المكتبة

التصنيفات

رومانسية فانتازيا كورية رعب وغموض أكشن وإثارة خيال علمي تاريخية للبالغين

الإعلان عن المليار الذهبي | رواية خيال علمي (الفصل الأول)

الإعلان عن المليار الذهبي

اللحظة التي أُعلن فيها عن شريحة "النيوروجريد" كحل نهائي للبشرية، ليتحول الأمل إلى كابوس مرعب. نعيش لحظات الرعب الأولى من خلال "تاليا كوف" التي تكتشف الحقيقة المظلمة خلف هذا التطور التقني بعد أن تحولت أقرب صديقاتها إلى دمية مسلوبة الإرادة.
تحميل الفصول...
                       الفصل الأول

البث

كان العالم مكسور. أربعة عشر مليار نسمة، كلهم بيحاولوا يعيشوا على كوكب بيتدمر. أكتر وأكتر بقوا بينهوا حياتهم. الأمل مكنش بس بيختفي—ده كان خلص خلاص.

الأغنياء فضلوا مطنشين، مغميين عنيهم براحتهم. السياسيين كانوا بيبنوا سلطتهم على حساب الغلابة، وبياكلوا في الضعفاء زي النسور. الناس كان بيتقالهم إن تعاستهم هي غلطتهم. وإنك فقير عشان مش بتشتغل بجد كفاية عشان تعيش حياة مرتاحة. وإن الصحة النفسية مكنتش أكتر من خرافة بيوشوش بيها الضعفاء عشان يلاقوا مبرر لفشلهم.

لو مكنش معاك حاجة، كانوا بيقولوا عليك كسلان. ولو طلبت مساعدة، كانوا بيقولوا إنك عبء.

في كل حتة كان فيه فوضى. مجتمعات كاملة اتمسحت—اتدفنت، اتشالت—بسبب صراع قديم؛ واللوم كان بيترمي على الكل لحد ما الإبادة الجماعية بقت مجرد عنوان تاني بنعدي عليه.

العواصف جت، والبيوت اختفت تحت الفيضانات اللي بتعلى، مع إن الضرائب كانت مفروضة عشان منع الفيضانات اللي مابتحصلش. جزر ومدن اختفت من الخريطة تحت تقله الاحتباس الحراري العالمي، والنار انتشرت في المجتمعات، واتنظفت عشان يوسعوا مكان للمناطق التجارية اللي بتلمع، في حين إن الفقراء اتسابوا يموتوا من الجوع في ضل مدن مستحيل يدخلوها.

الحكومات مابقتش بتحمي الناس—بقوا بيحموا نفسهم. اتكلموا عن إنقاذ البشرية، بس خناقتهم كانت بس عشان السيطرة. عشان الناس كانت بدأت تفهم الحقيقة: القوة الحقيقية دايماً كانت ملكهم. ولما الحكومة حست بالقوة دي بتسحب من إيدها، لبسوا الاستبداد توب الخلاص.

وبعدين جت اللحظة اللي غيرت كل حاجة—الكسرة اللي جرت العالم لنظام جديد مفيش منه رجوع. 29 يونيو 2038.

الشاشات كلها نورت في نفس الوقت. اللوحات الإعلانية. الأجهزة اللوحية. الموبايلات. التلفزيون المباشر. من المدن، والقرى، كل بيت، كل نقطة تجمع. البث كان في كل حتة في العالم.

وش رئيس الولايات المتحدة ظهر، بإضاءة خلفية مثالية، ومعاه وشوش قادة تانيين من كل أنحاء العالم، كل واحد فيهم لابس بدلة سوداء زي التانية بالظبط. قمة الأرض. مليارات العيون كانت متسمرة على الشاشات، ومفيش حد فيهم قدر يبعد عينه.

الجو كان مشحون بالارتباك وعدم التصديق، في الوقت اللي الدول اللي مابتحبش بعضها، أخيراً لقوا أرض مشتركة.

