المكتبة

التصنيفات

رومانسية فانتازيا كورية رعب وغموض أكشن وإثارة خيال علمي تاريخية للبالغين

الخطيئة التي لا أذكرها | روايه رعب (الفصل الاول)

الخطيئة التي لا أذكرها

فور استيقاظه داخل ملاذ طائفة "زيلفاريث" الغامضة، حيث يواجه اختياراً مستحيلاً بين اعتناق عقيدة دينية متطرفة أو الموت حرقاً. يبرز الفصل الصراع النفسي العميق مع اكتشاف البطل للنصوص المقدسة التي تحرض على العبودية المطلقة وتكشف عن حقيقة "التطهير" المرعب.
تحميل الفصول...
                       (تحذيرات)
القصة دي فيها مواضيع قاسية وممكن تضايق، زي جوانب دينية منحرفة، غسيل مخ، مشاهد عنف ودم، رعب نفسي، وموت.

الجسم متعفن، ومع ذلك فيه إرادة تانية هي اللي بتحركه. مش حاسس بحاجة، مش خايف من حاجة، مجرد بيتحرك بس.

حاولوا يقتلوك، كانوا زي كابوريا متمسكة وعايزة تشدك معاهم لست أقدام تحت الأرض.

كانوا ميتين، ده أكيد؛ مفيش نفس بيطلع من بوقهم، ومفيش نبض بيدق في صدرهم.

ومع ذلك، كانوا بيتحركوا كأن فيه حاصد أرواح خبيث ربط خيوط خفية في عمودهم الفقري وبيأمرهم يبقوا زي العرايس اللي بتؤدي عرضها.. بس المسرح اللي مفروض يمثلوا عليه كان عالم بيموت.

الدم كان بيسيل في جداول بطيئة، نازل من صدغك لحد قنطرة مناخيرك، وبيدهن وشك وشفايفك بطبقة حمراء متجلطة.

هدومك كانت لازقة في جسمك ومغرقاها دم من الاشتباكات، ورئتك بتنهج وبتحاول تاخد أي شوية هوا بالعافية.

دراعك كان بيوجعك من كتر الإرهاق، وعضلاتك بتتحرق من المجهود وأنت بتحاول تمسك الماسورة المصدية الملطخة بالدم.

لكن المخلوقات دي ما بتبطلوش مهما ضربتهم، وحتى لو قدرت تقتل شوية منهم، هييجي غيرهم كتير.

لو قتلتهم، هيتكاثروا.

عينك ضاقت وأنت بتشوف الحاجات دي بتسحب نفسها في اتجاهك.

المخلوق اندفع ناحيتك بزمجرة وحشية، وصوابعه المتعفنة بتخربش في الجاكيت بتاعك بعنف، وبتحاول تقطع القماش.

لكن غريزتك اشتغلت قبل أي حاجة؛ الماسورة اللي في إيدك طلعت لفوق، ونزلت بقوة وحشية على فكه، وخلت إيدك ترتعش من الصدمة.

"أخ.. يا وجع.." وشك اتكمش من الألم وأنت شايف رأس المخلوق بترجع لورا بسبب الضربة، وبيطلع صوت أزيز من حنجرته.

أسنانه السوداء خبطت في بعض وهي بتتهز، قبل ما يرجع يتماسك تاني ويندفع لوراك.. كأنه مش متأثر بالهجمة.

"موت بقى يا وسخ!"

زعقت وأنت بترفع الماسورة بإيدك الاتنين، وصوابعك اللي عليها دم شادة على المعدن المصدي، ونزلت بيها بكل قوتك مرة ورا مرة لحد ما وقع ميت.

وبعدها جريت على التاني، وكسرت جمجمته بالماسورة المصدية بوحشية.

شظايا من المادة الرمادية، ودم وعضم متكسر طاروا في كل حتة في مشهد مقزز لما التاني وقع.

وبعدها رحت للتالت وعملت نفس الكلام، لحد ما قدرت تقضي عليهم كلهم.

الهوا كان مكتوم في زورك وقلبك بيدق بجنون في صدرك وأنت واقف من غير حركة، بتنهج وبتبص على الدم الأسود اللزج وهو بيسيل على الرصيف المتكسر من الجثة الهامدة.

إيدك بترتعش، وعقلك بيدور بسرعة، بس مش بسبب المخلوقات دي؛ لا، بسبب غموض كل حاجة.

لأن إيه القرف ده؟ إنت فين أصلاً؟

إنت مش فاكر حتى إنت جيت هنا إزاي، وبصراحة، إنت مش فاكر أي حاجة خالص.

ذاكرتك كانت مساحة فاضية، ومهما حاولت تفهم اللي حواليك، وتفهم أي حاجة، المساحة اللي في دماغك لسه زي ما هي.

عينك بدأت تبص على المدينة اللي حواليك؛ كانت حطام، مباني متهدمة، عربيات مصدية بإزاز مكسور، وحواجز بدائية كانت مهجورة من زمان.

الهوا دافي ومليان ريحة تعفن، والمطر بس مزود الموضوع سوء، وبيغسل القذارة في البلاعات.

جثث الموتى الأحياء كانت متناثرة حواليك، شوية منهم لسه بيترعشوا، وتانيين متهشمين لدرجة ميتعرفوش.

لكن عينك ما بقتش عليهم خلاص، بقت مركزة على إيدك دلوقتي.

صوابعك اتحركت حركة عنيفة لا إرادية، والدم المختلط بين الطازة والناشف مغطي جلدك، ومتسرب في فواصل مفاصل صوابعك، ونازل في نقط تقيلة من ضوافرك.

لكن مش الدم هو اللي موترك، هي إيدك نفسها.

لأن إيه اللي بيحصل؟ الإيد دي مش إيدك.

نفسك اتخطف وأنت بتقلِب إيدك، وبتتفرج على المية وهي نازلة في جداول على الجلد الغريب ده.

الصوابع كانت أطول مما تفتكر، والمفاصل كانت أوضح.

ندوب عميقة ومتعرجة مغطية مفاصل صوابعك، وتانيين مستخبيين تحت طبقات من الطين والوساخة.

حركت صوابعك، وحسيت بالأوتار الغريبة وهي بتلف وتتحرك تحت الجلد البارد لإيدك.

بصيت أكتر على دراعاتك، وعلى رجلك، وبعدين على بركة المية اللي تحتك اللي كانت بتتموج بسبب المطر اللي نازل.

وش مش عارفه كان بيبصلك من الانعكاس.

قلبك اتخض ورعب بارد اتسلق عمودك الفقري وأنت بتميل لقدام، بتبص في الصورة المشوشة.

المية كانت مشوهة التفاصيل، بس الملامح كانت واضحة كفاية؛ ده أكيد ما كانش شكلك.

بس المشكلة.. إنت أصلاً مش عارف مفروض شكلك يكون إيه.

مين إنت أصلاً؟

زورك اتخنق، بس بلعت الريق وأنت بتدرك إن فيه حاجة غلط.

فيه حاجة غلط جداً.

الجسم ده كان بيتحرك زي جسمك، بيحارب زي جسمك، بيتصرف بالغريزة، بس مش جسمك.

كانك عايش في جلد حد تاني، كأنك طفيلي عايش على جسم حيوان ميت.

بس مفيش أي ذكريات ظهرت في عقلك مهما حاولت، ولا حتى اسم واحد، مجرد ضباب مشوش في دماغك.

دماغك بيدور بس في صور الدم المرعبة على إيدك، والجثث المتعفنة اللي حواليك، والمطر اللي نازل بغزارة من السما السوداء فوقك.

راسك كانت بتوجعك وأنت بتحاول تفتكر أي حاجة.

