطء.

الاحتقار كان بيكتسي نظراته.

النظرة دي لوحدها خلت فو لينجشي تدرك بوجع قد إيه هي بتبان ضعيفة ومثيرة للشك.

"مش محتاج شفقتك،" قال ببرود. "مين عارف إيه الخطة المقرفة اللي بتفكري فيها دلوقتي؟"

جسمه كله كان بيشع بالمقاومة.

كل ما تقرب خطوة، هو كان بيتراجع خطوة.

فو لينجشي وقفت.

وفجأة ابتسمت.

كانت ابتسامة فظيعة. معوجة وفيها خبث متعمد.

"عارف،" قالت بتمطيط في الكلام، "قد إيه ممتع إنك تمزق جرح كان خلاص قرب يلم؟"

كانت عارفة كويس جداً إن مفيش حد هيصدق تغييرها المفاجئ.

مفيش حد هنا هيسيبها تقرب بالسهولة دي.

وهي بترمي الأعشاب ناحيته، قطرات من دم من إيدها المجروحة نزلت على أسورة الكريستال المستخبية تحت كُمّها المقطوع.

لمعة خفيفة ظهرت على الكريستالات.

هادية.

شبه مستحيل تتلاحظ.

تعبير مو لين غمق فوراً تاني.

يعني ده بجد كان مجرد لعبة تانية.

كان لازم يعرف أحسن من إنه يسيب حذره.

وشه بارد زي التلج، رقد تاني على الأرض الحجرية، وهرس الأعشاب بين صوابعه، وضغطها على جروحه بنفسه.

في اللحظة دي—

دبدبة.

صوت تقيل جه من بره ستارة الفروع اللي مغطية المدخل.

فو لينجشي لفت لا إرادياً وجريت بره.

تحت شجرة ضخمة قريبة كان مرمي وحش تاني.

شعر دهبي منكوش مفرود على الأرض. إيديه ورجليه مربوطين بقوة بحبل، والجلد حواليهم مسلوخ ومجروح.

وشه كان شاحب زي التلج.

تنفسه كان ضعيف لدرجة إنه يا دوب يتشاف.

قلب فو لينجشي وقع في رجليها.

لفت فوراً رجعت جوه البيت الحجري، مسكت إبريق المية من الزاوية، وجريت تاني.

ركعت جنبه، وغرفت مية بحذر في إيديها وقربتها ببطء من بقه، وخلته يشرب شوية بشوية.

قبل ما تقدر تخلص تأكيله المية، خطوات سريعة فجأة رنت بره.

كذا حد.

سريعين. وتقال.

فو لينجشي بصت لفوق بحدة في اللحظة اللي ظهرت فيها تلات أشكال مصابة في البعيد، وقربوا منهم بسرعة.

أول ما شافوها جنب الوحش اللي فاقد الوعي، تعبيراتهم اتغيرت فوراً.

"يا أنثى قبيحة وشريرة! بتعملي إيه؟!"

"إنتي مش بجد بتحاولي تقتلي يون تشي، صح؟!"

"ابعدي عنه!"

أول اتنين زعقوا تحذيرات بس.
الوحش الأخير، مع ذلك، ما كانش عنده صبر للكلام. زي هبة ريح عنيفة بتمزق الأرض القاحلة، اندفع لقدام في لحظة.

قبل ما فو لينجشي تقدر تتصرف، إيد كبيرة اتطبقت على زورها.

نية قتل تلجية هجمت عليها فوراً.

رؤيتها اسودت.

حست كأن رقبتها اتحطت في تلج. الهوا اختفى من ريتها.

ما بقتش قادرة تتنفس.

وبعدين كل حاجة بقت ضلمة.