الرئيس أوريك كريست ابتسم، ابتسامة عريضة زيادة، وثابتة زيادة. "مواطني الأرض الموحدة. أنا عارف إن العالم عانى كتير في السنين الأخيرة."

"الحرب." لقطات سريعة من ساحة معركة—سما محروقة، مدن واقعة، حيوانات بتجري وسط الحطام، مستشفيات بتتقصف ومات فيها مئات وآلاف الأطفال الأبرياء.

"الانقسام." يافطات احتجاج بتتحرق. عائلات بتتشد من بعض بخطوط الشغب وأكاذيب البث. ناس مفقودين—مختفيين—بسبب معتقدات مختلفة.

"الفقد." طرقة هادية مرصوص فيها توابيت. وشوش متغبشة. قبور محفورة في صفوف ممتدة للأبد، ومفيش حد يسأل عليها.

"الفيروس." مستشفيات غرقانة. ممرضات بيقعوا من التعب في الأركان. تلاجات الموتى الباردة ورا أقسام الطوارئ. أكياس الجثث مقفولة بسوستة. الصمت، صوته أعلى من الوجع.

الرئيس وقف ثابت، والابتسامة مش بتتحرك. "نزفنا. اتكسرنا. استحملنا."

حط إيده على قلبه. "أنا جاي ليكم مش بس كقائد. بس كواحد نجى... ومدافع عن السلام الأبدي. أب. راجل... شاف إيه اللي بيحصل لما بنسيب الفوضى تكبر. النهارده، أنا جايب ليكم الحل."

في كل حتة في العالم، مليارات الناس كتموا أنفاسهم، عشان حسوا إن التنفس غلط. الكل كان حاضن عياله، وأحبابهم، وهما باصين للشاشة، مش عارفين يتوقعوا إيه.

شخصين ببدل سوداء طلعوا لقدام وشالوا شنطة صغيرة. ناعمة. مقفولة. فضية.

"دي النيوروجريد،" بدأ الرئيس، بصوت ثابت، متعمد، وتقريباً فيه تبجيل. "دي نتاج سنين من البحث، وعقود من السعي، وعبقرية مشتركة لأعظم العقول على الأرض."

رفع الشنطة، وجواها كانت شريحة مش أكبر من صباع الإبهام، بتنور أخضر خفيف، وبتنبض كأنها حية.

"الشريحة دي هتخلينا نتصل ببعض،" كمل، ونبرته مش بتتغير، كأنها اتجردت من كل إنسانية.

"مفيش فقر تاني. مفيش انقسام تاني. مفيش مجاعة تاني، مفيش حرب تاني، مفيش عيوب تاني. سوا، هنتخطى حدود الجسد والفكر. سوا، هنبقى متزامنين. هنبقى نقيين."

كل عربية وقفت، والمواتير هديت للصمت. كل عين في العالم اتسمرت على البث. على الشاشة، مفيش قائد واحد رمش. صوت الرئيس كان فيه إقناع متدرب، ناعم زي الإزاز.

"مهارات كانت بتاخد عقود عشان تتعلمها؟ دلوقتي، 48 ساعة. أمراض؟ ألم وصدمات؟ راحت. كله في خلال يومين."

صوته كان زي الخطبة، ناعم، وتقيل بالوعود. "من خلال الزرع ده، الأعمى هيشوف بعيون أنور من اللي كان بيحلم بيه. العاجز هيقوم على رجلين أقوى من الحديد. القلب المكسور هينبض تاني. الإيد الفاضية هتمسك. والجيعان مش هيجوع تاني أبداً."

ساب صمت القادة اللي بيضحكوا وراه يطول. "من خلال الزرع ده؛ النيوروجريد—كل ديونكم هتتمسح. كل مشاكلكم هتروح. ومستقبل خالي من الأعباء بيستناكم."

ابتسامته موصلتش لعينه. "اقبلوا الزرع، وكل اللي تحتاجوه هيجيلكم. كل اللي عليكم... إنكم تفتحوا نفسكم للنيوروجريد."