هل عندك عيلة أصلاً؟ أصحاب؟ بيت؟

كنت بتعمل إيه قبل كده؟

كنت بتعمل إيه في حياتك أصلاً؟

كل ما حاولت تفتكر أكتر، كل ما أفكارك فلتت من بين إيدك زي ضباب الصبح.

كان زي ما تكون بتبص في مراية مكسورة، فيه حتت من حاجة مألوفة قدامك بس مش قادر توصل لها، لحد ما أدركت إنه مفيش أي حاجة أصلاً.

كان فيه فراغ بس مكان ما ذكرياتك المفروض تكون، فبالتالي، الكدبة ليها ملامح أكتر من العدم اللي في عقلك.

وإنت غرقان في أفكارك، صوت أنين عالي طلعك من تفكيرك.

راسك رفعت بسرعة وأنت بتشوف أكتر منهم بيتحركوا في المطر وبيسحبوا نفسهم ناحيتك.

الحاجات دي كانت ميتة من الرغبة إنها تقتلك كأنهم واخدين موقف شخصي منك، مش كده؟

شديت على الماسورة وأنت بتحاول تهدي القلق اللي عمال يزيد في بطنك.

ليه فيه كتير منهم كده؟ كسم ده، مش هموت منهم، غالباً هموت من التعب.

فكرت كدة والهوا بيعدي في رئتك وأنت بتاخد نفس عميق وبتطلعه، والأدرينالين بيجري في عروقك تاني.

"ليه فيه كسم العدد ده كله؟"

الذهول والضيق كانوا باينين في كلامك وحواجبك متقرنة، وإيدك شادة على الماسورة.

وبعدين، اندفعت ناحيتهم ونزلت بالماسورة في قوس سريع ووحشي.

الضربة كسرت جمجمة المخلوق بصوت يوجع، والعضم اتكسر، وبقايا اللحم المتعفن طارت لحد ما وقع ميت في الآخر، وعملت نفس الكلام مع الباقيين، مرة ورا مرة.

لما الأدرينالين بدأ يقل، اتجمدت من إدراكك للي لسه عامله.

"... إيه اللي حصل ده؟"

قلتها وأنت بتنهج، ونيين عينك متسعة، وصدرك بيطلع وينزل وإيدك بترتعش.

إنت تقريباً ما فكرتش في الحركة؛ جسمك كان عارف يعمل إيه كأنه طبيعة تانية، كأنه محفور جوه غريزتك.

بس إزاي ممكن تكون غريزة وأنت أصلاً مش عارف مين إنت؟

ذاكرة عضلية يمكن؟

أجبرت نفسك إنك تركز، وتطرد الخوف بعيد لأن الوقت ده أكيد مش وقت أزمة هوية، مش لما يكون الموتى الأحياء لسه ماشيين وحياتك في خطر لو سرحت.

قوتك هتقل بالتدريج والتعب هيتمكن منك، فبالتالي، كان لازم تتحرك وتفكر.

لفيت ومشيت في المكان، بتفحص الشوارع عشان تلاقي مأوى، أو دليل، أو أي حاجة، لحد ما ألم حارق ضرب في جسمك ووقف حركتك تماماً.

أسنانك طبقت على شفايفك عشان تكتم صرخة الألم اللي كانت عايزة تطلع.

بصيت لتحت برعب، وعينك بتترعش وأنت شايف رجلك محشورة في مصيدة ديب مصممة بوحشية.

سنانها المعدن المتعرجة دخلت في لحمك، ودمك كان بيطلع في نقط تقيلة وواضحة، وبيدهن الأرض المتشققة بلون أحمر غامق.

وقعت على الأرض بقوة، والماسورة فلتت من إيدك والمطر بيطرطش حواليك والألم بيزيد في رجلك، ومنتشر من كعبك لساقك، في كل حتة.

الألم كان لا يحتمل، كان بيحرق، كأن رجلك بتتحرق بالنار.

"يا كسم ده، شيليها!"

أنين مكتوم طلع من زورك وأنت بتحاول توصل للمصيدة، وصوابعك الملطخة بالدم بتتزحلق على المعدن المبلول.

حاولت تفتحها، وتخلي نفسك، بس كل ما تتحرك أكتر، كانت بتغرز أكتر في جلدك وعضمك.

"يا دين النبي.. سيبي بقى—!"

"هنا! فيه حد هنا!"

راسك اترفع بسرعة وأنت بتشوف خيالات طالعة من الضلمة، بيتحركوا في المطر، ووقتها بس الراحة دخلت جواك وأنت بتدرك إنك مش لوحدك.

أخيراً، إنسان تاني حي.

عشرات من الناجين التانيين كانوا حواليك، أصواتهم كانت واطية ومستعجلة، وإيديهم الباردة بشكل مش طبيعي ماسكة دراعك، وكتفك، وشعرك.

"لقينا ناجي تاني!" واحد منهم زعق.

نفس حاد طلع من رئتك وأنت ماسك المعدن، والصدأ بيتقشر تحت صوابعك اليائسة. "سـ.. ساعدوني، أنا محتاج مساعدة."

"أنا.. اتعلقت في المصيدة دي، أقسم بالله ما اتعضيت ولا أي حاجة." شرحت بصوت بيرتعش وأنت بترفع إيدك وبتتحرك عشان تبين إنك مش متعض في أي حتة.

"بس خرجوني.. من الـ.. أخ، الحاجة دي." اتألمت.

ست ماسكة إيد عضم في إيدها وعصاية على شكل عين شهقت وهي بتتقدم.

"ده بيتكلم! الرب أكيد بيختبرنا!"

إيه.. إيه القرف ده؟

الذهول ملى حواسك، ممتزج بالخوف والألم اللي كنت حاسس بيه.

"إيه اللي بتهببوه ده؟" حاولت تسند نفسك، عشان تقوم، بس شعاع نار من الألم ضرب في رجلك المحشورة، وشدك تاني لتحت مع صوت خروشة.

أنين تعبان طلع من شفايفك. "بس.. خرجوني من الحاجة دي.. أرجوكم؟ أنا سليم."

بس صرخاتك للمساعدة اتجاهلت.

"وشه.." راجل تمتم، وعينه الغامقة بتفحص جسمك كأنك مسخ. "مش ده شبه واحد منهم؟ يا ربي، يا شاب يا زيفارينيث.."

"إيه..؟" الحيرة غطت نظراتك. هما الناس دي بتتكلم عن إيه؟ "أنا معرفش مين زيفا-أي حاجة دي، ماشي؟ أنا مش واحد منهم. بس خرجوني من هنا—"

صوتك كان حاد دلوقتي، والخوف بدأ يتسرب جواك وأسنانك مضمومة. "أنا مجرد واحد داس في مصيدة ديب منيلة بستين نيلة—"

"بس—"

إيد خشنة مسكت دُقنك فجأة، وشديت راسك لفوق.

الحركة المفاجئة بعتت وجع جديد في جسمك، بس ما لحقتش تحس بيه قبل ما تلاقي نفسك بتبص في عيون غامقة بس بتلمع بحمى.

"بصوا عليه."

كان طويل، لابس هدوم مقطعة ومبلولة، والقماش لازق على جسمه العضمي.

خدوده الغايرة وعينه الغارقة أدوه شكل حد نسي من زمان يعني إيه راحة.

كان فيه كرمشة في جلده، ومتعلق حولين رقبته خرز أحمر كبير، وفي إيده خرز تاني خلاه يبان كأنه راهب بوذي.

شفايفه الناشفة اتفتحت، وبعدين اتقفلت تاني، كأنه بيبلع كلمات مش متأكد لو مفروض يقولها.

"ده هو! ده واحد من المتمردين اللي هربوا يوم التطهير!"

متمرد إيه؟ كلامهم محيرك؛ هل هما يعرفوك؟ لو كده.. ليه ما بيساعدوكش بدل ما بيبصوا ويتكلموا زي المجانين اللي هربانين من مستشفى أمراض عقلية؟

الكلمات بعتت موجة حيرة وسط الناس اللي متجمعة.