الناس شهقوا، الصوت كان محبوس بين الانبهار والخوف، مش عارفين يقرروا إذا كانوا لسه شايفين خلاص—ولا بداية لحاجة أظلم بكتير.

"يا شعوب العالم، دي بداية عصر جديد. المتطوعين—بما فيهم القادة—هيبدأوا الأول. التكامل هيبدأ الشهر الجاي. وقريباً... الكل هيتم الترحيب بيه." ابتسامة اترسمت على شفايف الرئيس. "كونوا... واحد مننا."

صوت تشويش خبط في الشاشة. الشاشات بقت سودة. همس واطي طلع من الناس، قلقان، مش متأكد، زي أول هزة قبل الزلزال.

"إيه ده؟" حد همس، بعدم تصديق.

"مفيش ديون تانية... مفيش جوع تانية..." راجل دمدم، كأنه بيحاول يقنع نفسه.

"أخيراً بيعملوا حاجة لينا،" ست قالت، والناس التانية هزوا راسهم بسرعة، متشوقين يوافقوا، متشوقين يصدقوا.

في بيوت تانية، عائلات فرحت كأن الخلاص وصل أخيراً، وضحكهم كان بيرن.

وفي بيوت تانية، الصمت كان سيد الموقف، والجو كان تقيل بالشك، الآباء حاضنين عيالهم بقوة، بيتفرجوا على البث بعيون مكنتش بتجرؤ تثق.

نائبة وزير الصحة والتكامل—ميرين كوف—وقفت متجمدة. عينيها متسمرة على الشاشة، مش بتبربش، وشها أبيض، عينيها واسعة بشكل مش طبيعي، شفايفها مفتوحة على شكل رعب صامت.

همست، بصوت يكاد يكون مسموع—"بدأت."

ميرين كوف كانت عارفة طول عمرها. ده كان السبب اللي خلاها تمشي، والسبب اللي خلاها مش قادرة تخدم حكومة مابقتش بتثق فيها.

دي مكنتش دواء.

عمرها ما كانت تطور.

وبالتأكيد، مكنتش خلاص.




كانت دي بداية السيطرة.

شريحة عصبية مزروعة هتعيد كتابة بيولوجيتك بالكامل، وحتى تاريخك. ردود فعل قتالية معززة. غريزة أحدّ من أي جندي. جسم مطهر من الضعف وأي مرض خلال 48 ساعة.

تاليا كوف، بنت ميرين كوف، كانت باصة للشاشة الفاضية. موبايلها كان بيترعش في إيدها. "كايا، أنتي شايفة ده؟" همست، وعنيها مسبتش المكان اللي البث كان لسه فيه من ثواني.

لأنها حلفت، لجزء من الثانية، إنها شافت الشاشة بتعلق—وش الرئيس اتلوى، اتشكل بشكل غريب، وبقه اتفتح في صرخة بشعة ومن غير صوت. وبعدين، الصورة رجعت تاني—ابتسامته زي ما هي بالظبط، كأن محصلش أي حاجة خالص.

بره، كل شارع كان هادي بشكل مريب. هادي زيادة. كأن العالم كان كاتم نفسه.

العميد أليكس كوف وقف متجمد ومعاه تارين، أخت تاليا، في حضنه. لبسه العسكري بتاع القوات الجوية كان لسه عليه تراب وعلامات استعجال.

في الناحية التانية من الأوضة، أليكس وميرين بصوا لبعض. مكنوش محتاجين يتكلموا—نفس الخوف كان بيلف في عنيهم هما الاتنين. "هاتوا حاجتكم. دلوقتي!"

النيوروجريد كانت بقت إجبارية. وعشان كده، عيلة كوف عملوا الحاجة الوحيدة اللي كانت فاضلالهم—اختفوا في الملجأ المستخبي تحت بيتهم، مكان اتبنى للحظة زي دي بالظبط. من هناك، بدأوا يخططوا، ويهمسوا إزاي ممكن يلاقوا الباقيين.

فوق الأرض، العالم اتفكك أسرع من أي وقت فات. وأسوأ من أي وقت فات. آراء الناس العادية اتحولت لأسلحة. خناقات قامت في كل حتة—على الإنترنت، في الشوارع، على سفرة الأكل.

صفحات الأخبار اتملت بالفوضى—مسيرات لمؤيدي الجريد، ومظاهرات ضد الجريد. الجدالات اتحولت لحرايق. أحياء كاملة وقعت في دايرة الشك. مجتمعات اتكسرت ومبقتش تتصلح. نظريات المؤامرة خانقة الإنترنت، وبتتكاثر أسرع ما النظام يقدر يمسحها.

ناس قالوا إن النيوروجريد تكنولوجيا فضائية. وناس تانية كانوا مقتنعين جداً إنها مفتاح التطور، والخلاص.

بس أغرب حاجة كانت البث. فيديوهات قمة الأرض بدأت تلف—من غير تقطيع، من غير فلتر. الرؤساء كانوا قاعدين ثابتين بشكل مش مريح، عنيهم متسمرة ومش بترمّش، وبتوسع مع كل دقيقة بتعدي. واحد منهم كان بيبص بعد الكاميرا، كأن فيه حد—أو حاجة—واقفة وراها، وبتحرك الخيوط.

الجيران اتحولوا لأعداء. أصحاب اتعلموا يكرهوا بعض في يوم وليلة. اللي اعترضوا، اختفوا. أذكى العلماء—راحوا، اتشالوا من كل ركن في العالم.

وبعدين جت المسيرات—ناس عادية بتقوم في كل حتة في العالم. في أخبار سموها فوضى، والحكومة رمت اللوم على عصابات، وصورت الناس على إنهم عنيفين. بس كدبوا. مكنوش عصابات. دول كانوا بوليس. عساكر بملابس مدنية. مبعوتين عشان يولعوا النار، ويخلوا الناس ضد بعض.

وكلام الحكومة كان بيرن في كل حتة، محفور في موجات الهواء.

"لو مش معانا، فأنت خطر."

كده بدأ كل حاجة.

شرارة واحدة—والعالم ولع.

دخان. جثث. رصاص. قنابل. مدينة ورا التانية—اتحولت لتراب على إيد الناس اللي كانوا في يوم بيقولوا عليها بيتهم. محلات قفلت. الاقتصاد باظ. مستشفيات اتدمرت؛ مكنش فيه داعي ليها لما الشريحة وعدت بالصحة. مراكز الإخلاء اتحرقت، اتمسحت كأن الرحمة نفسها بقت جريمة.

مكنتش في أمان—إلا لو كنت مؤمن بالجريد.

كل ده عشان شريحة وعدت بالسلام.

شريحة شالت منك حق إنك تقول لأ.

سموها التطهير—حرب عشان التطور. مكنتش حرب بيقودها جنرالات أو جنود مدربين، بس ناس عادية ومرعوبة، اترمت في وش الجيوش والمؤمنين اللي صدقوا خلاص. والنيوروجريد مكنتش لسه نزلت أصلاً.

من 14 مليار، فاضل 2.8 مليون بني آدم.

99.98% من سكان العالم، اتمسحوا.

الناس مخدوش اختيار—اتغصبوا على التطور. وعد النيوروجريد كان أبعد بكتير من تعليم أسرع، أو مسح ديون أو منح مناعة ضد الأمراض. وصل لأعمق من كده؛ لأماكن مفيش حد وافق إنه يسلمها.

أعادت كتابة عقلك. مفيش ذكريات. مفيش مشاعر. خلية نحل. فكرة واحدة. مش فكرتك. فكرة حد تاني.

وأوحش حاجة؟ الجزء ده سابوه بره الكلام.