شوية منهم قدموا، ونفسهم مكتوم وهما بيتمتموا بصلوات تحت أنفاسهم، وصوابعهم بتتحرك بشكل رمز غريب.

تانيين اتراجعوا لورا، ماسكين أسلحة.. سكاكين، نصل مصدي، عصيان، ومسدسات كأنك شايل مرض ممكن يتسرب لجلدهم.

الرعب والقلق غطوا على وجع الألم، وعقدة كبرت في زورك وأصابع الراجل العضمية بتغرز أكتر في لحمك.

"مين—" صوتك طلع مبحوح، ونني عينك بيترعش من القلق. "مين يا كسم ده—؟"

"المصيدة،" حد تمتم. "دي علامة إنه مش قادر يتقبل غضب الرب."

"اختبار،"

"الرب رجعه تاني."

"نمسح عليه؟"

"مفروض يعاني عشان خطاياه."

الكلمات دخلت في بعض، متداخلة بتبجيل مخيف، خلت صدرك يضيق، ورعب بيسحبك لتحت بيغرز في بطنك.

الناس دي.. كانوا شبه مجانين مختلين.

إنت كنت خلاص هتقابل حتفك؟

ما كنتش متأكد إيه معنى كلامهم، بس كنت عارف إن الناس دي مش طبيعيين خالص، وده خلاك متوتر أكتر.

"لأ."

ست طلعت فجأة، والغطاء الأسود اللي على راسها رامي ضل على ملامحها الحادة والناشفة، والمطر بينقط من أطراف عبايتها المهرية.

"هو اتبعت لنا،" تمتمت. "معاناته إرادة الرب.. لازم يتحملها."

"أو مفروض يتحرق عشان هرب من طقس التطهير." صوت فحي.

كلمة "يتحرق" خبطت في دماغك وأفكارك اتلخبطت، وبتحاول تمسك في أي حاجة، أي تفسير يخلي الكلام ده منطقي.

إيه كسم الكابوس ده؟

نبضة من الضيق قطعت ضباب الحيرة اللي في دماغك، خلتك تتكلم.

"يا كسم ده.. بعد إذنكوا—"

الصوابع اللي ماسكة دُقنك شددت، وضوافرهم غرست في لحمك، ومنعت الكلمات من الخروج.

الإيد التانية للراجل اللي ماسكك كانت ماسكة حاجة ناشفة على صدره.. كتاب، مجلد بجلد قديم ومشقوق.

"يا جماعة، ده الراجل اللي هرب من طقس التطهير وواحد من الأسباب اللي خلت الرب يعاقب الناس!" صوته اتشرخ بيقين مجنون، وعينه بتلمع بحمى. "فايلكس!"

إيه كسم ده اللي بيتكلم عنه؟

إنت بتبص للراجل بدهشة، وبتحاول تفهم كلامه.

هو لسه قايل اسمك.. فايلكس؟ الاسم رن في دماغك، فاضي وغريب.

مين كسمه فايلكس ده؟



بأسباب لا يمكن تفسيرها، الاسم اللي ادعوا إنه اسمك ما كانش معناه أي حاجة بالنسبة لك، كأنك سمعته لأول مرة في حياتك.

ارتباكك أكيد كان واضح على وشك لأن مسكته زادت، وهزك هزة خفيفة.

"ده.. ده مش اسمي. أنت غلطان في الشخص،" قلتها بصوت مبحوح وأنت بتهز راسك، بينما ابتسامة الراجل وسعت، وبقت مشوهة من كتر حدتها.

"لأ، لأ، أنت فايلكس." صوته كان ثابت وحازم، ومقتنع تماماً.

"أنت متمرد اترمي في الكنيسة عشان تتطهر. زنديق، خاطئ، مخلوق نجس. أنا عارف وشك، أنا شفتك قبل كده. أنت اتبعت هنا عشان تكفر عن ذنوبك، عشان التطهير، لحد ما هربت وبدأ التطهير."

اتكلم كأنه بيقرأ نصوص مقدسة، ونبرته غرقانة في يقين بائس.

"إيه؟!" عينك جحظت، مزيج من الصدمة والإحباط غلى جواك وأنت حاسس بالحيرة والغيظ بيتخانقوا جواك.

حتى لو عقلك خالي من الذكريات، لكن إحساسك الداخلي كان بيقولك إنك عمرك في حياتك ما قابلت الراجل المجنون ده.

طيب.. إيه حكاية الناس دي؟

لو ما كنتش بتعاني من الألم الحارق في كاحلك، كنت هتفتكر نفسك في فيلم رعب كوميدي أو حاجة زي كده.

بجزت على أسنانك، وجمعت شجاعتك عشان تتكلم، بس الكلام خرج من بوقك كصرخة.

"أنت بتهبب إيه يا راجل أنت؟!" دراعك كان بيرتعش من الإجهاد، والألم في كاحلك بيينبض مع كل حركة.

"أنا.. أنا طلبت مساعدة بس! ليه فجأة بقيت أنا الشرير؟!"

الهوا بقى تقيل بالعدائية والناس اللي حواليك بتبص لك بصه حاقدة، بيتمتموا بإهانات وبيضخموا الرعب اللي كنت حاسس بيه أكتر وأكتر.

"ده نجس؟" حد تف.

"خاين للرب."

"الخطاة ما بيرجعوش،" صوت خشن تمتم.

ست ترددت، وصوتها كان يا دوب مسموع وسط التمتمات: "أمال هو هنا ليه؟"

سؤالها اتداس عليه بسرعة وسط الهياج اللي بيزيد: "هو مش مفروض يكون هنا!"

الناس دي أكيد طائفة دينية، لاحظت ده وهما صوتهم بيعلى.

"مفروض يعاني عشان اللي عمله!"

"مفروض يتطهر!"

"احرقوه."

"احرقوه! خلوا النار تطهره!"

كلامهم كان بيزن أعلى وهما بيتخانقوا يعملوا فيك إيه لحد ما فقدت أعصابك أخيراً.

"اخرسوا كلكوا!"

الأمر شق الهوا زي الكرباج، سكت المجموعة في لحظة.

بتنهج، وقلبك بيدق، سحبت وشك من إيد الراجل، وأسنانك باينة في زمة وحشية.

"لو مش هتساعدوني—يبقى خلاص، سيبوني في حالي! بس بطلوا تتكلموا كأني عيل صغير سامع كبار بينموا على ترابيزة العشاء! أنا سامعكم، يا شوية مجانين!"

"وعشان علمكم، أنا مش فاهم إيه كسم اللي بتكلموا فيه ده!" فلتت منك، والكلمات شقت زورك المكتوم وقلبك بيدق بجنون ضد ضلوعك.

"أنا مش—أي حد تفتكروا إني هو! أنا حتى مش فاكر جيت هنا إزاي!"

"كذاب، ده تجديف!"

"بصوا عليه!" ست قربت، وقللت المسافة بينكم، ورفعت قبضتك كتحذير.

الست اتراجعت لما شافت تحديك، كأنه أقذر حاجة شافتها في حياتها.

"بيتجرأ يقاطعنا—ده فعل شيطان! ده حتى مش فاكر ذنوبه!" زعقت.

"اتمسحت منه،" حد وافقها.

"الرب أخد ذكرياته."

"أنتوا شوية منافقين ولاد وسخة!" تفيت، وصوتك خام بالغل.

اتراجعوا كأنهم اتضربوا، عينهم وسعت، وشفايفهم اتقوست بقرف والمطر نازل أقوى، وبيختلط بالدم اللي بيسيل من رجلك.

جسمك كله كان بيوجعك، بس الأدرينالين والذهول الصرف، خلوك واقف.