شريحة مزروعة، متثبتة عند قاعدة جذع المخ. بتطلع خيوط حيوية رفيعة زي النانو—أرفع من العصب—بتدخل بصمت في الحبل الشوكي وتدخل أعمق في المخ.

شفاء أسرع. ردود فعل أحدّ. جسم متصمم بكفاءة، وعقل مطور ومتحسن.

وبعدين—من غير موافقتك، ومن غير توقف—بقيت مربوط بالشبكة. متوصل. كل فكرة مبقتش بتاعتك. كل حركة متملية عليك. الطاعة بقت مطلقة.

للجريد. ليهم كلهم. لحاجة مبقتش تقدر تقفلها.

وده الجزء اللي سابوه بره الكلام.

الجريد كسبت. بس الانتصار مكنش زي الفوز. عشان الصمت اللي جه بعد كده... مكنش سلام.

كان نهاية الإرادة الحرة.




القانون

النيوروجريد نزلت في كل أنحاء العالم في اليوم اللي اتوعد بيه بالظبط. مبقاش اختيار. بقا قانون.

الناس وقفوا طوابير في العيادات، والمستشفيات، والمباني الحكومية—لحد ما في الآخر، غرقوا نقطة الصفر النهائية: البيت الأبيض نفسه—عشان ياخدوا الشريحة. اللي رفضوا اتسحلوا من بيوتهم، واتجردوا من حياتهم اللي كانوا عارفينها، وبقوا عبرة للي يجرؤ يعارض. وفي أغلب الأوقات، كانوا بيسكتوهم للأبد.

واحد ورا التاني، كانوا بيتحطوا على وشهم على سراير، وإبرة تخدير بتدخلهم في صمت. وفي دقايق، الرقبة بتتكشف، والشريحة بتدخل جوا—صغيرة، بتنور، وحية. المراكز كانت مفتوحة أربعة وعشرين ساعة زي مصانع مابتنامش، سير من الأجسام مستني يعاد تصنيعه.

أول ناس استلموها كانوا المتطوعين، والجنود، وكل عضو في الحكومة.

بعد 48 ساعة، المستحيل بقى حقيقة. ضد كل خوف، وضد كل عدم تصديق—اشتغلت. الناس بدأوا يخفوا أسرع. ردود الفعل بقت أحدّ. العضلات انشدت بقوة مش طبيعية. مفيش مرض. مفيش خوف. ديون اتمسحت. مفيش مشاعر. بس صمت. بس تزامن.

بمجرد ما الشريحة اشتغلت، الناس اللي خدوا الشريحة سابوا بيوتهم، وعنيهم فاضية زي العرايس الماريونيت. العائلات اتسابوا ورا، بيسألوا هما راحوا فين، وهل هيرجعوا تاني. مكنوش يعرفوا الحقيقة—إن في اللحظة اللي النيوروجريد بقت فعالة، كل عقل مزروع اتصفر تماماً.

ذكريات راحت. تواريخ اتمسحت. كانهم مكنوش عايشين أصلاً.

لما فهموا، الناس سموهم "المتصلين".

كانوا بيمشوا زي الجنود، تماثيل متحركة بعيون فاضية، مش سامعين حاجة، مش حاسين بحاجة. مسيرات صامتة بتعوم في الشوارع، ماشيين ناحية المراكز العسكرية وقاعات الحكومة، مسحورين كأنهم بأمر غير مرئي.

الأطفال اتخطفوا. اتحطوا في مراكز تدريب في كل أنحاء العالم، محبوسين، مستنيين لحد ما عقولهم تبقى جاهزة. لما يتموا خمسة وعشرين سنة.

ناس تانية استسلموا واتوعدوا بحياة أحسن لعيالهم، إخواتهم، وعيلتهم—تعليم، سكن، أمان.

وبعدين جت الصافرات.

عشان هي مكنتش شغالة مع الكل.

خصوصاً مش مع رئيس الولايات المتحدة، أوريك كريست. جسمه قبل الشريحة، بس عقله رفضها. اتشنج، ضهره اتعوج، وعروقه اسودت تحت جلده. صرخته شقت الأوضة—خام، مش إنسانية. عنيه لفت، وبعدين نزفت، ونني العين غرق في الضلمة.

وبعدين وقف. عنيه فضلت مفتوحة ساعات، وبقه كان بيرتعش، بيتحرك، بس مفيش كلام طالع—بس ضحكة مجوفة مكنتش بتاعته.

بقى الأول. "المحطمين".

مكنش زي باقي الناس، مطيع لنبض النيوروجريد. مكنش بيتزامن. مكنش بينفذ أوامر. لسه معزز، بس غير متوقع، ومميت، وعدائي.

مفيش قائد.

مجرد تشويش في المكان اللي كانت فيه روح.

ومكنش لوحده.

أعداد تانية بدأت تظهر بعد 48 ساعة. في الأول، سموه "عطل". وبعدين رموا اللوم على السوق السوداء—شرايح بايظة، متباعة بطريقة غير قانونية، وتصنيع رديء.

الهمس انتشر أسرع من البث. جملة واحدة بتتنقل من بوق لبوق، هادية في الأول، وبعدين تقيلة مع كل مرة بتتحكي فيها:

إنساني زيادة. عنيد زيادة. عاطفي زيادة. أغلب اللي رفضوا التطور. قالوا عليهم إنهم مكسورين زيادة.

فالشريحة كسرتهم.

ده الوقت اللي اتكونت فيه المقاومة. "المنفصلين". آخر نبض للإرادة الحرة. بقايا الإنسانية. الناس اللي حاربوا عشان الروح، اللي فاكرين يعني إيه تحس. يعني إيه تكون إنسان.

بعد تمن شهور من "التطهير"، العالم مكنش ليه ملامح. الجريد بقت غير قابلة للمس. مدنهم كانت متوصلة بالأسلاك، متراقبة، صامتة—قلاع باردة محفورة في القارات. واحدة في أستراليا، واحدة في أوروبا، آسيا، أفريقيا، والجريد الرئيسية في أمريكا الشمالية والجنوبية. كانوا بيتحركوا بهدف، زي امتداد لعقل واحد غير مرئي. مفيش وجع. مفيش تردد. مفيش عاطفة.

كانوا جنود مثاليين. كفاءة. طاعة. عروق خضراء بتنور عند الرقبة. مع مركبات بتعوم واطية فوق الأرض، كروزر مطفي أسود، من غير عجل، ومدرع.

الجريد بيقودها مش حد غير نائب رئيس الولايات المتحدة، سيلاس رو—بيسمي نفسه "الأصل".

والرئيس؟ لسه عايش. بس بالكاد بيتحسب إنسان دلوقتي. محبوس في زنزانة معقمة ومن غير شبابيك تحت العاصمة—متجرد من لقبه، متجرد من سلطته، بيخلوه يتنفس بس عشان علماء رو يدرسوه زي نموذج فاشل.

المحطمين لسه موجودين بره. سايكوباتيين معززين. سفاحين نخبة من غير سيد—مفيش رحمة. مابيناموش. مابيحسوش. عروق سوداء في قفا رقبتهم.

بس بيدندنوا. كلمات. قطع كلام. نفس الكلمات—مره ورا التانيه. مقولين كأنهم صوت واحد. لسه متصلين—بس مش بالجريد... بس بحاجة تانية. أياً كانت هي.

وتاليا كوف، كانت عارفة... عشان عاشت ده. يومين بعد النزول العالمي للنيوروجريد، العالم بره الملجأ كان بدأ يتفكك. بس مقدرتش تسيبها. فانسلت، هادية زي النفس، وسابت الأمان وراها.

كايا.

كانوا لا يتجزأوا. أخوات في كل حاجة إلا الدم. دايماً نايمين على سطح أوضة نوم تاليا، بيتفرجوا على أفق المدينة. لما العالم بيبقى تقيل وقاسي، لما مكنتش بتقدر تتنفس، كايا كانت بتهمس:

"خليكي مطرح ما النور بيلمس."