"بتتكلموا عن الذنوب، وعن التطهير، وعن 'هدف مقدس' كأنكم بجد عارفين إيه كسم معناه! أنتوا بس عايزين حجة تقتلوا حد، مش كده؟!"

"تجديف!" ست شهقت، وماسكة إيد عضم في إيدها على شكل عين كأنها هتحميها من كلامك.

راجل تقدم، وقبضته متكتفة، والعروق بارزة في رقبته: "بتتجرأ تتكلم بالنجاسة دي؟! أنت، يا خاطئ معلم عليه—"

ضحكة محتارة طلعت من زورك.

"معلم على إيه؟! أنا حتى مش عارف مين أنا أصلاً! مش فاكر أي حاجة من ده، ومش فاكركم—ومع ذلك واقفين هنا، بتشاوروا بصوابعكم كأنكم شوية قضاة مقدسين!"

همسات انتشرت وسط المجموعة؛ شوية بصولك بعدم يقين، بيتحركوا في أماكنهم.

تانيين، رغم كده—تانيين مسكوا أسلحتهم كأنهم بيموتوا عشان يستخدموها عليك، وده خلاك تمسك الماسورة من الأرض.

إنت مش ناوي تقع من غير خناقة—لو هتموت، يبقى أكيد هتاخد حد معاك للقبر.

"أنت فايلكس،" الراجل اللي لابس رداء قال تاني، صوته هادي، مما كسب منك صوت سخرية.

"أنت اترميت في الكنيسة عشان ذنوبك. والرب شاف إنه مناسب يرجعك."

"أنا مش أي حد تفتكروا إني هو." قلتها بصوت مبحوح، عينك بتحرق من الضيق وأنت شادد على الماسورة.

"وحتى لو كنت، إيه كسم اللي بيديكوا الحق تقرروا مين يستاهل يعيش؟" سألت، ورأسك مايل ناحية تانية وأنت بتبص لهم بتركيز.

"إرادة الرب—"

"أوه، غوروا في داهية بالكلام ده!" صوتك بقى زمة دلوقتي وأنت بتشاور بصبعك عليهم، وخلتهم ينكمشوا.

"لو إلهكم مقدس للدرجة دي، يبقى ليه أنتوا اللي بتلعبوا دور الجلاد؟ لو أنا خاطئ، يبقى إيه كسم اللي بتسموه الناس اللي بتقتل باسمه، هاه؟"

كان تحدي، وأنت كنت عارف ده—بس كنت عديت مرحلة الاهتمام في النقطة دي. أنت منهك، وغاضب—فأنت بجد مش مهتم إيه اللي بيحصل في عقولهم الصغيرة الملتوية.

زئير وحشي طلع فجأة من الحشد: "كسمك! يا ابن الوسخة النجس! إزاي تتجرأ تشكك وتهين إلهنا!"

"هاه؟ كسمك أنت كمان!" رفعت صبعك الأوسط، وراجل اندفع فجأة.

كان راجل أصلع، عريض المنكبين ورقيبته تخينة، وشه معوج من الغضب.

أسنانه كانت باينة، ورزاز من ريقه طار من شفايفه بقرف كفاية وهو بيهاجم، كأن غضبه المحض ممكن يكسر عضمك.

يا وسخ، يا وسخ، يا وسخ. اتألمت بقرف لما الريق جالك، بس استعديت لنفسك مع ذلك.

بس فجأة—إيد طلعت بسرعة، مسكت ياقة الراجل، وبشدة وحشية، اتسحب لورا، ورجليه بتتزحلق في الطين.

"لأ."

الراجل الأصلع وقف في نص حركته، وحشيته بتختفي، وعدم اليقين بيغرق بياض عينه: "بـ.. بس هو—"

"أنت شتمت." الصوت كان واطي وبارد والراجل اللي لابس رداء واقف من غير حركة.

الراجل الأصلع اتصلب: "أنا—أنا كنت غضبان! هو استفزني—"

"خليت كلام خاطئ يلوث روحك؟" الراجل اللي لابس رداء وباقي الأشكال بدأوا يتقدموا والراجل الأصلع حاول يهز راسه بيأس: "لأ—لأ، أنا ما كنتش أقصد—"

زور الراجل الأصلع كان بيطلع وينزل: "لأ—لأ، ما كنتش أقصد—"

"خليت الغضب يتحكم فيك؟"

"استخدمت اسم الرب كشتيمة."

تعبيرات الراجل الأصلع اتكسرت، وكبريائه بينهار: "استنى—!" كان بيخبط، وعينه بتتنقل بجنون بين الوشوش اللي حواليه.

"استنوا! أنا—!" لف ناحيتك فجأة، اليأس بيغرز في صوته: "هو شتم برضه! ليه أنا الوحيد—"

"أنا بقول نبدأ طقس الزيفالكور للراجل الزنديق ده." الراجل اللي لابس رداء أعلن.

همسات الموافقة ترددت في الهوا والمجموعة اتحركت ككيان واحد، موجهة بخيوط خفية، بتتحرك في تزامن مثالي وغير طبيعي.

حاجة في بطنك اتلوت بعنف لما شفتهم بيرفعوا سلاحهم.

كانوا هيقتلوه.

كانوا بجد هيقتلوه.

نفسك اتحشر في زورك، وقلبك بيدق بسرعة لدرجة إنك حسيت بغثيان.

كنت عايز تبص بعيد وتجري، لأنك كنت عارف إنك غالباً هتكون اللي عليه الدور—بس بدلاً من ده، قعدت هناك بشكل مثير للشفقة، متجمد من الخوف.

الراجل الأصلع خبط أكتر: "لأ—لأ، أرجوكم، أنا—!"

طاخ.

أول ضربة جت بسرعة، والصوت كان مقزز. الصدمة بعتته واقع لقدام، راسه بتطرق للجنب، دم بيرش على الأرض المبلولة.

صوت مكتوم طلع من زوره، وبعدين جت الضربة التانية؛ دي ما وقعتوش بس—دي غرسته في الطين.

العصاية خبطت في جمجمته بقوة مطرقة، وصوت خبطة رطبة ومقززة تردد في الهوا، متبوع بصوت تهشم اللحم.

فضلوا يضربوا من غير رحمة وكل ضربة كانت بتغرزه أكتر في الطين، لحد ما بقى مجرد حتة لحم مهشمة وغرقانة في الدم.

حسيت بموجة غثيان بتغرقك، ومعدتك بتتلوي من الألم، والمرارة بتطلع في زورك، بتهدد إنها تخرج.

إيه كسم ده، إيه كسم ده، إيه كسم ده. تنفسك بدأ يبقى أسرع وجسمك كله بدأ يترعش من فكرة إنك تتقتل بالطريقة دي.

كانوا باينين فرحانين وهما بيعملوا ده، ويا إلهي، ده كان بيقرفك.

أنت قتلت قبل كده—كنت مضطر، عشان تعيش—بس مش بالطريقة دي.

مش بكل الفرحة دي.

جسم الراجل اتشنج بعنف، صوابعه بتخربش بيأس على الرصيف المبلول، شفايفه بتشكل صلوات يائسة من غير صوت.

بس بعدين، ضربة تانية وحشية من سلاحهم نزلت، وطفيت آخر نفس عنده.

المجموعة انسحبت بعدين، بتنهج، وأسلحتهم غرقانة دم مختلط بالمطر اللي مش بيبطل، وأنت كنت قاعد مكانك متجمد، عينك واسعة من الرعب، وصدرك بيطلع وينزل وأنت بتحاول تستوعب الوحشية اللي قدامك.

"إيه،" قلتها بصوت مبحوح، وصوتك كان يا دوب همس.

"إيه كسم اللي لسه عاملينه ده؟"

الراجل اللي لابس رداء لف ناحيتك، هادي تماماً: "هو أذنب."

نفسك طلع بانتفاضة: "هو—هو بس—هو بس قال كسم—"

"وبعمل ده، هو تحدى الرب." الراجل مال براسه: "كنت تفضل نخلي الفساد ينتشر؟"

إيد مسكت شعرك، وشدت راسك لورا، وبعدين، قبضة خبطت في صدغك والرؤية بقت سواد.





الدفا كان أول حاجة لاحظتها لما الوعي رجع لك.

حاجة مبلولة ولزجة نزلت على صدرك ودراعك، بتتمشى فوق خريطة الكدمات الجديدة والشق العميق اللي قاسم فخدك.

"أخ—إيه—"

ألم اتعكس على ملامحك، وجلدك بدأ يشكشك بحساسية شديدة، كل نقطة مية بتتمسح على جلدك بتشعل إحساس حارق كأنه ملح بيتدعك في جرح.

أوه، حد كان بيعالج جروحك.

"بالراحة..." قلتها بجز على أسنانك.

القماش الخشن كان بيتحك في جلدك بطريقة منظمة، اتسحب فوق عظمة الترقوة، ومشي فوق ضلوعك، ومسح فوق بطنك، بيشيل الطين والدم الناشف بدقة جراحية.

"أنت مش مفروض تكون صاحي دلوقتي."

عينك اتفتحت بسرعة، حيرة بتغلي في بطنك.

"...إيه.. أنا فين؟"

همست وأنت بتلاحظ المكان—السقف كان كله حجر، مكسور، ومتغطي بالطحالب وهي بتزحف في الشقوق زي عروق خضراء يائسة.

عوارض خشب—مبلولة ومطوحة ممتدة فوق—زي بيوت العصور الوسطى.

بصتك نزلت لتحت وشفت ست راكعة جنبك، والكمام مرفوعة لحد كوعها.

إيدها بتتحرك بدقة متدربة، والقماش الملطخ بالدم بيغرق بإيقاع في حوض مية فين المية الموردة بتموج مع كل مسحة حذرة.

إيه كسم المكان ده وليه أنا نص عريان؟

الرعب اندفع جواك، بس جسمك كان تقيل، مش قادر يتحرك لسه.

راسك كانت بتدُق مع نبضك، وبعدين الوجع الرخم في رجلك—أوه. صح. مصيدة الديب.

أنت دوست في مصيدة ديب يا غبي.

بصتك نزلت لتحت، شفايفك الناشفة اتفتحت عشان تتكلم، بس قبل ما تطلع كلمة، عينيها الحادة قابلت عينك واتجمدت.

خدودها كانت غايرة—مش النوع الجذاب—لأ، النوع اللي غاير بسبب سوء التغذية.

كانت باينة منهكة زي حد ما عرفش يعني إيه راحة من سنين وبطل يتوقعها أصلاً.

ومع ذلك، تعبيرها كان غير قابل للقراءة ومالت براسها بفضول: "بتبصلي كأنك فاكر إني هذبحك."

بلع ريق بطيء ومقصود شق زورك الناشف، بس التيبس في رقبتك وإحساس الرعب في بطنك ما خفش.

"مفروض أقلق من ده؟"

شفايفها اتلوت في ابتسامة مسلية: "على حسب أنت هتقاوم قد إيه."

عضلاتك اتشدت بس قبل ما تقدر حتى تتحرك، إيدها ضغطت بقوة على كتفك، وزقتك لتحت.

"لأ،" حذرت، بصوت حازم: "هتقطع الغرز."

اتصلبت، كل عضلة قفلت بغريزة وأنت سايب راسك تقع: "طيب على الأقل كوني أهدى شوية،" شورت بصبعك ناحية الضمادات.

"دي مشدودة زيادة، كأنك عايزة تقطعي سريان الدم عني."

شورت على الضمادة اللي على ضلوعك، وبعدين لتحت عند وسطك.

تنفسك كان مكتوم، مخلية الوجع تحتها يبان بعيد ورخم، بس لسه موجود، بينما مجموعة تانية ملفوفة حوالين رجلك—مربوطة بنظام، بيضا ونضيفة، رغم الوجع اللي لسه بينبض تحتها.

"ده عشان يهدي الألم، يا ولد يا غبي." عاتبتك، وأنت نفخت براحة: "صح.." تمتمت قبل ما تبلع ريقك وتبص لها وتسأل السؤال البديهي.

"...أنتي اللي عالجتيني؟"

نفخت براحة، حاجة زي الضيق بانت في تعبيرها: "كنت أفضل ما أهدرش قماش كويس." اعترفت: "بس هما أمروني."

"إيه؟ مين—أوه.. هما."

هما ما قتلوكش إذن؟

أنت ما كنتش عارف مفروض تفرح إنك اتساب حياتك، ولا تحس بفظاعة الحقيقة إنك اتخطفت من طائفة حرفياً.

"الناس اللي بره..." همست، بصوت خشن: "اللي هما—"

معدتك اتلوت لما افتكرت شكل الراجل، وهو بيصرخ والناس بتضربه لحد الموت—ووزن الإيدين وهي بتشدك لتحت.

رعشة جرت في صوابعك قبل ما تقفلهم على الملايات، بتحاول تمسك نفسك.

الست أكيد شافت التغيير في تعبيرك، والطريقة اللي نفسك اتحشر بيها، لأنها طلعت زفرة حادة ورمت القماش في الحوض بطرطشة خفيفة.

صوتها كان أهدى لما اتكلمت تاني: "كانوا هيسيبوك تموت هناك." اعترفت: "بس الكاهن الأعظم غير رأيه."

راسك اتنفض خفيف وأنت بتجبر نفسك تركز.

"الكاهن الأعظم؟" سألت: "الراجل اللي لابس رداء؟"

هزت راسها: "هو بيعتقد إنك فايلكس."

الاسم الملعون ده تاني.

مين كسمه فايلكس ده وليه بيفضلوا ينادوك بده؟

"وأنتي بتعتقدي إيه؟" سألت بحذر، وعينك بتضيق.

هي بس اتفرجت عليك، وعينها غامقة ومش مفهومة، قبل ما تتحرك خفيف، بتحرك كتفها وهي بتعصر القماش بين إيدها.

"أنا بعتقد،" اتكلمت ببطء: "إنك لو كنت فايلكس، ما كنتش هتبقى تايه كده دلوقتي."

"بس،" ضافت، وهي بتعصر القماش بين إيدها تاني: "ده ما يهمش هنا؛ إيه اللي بيعتقده هما أهم—إيه اللي بيعتقدوه، لازم أعتقده أنا كمان."

"زي الدومينو، هاه..." ضميت شفايفك.

"بيعتقدوا إيه؟"

"إنك واحد من المتمردين اللي هربوا من طقس التطهير."

متمرد، هاه.

يمكن ده السبب في إن إيدك خشنة كده—وإن جسمك باين عليه متعود على الخناق.

"هما كمان بيعتقدوا إن الرب اختار يمسح ذاكرتك ويديك فرصة تانية."

آه، يعني إدوك فرصة تانية عشان ده هيكون مريح إذن؛ لأنك صفحة بيضا، وهما غالباً متوقعين إن هيكون سهل يحولوك لأي حاجة هما عايزينها لأنك ما عندكش أي ذكريات.

"إيه هو طقس التطهير ده أصلاً؟" سألت بحيرة.

"ده احتفال للي بيعتبروهم مش طاهرين، خطاة، غالباً."

رفعت حاجبك: "همم؟ ده مش شرح. بتعملوا فيهم إيه؟"

"ليه طبعاً، بنحرقهم؛ بنخلي النار تطهرهم وتمسح النجاسة منهم عشان روحهم ممكن تتولد من جديد كحاجة أطهر وتستاهل رحمة الرب."