كايا كانت شمس، مليانة ضوء وأشعة، وكانت تقصدها بأرق طريقة ممكنة.

خليكي مطرح ما الأمل عايش، ومتروحيش للضلمة.

تاليا اتسحبت في عز الليل، لما الملجأ كان صامت، لما مفيش حد يقدر يوقفها. قالت لنفسها إنها تقدر تعملها—كان عندها القلب، الغريزة، والخبرة اللي تثبت ده.

الشوارع كانت مخنوقة بالخوف. الناس واقفين متجمدين على الرصيف، عنيهم بتتحرك للسما، للشاشات، لبعض—كأنهم مستنيين إذن عشان يصرخوا. مفيش حد كان عارف إيه اللي بيحصل، بس الكل كان حاسس بيه. العالم مكنش وقع لسه—بس كان بدأ.

سافت لعمارة كايا؛ الباب كان موارب. الطرقة كان ريحتها تراب وحاجة أبرد.

تاليا وقفت لحظة، وصوابعها لمست طرف الباب. كان لازم تفكر كايا إن عندها مكان تقعد فيه، عيلة تانية. طريق للخروج. ملجأ عيلة مستنيها. بس الحقيقة استقرت زي التلج في رِئتها.

كايا كانت اختارت خلاص. كانت فاكرة إن ده هيساعدها. قلقها. وجعها. كانت خدت الشريحة—ومشتغلش.

كايا كانت واقفة في نص الأوضة، بتتهز خفيف، عينيها مفتوحة على الآخر. واسعة زيادة. بقها كان بيرتعش. فراغ وتشويش ورا نظرتها.

"كايا...؟" تاليا همست، وهي بتاخد خطوة بتترعش لقدام. "هيه، ده أنا. تمام. أنا هنا."

رأس كايا لفت للجنب في حركة مفاجئة. وبعدين جسمها مشي وراها. كأن حاجة شغلتها. هجمت. تاليا دوبك وطت في الوقت المناسب—إزاز اتكسر فوق رأسها. كايا كانت سريعة. أسرع من أي إنسان طبيعي المفروض يكون. إيديها اتلمت زي المخالب، وشها من غير تعبير، وكايا خبطت تاليا في رخامة المطبخ زي عروسة قماش.

تاليا شهقت، والنفس اتقطع منها، وكايا جت تاني بتشد في رقبتها. "كايا، أرجوكي!"

بس صاحبتها المقربة مبربشتش. مغلبتش. متنفستش زي إنسان تاني.

مدت إيدها للدرج. إيدها قفلت على حاجة ساقعة—سكينة مطبخ. السكينة قابلت كتفها ومتهزتش حتى. كايا فضلت تزق، وإبهامها بيغرس في رقبة تاليا. مش عارفة تتنفس. دموع حارة نزلت على وشها. مش من الوجع، بس من معرفة إن ده حقيقي.

"أنا بحبك، تمام... تمام، يا كايا..."

للحظة، كايا اتجمدت. قبضتها أرخت.

"خليكي... مطرح ما النور بيلمس."

كايا همست، كأنها فاكرة.

زي الليلة دي بالظبط. زي السطح ده بالظبط.

وبعدين شفايف كايا اتحركت.

"أنا كنت فاكراكي تقريباً."

وعنيها فضيت.

تاليا دخلت السكينة في جنبها، وبعدين تاني—في رقبتها—لحد ما كايا وقعت، بترتعش، بتسرب أحمر وصمت. صاحبة تاليا المقربة كانت مرمية هناك، عنيها لسه مفتوحة. لسه واسعة زيادة. وقعت جنبها، بتعيط، وبتهمس باسمها.

بس روح كايا مرجعتش أبداً.

أو يمكن رجعت. بس للحظة واحدة.

بس الجريد كانت أقوى.