الكلمات دي خلت عدم ارتياح يتردد جواك. لو ده الحال—ده معناه إنهم حاولوا يحرقوك في الماضي؛ قالوا إنك هربت بعد كل شيء.

مين كسمه اللي ما يهربش؟

"فهمت.." همست، بتحاول تفسر نبرتها إذا كان فيه لمحة سخرية، ندم، أو حتى خوف، بس ما لقيتش أي حاجة.

بس لسه، صوتها ما كانش زي الباقيين—المتعصبين دول اللي بيرموا كلمات زي 'خطيئة' و'تطهير' كأنهم أسلحة.

مع ذلك، ما كنتش متأكد إذا ده بيخليها حليفة ولا مجرد قطعة تانية في أي لعبة ملتوية بتحصل هنا.

اتحركت تاني قبل ما تقدر تسأل أكتر، بتمد إيدها لحاجة وراها.






عضلاتك اتشدت، بس هي ما سحبتش سلاح. بدل كده، صوابعها قفلت على سلطانية خشب، وشدتها قدامك—وشفت إن كان فيه عجينة تقيلة وغامقة جواها.

بصيت لها، والشك بدأ يسلل جواك.

إيه القرف ده؟ اتساءلت بينك وبين نفسك.

"خليك ثابت،" همست، وهي بتغمس صوابعها في الخليط. "ده هيساعد في الألم."

"ولو مش عايزه؟"

"يبقى هصبه في زورك بداله."

..عظيم.

فكك اتشد، بس كنت عارف إن ما عندكش اختيار كبير.

جسمك ما كانش جاهز يحارب لسه.

على الأقل مش بالطريقة دي؛ مش لما كل محاولة للحركة بتبعت طعنات ألم في أطرافك.

فدلوقتي—

دلوقتي، هتسايرهم.

راسك وقعت لورا على المخدة، والإرهاق ضاغط على جمجمتك زي الملزمة.

طلعت نفس بطيء، وفكك مجزوز، بتجبر نفسك تبطل تقاوم.

بس أول ما قوتك ترجعلك..

أنت أكيد هتخلع من هنا.

لأن مين عارف؟ غالباً هيحاولوا يحرقوك تاني.




ريحة خفيفة وترابية زي الحبوب المحمصة وحاجة مسكرة شوية هجمت على حواسك.

جسمك كان حاسه تقيل، وأطرافك مصلبة وأنت بتتحرك ضد القماش الخشن اللي تحتك، ولفترة طويلة، فضلت ساكن، بس بتسمع أصوات فرقعة النار الخفيفة.

لاحظت إن الألم في رجلك بقى أخف دلوقتي؛ مجرد وجع مستمر بدل الألم الحارق اللي كان قبل كده.

عينك فتحت، وشفت إن الأوضة اللي حواليك كانت صغيرة وإضاءتها خافتة، وضوء الشمعة اللي بيترعش بيرمي أشكال ضد الرموز البدائية المحفورة في الحجر، رموز إنت ما تعرفهاش.

بطانية تقيلة ومقطعة وخشنة كانت متغطية عليك، وجنبك، صينية خشب بسيطة مستريحة على الأرض؛ عليها سلطانية شوربة، والبخار طالع بكسل من سطحها.

في الناحية التانية من الأوضة، ست كانت قاعدة على كرسي هزاز، بتتفرج عليك بعين صاحية.

كانت هي نفسها اللي عالجت جروحك من شوية.

الإيد العضم اللي ماسكة عين كانت محفورة في معدن العصاية اللي مسنداها على ركبتها، ونظرتها الغايرة محبوسة عليك حتى وهي ساكنة—بس فيه حاجة في الموضوع ده قرفتك جداً، بس قبل ما تقدر تغرق في التفكير ده أكتر، هي اتكلمت.

"صحيت،" همست. "كويس."

بلعت ريقك بسبب النشفان في زورك، وبتجبر صوتك يشتغل. "طب.. هي أنتي أخيراً هتقوليلي أنا فين كسم المكان ده دلوقتي؟"

الست قرصت مناخيرها، كأنها كانت متوقعة قلة الذوق دي. "أنت في واحدة من ملاذاتنا."

"كل."

صوابعك اتحركت ناحية الصينية اللي جنبك؛ ما كنتش بتثق فيهم فعلاً، لأن مين عارف؟ ممكن يكون مسموم؛ بس الجوع اللي بياكل فيك ما كانش مهتم بالشكوك.

ترددت ثانية واحدة بس قبل ما تمسك السلطانية، وتغمس المعلقة، وتقربها لشفايفك.

القوام كان تقيل، ومحبب على لسانك، والطعم كان ماسخ بس دافي.

الست اتفرجت، وتعبيرها غير مفهوم، بس هزت راسها خفيف بالموافقة. "قوتك هترجع قريب."

بلعت معلقة تانية، وعينك حادة عليها. "هو ده السبب اللي مخليكي سايباني عايش؟ عايزاني قوية قبل ما ترميني تاني للموتى الأحياء؟"

جسمك كله كان متكتف بتوتر جامد، وعضلاتك بتصرخ باعتراض، هي مالت براسها خفيف. "تجارب الرب مش بالفظاظة دي."

كشرت: "آه؟ عشان ضرب راجل لحد الموت عشان شتم بدا حاجة فظة جداً بالنسبة لي."

الضيق والتسلية ظهروا في نفس الوقت على وشها. "أنت محظوظ إنهم مش هنا، وإلا كنت هتبقى ميت عشان شتمت."

رعشة رعب اتسلقت عمودك الفقري، بس حاولت ما تبانش متأثر وبصيت لها بغل.

"ليه ما فتنتيش عليا إذن؟" سألت، وأنت بتشوفها بتهز كتافها بلامبالاة.

هي بعدين مدت إيدها جنبها، ورفعت كتاب تقيل مجلد بجلد على حجرها.

غلافه كان محفور عليه صورة مألوفة—الإيد العضم اللي ماسكة عين مش بتبربش—نفس اللي كانت على عصايتها أو أياً كان ده إيه.

"كودكس إزريفيس،" قدمته، وهي بتمشي صوابعها على الغلاف بتبجيل. "النص المقدس للرب إزريفيس، هو اللي بيراقب."

إزريفيس.

الاسم ده ما حركش أي حاجة جواك—ورفعت حاجبك.

إزريفيس..؟ هو ده زعيم الطائفة بتاعهم اللي غسل مخهم أو حاجة؟

فتحت الكتاب، وبتقلب في صفحات معتقة مليانة بخط إيد تقيل؛ بعض الجمل كانت متخطط تحتها، وتانيين عليهم علامات دقيقة.

"إيماننا مش قاسي،" قالت، وصوتها موزون. "هو عادل."

سخرت، وكتفت إيدك على صدرك. "عادل؟ أنتوا كنتوا خلاص هتحرقوني. هو أنتوا مش مهتمين بحقيقة إنكم بتقتلوا بني آدمين زيكوا باسم القدر؟" سألت.

"مش مهتمة." ردت ببرود، مما خلى عينك تترعش، والضيق بيغلي جواك تاني.

"لازم يحصلك، أو لعيلتك، أو لأصحابك، وللناس اللي بتهتم بيهم عشان تاخد الموضوع بشكل شخصي؟"

وقفت في نص تقليب الصفحة، صوابعها مستريحة خفيف على الورق كأن كلامك لمس حاجة تحت السطح.

"أنت رجعت لينا. ده لوحده يثبت إن إرادة الرب شغالة."

"ده مش سؤالي، صح؟" فكك اتشد وأنت بتبصلها بغل. "بعدين.. أنا حتى ما أعرفش مين أنا أصلاً."

الست درستك للحظة، وبعدين لفت الكتاب ناحيتك، بتخبط على جملة مكتوبة بخط عريض وتقيل.

"الخاطئ، اللي اتجرد من ذاكرته، هيرجع. معلم عليه بالموت، بس مش مملوك له. نظرة الرب هتقع عليه، وطريقه هيتحدد بالإيمان أو بالنار."

برد جرى فيك.. الجملة دي كانت باينة كأنها مقصودة ليك أنت شخصياً بطريقة ما. صوابعك قفلت على شكل قبضة. "ده هبد."

"الرب إزريفيس مش بيكدب."

زفرت بحدة، بتحاول تهدي أعصابك اللي بتتقطع وأنت بتمرر إيدك في شعرك بقلة صبر.

"والرب بتاعكم ده،" همست، وأنت بتبص على الرمز اللي على الكتاب، "ليه محتاج عين في إيد عضم؟"

لأول مرة، الست ابتسمت. "الإيد بتمثل الحكم،" ابتسمت بشكل غريب. "العين هي المعرفة. إزريفيس بيراقب الكل، بيشوف الكل، وإيده بتنفذ العدالة."

"دلوقتي ارتاح. هتقرأ بعد ما قوتك ترجع." لفت ومشي، سابتك لوحدك مع ضوء النار والكتاب.

عينك رجعت للجملة، وبوقك اتعوج بتكشيرة، وخرزات عرق بارد اتكونت على جبينك. "الخاطئ، اللي اتجرد من ذاكرته، هيرجع، هاه.."

قفلت إيدك في حضنك، وقماش هدومك اتكرمش بين صوابعك اللي بتترعش.

إيه كسم اللي ورطت نفسك فيه ده؟ اتساءلت وأنت بتبص على الكتاب؛ الست سابتك لوحدك معاه، متوقعة منك تقرأ.

وعملت كده.

في الأول، كان باين زي أي نص ديني تاني.

الصفحات كانت قديمة، مليانة بريحة الحبر والتراب، والورق كان ناشف تحت صوابعك.

الكلمات كانت محفورة بضربات سوداء غامقة، باينة بوضوح ضد الورق المصفر، بتحكي ترانيم، وأمثال، ومراسيم إلهية—النوع اللي شفته في كتب مقدسة قبل كده.




في الأول، ما كانش فيه حاجة ملفتة للنظر.

بس كل ما قرأت أكتر، الموضوع بقى أغرب.

"ثق في إزريفيس وحده، لأنه بيشوف كل اللي أنت ما تقدرش تشوفه. لو شكيت، فأنت أعمى. لو سألت، فأنت تاه."

معظم النصوص الدينية بتدعو للإيمان، بس ده.. ده كان بيفرضه فرض.

مش مسألة ثقة ولا تفاني، لأ، دي مسألة التزام.

الشك ما كانش مجرد حاجة مرفوضة، ده كان عمى، ومرض، وعيب لازم يتصلح.

أنت قريت نصوص مقدسة قبل كده، أشكال وألوان، من أمثال لطيفة لأوامر قاسية، بس الإيمان في الكتب دي كان اختيار.

هنا، كان قفص.

"إرادة العبد ضعيفة. بس من خلال الخضوع للإيد، تقدر تمشي في طريق الحقيقة."

في الوقت اللي أديان تانية بتتكلم عن حرية الإرادة، والخيارات الأخلاقية، والطريق اللي بتمشيه بشك وأمل، الكتاب ده ما قدمش أي حرية من دي.

ما طلبش فهم، ما شجعش على التعلم؛ ده طالب باستسلام مطلق.

فكرت في النصوص التانية اللي قريتها—بعضها كان بيدعو للطاعة، بس حتى وقتها، كان فيه مساحة للأسئلة.

في أديان تانية، أنبياءهم شكوا، وتلاميذهم اتلخبطوا، وحتى القديسين صارعوا الإيمان.

بس هنا، إنك تسأل يعني إنك ضعت، وإنك تقاوم يعني إنك هتتكسر.

"اللي بيضل الطريق هيتختبر. واللي بيقاوم هيتمحي."

وقفت قراية وقشعريرة بطيئة اتسلقت عمودك الفقري. "يتمحي"؟ مش يتعاقب؟ مش يتصلح؟ يتشال خالص؟

هو ده السبب اللي خلاهم يقتلوا الراجل ده وقتها؟ عشان دي قاعدة هنا؟

أنت شفت الإيمان بيستخدم كسلاح قبل كده؛ تواريخ كاملة كانت غرقانة في دم اتدلق باسم الآلهة، في حروب مقدسة اتعملت بسبب سطور في كتاب.

بس ده ما كانش حرب ولا احتلال؛ ده كان باين أكتر كإنه "تطهير".

الإيمان، في الكتاب ده، ما كانش طريق—كان طوق، وسلسلة، وقيد متزوق في شكل خلاص.

بيفكرك بالطوائف اللي بتعبد الشيطان بصراحة، بس ده.. ده متطرف أكتر منهم شوية.

عينك بدأت تمر على الصفحات تاني، بتتبع أنماط الكلمات، وبتركب وزنها فوق بعض.

ما كانش فيه كلام عن الرحمة، وما كانش فيه مساحة للغلط؛ هنا ما كانش فيه غير الطاعة، والعقاب، والحكم، ويا إلهي، ده خلى معدتك تتقلب.

قلبت في صفحات أكتر، بتدور على قصص—أمثال، حكايات عن أحداث قديمة لأي حاجة تخلي ده يبان أقل كإنه تهديد صريح.

بس للأسف، لقيت نفس الكلام.

قصة عن راجل شكك في تعاليم إزريفيس واتصاب بالعمى.

تانية عن ست حاولت تهرب وتم "تطهيرها" في النار.

حكاية طفل اتكلم ضد "الإيد" واتولد من جديد من خلال المعاناة.

رغم كده، لاحظت حاجة—"اتولد من جديد"—لأن الكلمة دي اتكررت كتير.

أحياناً كان معناها الموت، بس أوقات تانية، كانت بتلمح لحاجة أوحش. قلبت صفحة تانية وكنت هتقع من الكتاب.

مكتوب بخط إيد، بخط مبهدل ويائس، كان فيه حاجة مش مطبوعة في النص الأصلي.

"دي كدبة. ما تخليهمش ياخدوا عينك."

معدتك اتلوت وأنت بتبص للكلمات، صوابعك بتلمس الحبر.

أي حد كتب ده غالباً عمله في السر، والخط كان مش متساوي، ومستعجل، كأنه كان خايف يتقفش.

اللي بصراحة، كان متوقع بسبب جنون الطائفة دي.

ياخدوا عينك؟ إيه كسم اللي قصده بده؟

غموض الجملة حيرك، وحاولت تلاقي كتابات تانية، بس الوحيدة اللي لقيتها كانت الرسالة الغامضة دي.

أنت بقالك بتقرأ وقت حاسه ساعات دلوقتي، بتنقب في عقيدة إله عمرك ما عرفته، وكل ما بتتعمق أكتر، صدرك بيتقل أكتر.

وبعدين—الباب اتفتح بصرير، وراسك اترفع بسرعة وشفت الست واقفة في مدخل الباب، بتتفرج عليك.

كانت هي نفس الست من شوية—اللي خيطت جروحك.

الضوء الخافت خلاها تبان زي الشبح—ناشفة، وعينها حادة، وملفوفة في أردية غامقة دمجت نفسها في الضلمة وهي بتتقدم خطوة.

"أنت بتقرأ." صوتها كان هادي وموزون، كأنها اتبسطت بشوفتك وأنت بتقرأ نصهم اللي بيسموه مقدس.

رفعت الكتاب خفيف، وبتميله ناحيتها. "نصكم المقدس."

ماتت براسها، وابتسامة اترسمت على شفايفها. "آيوة."

"تعلمت إيه؟"

سبت الكتاب يقع مقفول في حضنك، صوابعك لسه ماسكة الحروف المتهالكة للغلاف.

"إن إلهكم مش بيتحمل الشك،" رديت، وأنت حاسس بـ "غصة" في زورك.

تنهدت بحلم وحطت إيد على صدرها. "الشك مرض،" بدأت. "بيضعف الروح."

أنا سحبت كلامي، هي صوتها بالظبط زيهم.

فكرت كدة وأنت بتمشي لسانك على أسنانك، بتجادل نفسك وأنت بتضغط بصباعك على جبينك.

"معظم الأديان بتسمح بالشك، بعضها بيشجعه أصلاً."

"وهما فين دلوقتي؟" سألت، وهي بتميل براسها. "مشتتين؟ متقسمين؟ إيمان متقطع بسبب ضعف البشر؟" ضغطت في كلامها، وضلمة غطت ملامحها، وخليتها غامقة في لحظة.

زفرت ببطء، وبالكاد بتمنع نفسك من الكشرة وأنت حاسس بالاستياء بيغلي في صدرك، لأن إيه كسم النظرة دي؟

"أنتي مش بتعتقدي إن الشك بيخلي الإيمان أقوى؟"

"أنا بعتقد إن الشك بيؤدي للتعفن." قربت خطوة، وعينها ضاقت خفيف، وشفايفها مضمومة بقرف.

"إزريفيس مش إله عدم اليقين. هو بيشوف كل حاجة، بيحكم على كل حاجة. إنك تشك فيه يعني إنك بتدعي إنك عارف أحسن من اللي بيشوف كل شيء."

"طب وحرية الإرادة؟"

رديت، وضغطت شفايفك لخط مستقيم عشان تمنع الضيق اللي بيغلي تحت السطح.

بانت كأنها مسلية. "حرية إرادة؟"

"آيوة." اتعدلت خفيف، وتجاهلت الوجع في أطرافك. "لو إلهك بيشوف كل حاجة، لو عارف كل النتائج، ليه يدي اختيار أصلاً؟ ليه ما يخلقش أتباعه ولائيين بطبعهم؟"

"عشان الاختيار بيكشف حقيقة الشخص."

قالتلك وهي بتمد إيدها، وصوابعها يا دوب بتلمس غلاف الكتاب اللي في حضنك.

"ده،" همست، وهي بتحط إيد على كتفك. "هو السبب اللي مخليك هنا دلوقتي."

"همم.. يعني عايزة تقولي إني خدت اختيار." لاحظت، وأنت بتحاول ما تنكمش من إيديها الباردة.

"أنت أخدت فرصة."

صوابعك اتكرمشت على كعب الكتاب وأنت بتسأل بنبرة خالية من أي تعبير، وحواجبك متقرنة. "فرصة لإيه؟"

"عشان تشوف،" قالتها ببساطة، وكتفت إيديها.

"مافيش فايدة من تطويل الحوار ده."

"أنت بتتعافى. بتتاكل، وبتاخد المعرفة اللي محتاجها." أشارت ناحية الكتاب.

"بس لازم تقرر هتعمل إيه بيها."

كنت خلاص حاسس بالاتجاه اللي الكلام رايحه وهي أكدته بكلماتها اللي جاية.

"هتعتنق الإيمان،" بدأت بغموض. "أو هتموت."

الكلمات اتقالت من غير حقد، من غير تهديد—مجرد حقيقة واقعة.

صوابعك قفلت بقوة في قبضات مشدودة، وفكك اتصلب خفيف، وحواجبك اتجمعت وأنت بتستوعب كلامها. "ولو رفضت؟" وفي الآخر، زفرة عميقة طلعت من صدرك اللي بيضيق.

"يبقى إزريفيس ما لوش عوزة بيك."

[دليل مرض]

الهجرة الروحية (Transmigration):
في العالم ده، الهجرة الروحية بتشير للاعتقاد إن الأرواح مش بتموت ببساطة، بس بيعاد ميلادها في أشكال جديدة، بتوجهها إرادة "إزريفيس". المؤمنين بيعتقدوا إن اللي يستاهل بيتم منحهم ميلاد جديد جوه المستوطنة، بينما الخاطئ بيتم طرده—يا إما يهيم كميت حي أو يعاني في عالم أبعد من إدراك البشر. رغم كده، فيه همسات بتقول إن فيه أرواح بتتحط في أجسام جديدة من غير أي ذكرى لماضيها، كأن فيه حاجة أو حد مسح ذكرياتهم عن قصد وأعاد تشكيل وجودهم—وده بالظبط اللي حصل للقارئ.

كودكس إزريفيس:
الكتاب بيدعو للطاعة المطلقة، وبيقول إن الإيمان والعبودية لإزريفيس بيجيبوا حماية إلهية. رغم كده، كل ما القارئ بيقرا أكتر، بيبدأ يلاحظ التناقضات—صياغة تلاعبية بتجبر على الولاء من غير أي سؤال. النص بيعيد كتابة التاريخ، وبيشجع بشكل غير مباشر على غياب التفكير المستقل، وبيفرض عقوبات على اللي بيشككوا.

نهاية العالم (الزومبي): "التطهير العظيم":
المستوطنة بتشير لنهاية العالم بالزومبي كـ "التطهير العظيم"، حدث إلهي بعته إزريفيس عشان يخلص العالم من اللي ما يستاهلوش. هما بيعتقدوا إن الموتى الأحياء دول خطاة رفضوا التوبة، وملعونين يمشوا على الأرض في عذاب. حسب تعاليمهم، الطريقة الوحيدة لمنع انتشار الخطيئة هي "التطهير"—حرق الجثث أو إعدام المصابين قبل ما يتحولوا. ورغم كده، فيه تضاربات في قصصهم. البعض بيقول إن التطهير كان مفاجئ ومش ممكن وقفه، والبعض التاني بيتكلم عن تحلل بطيء للحضارة. الموتى الأحياء نفسهم أغراب—البعض بيتحرك من غير عقل، بس البعض التاني بيبان عليه التردد، بيبصوا، كأن فيه حاجة لسه حية جواهم.

ديانة إزريفيس: إيمان زيلفاريث:
الديانة المسيطرة في المستوطنة معروفة بـ "إيمان زيلفاريث". ده نظام اعتقاد ثيوقراطي (ديني) بيتمحور حول عبادة "إزريفيس"، إله الحكم، والميلاد الجديد، والقدر، اللي بيشوف كل حاجة وبيعرف كل حاجة. أتباعه بيعتقدوا إنه لوحده بيحدد مين يستاهل الحياة ومين لازم يتُدان بعذاب أبدي. اسم الإله بيتنطق "إي-زريفيز".

زيفالكور (Zyval'korr):
شكل وحشي من الإعدام بيتم فيه ضرب الخاطئ لحد الموت بقضبان حديد، أو عصيان، أو نوادي، أو حجارة. العقاب ده مخصص للخونة، والزنادقة، والناس اللي بيرتكبوا تجديف عظيم. المؤمنين بيتجمعوا عشان يشهدوا ويشاركوا، معتقدين إن مع كل ضربة، حكم إزريفيس بيتنفذ. بيتقال إن كل ما الخاطئ يعيش فترة أطول، كل ما خطيئته كانت أكبر، لأن إزريفيس بيرفض يديهم موتة سريعة. جسمهم بيتم سيبه بعد كده في العراء عشان الموتى الأحياء ياكلوه كعقاب إضافي.

زيفارينيث (Zyvarin'eth):
عبارة بتستخدم كـ "بركة" أو عبارة وداع بين المؤمنين بـ "زيلفاريث". معناها هو "ليغفر لك إزريفيس" أو "ليراقبك إزريفيس ويحرسك".