آيلا.
وصل اليوم اللي كنت مستنياه، أول يوم رجوع للكلية. كنت مجهزة نفسي تماماً ومستعدة عشان أتعلم.
بس اللي ما كنتش مستعدة له هو رايدر.
كنت عارفة إنه هيستفزني، وكنت قلقانة. رايدر طول عمره بيكرهني وما كنتش عارفة ليه أبداً. مش كأني عملت أي حاجة تستاهل إنه يعاملني بالطريقة دي، أنا دايماً كنت كويسة معاه حتى بعد كل اللي عمله.
هو شخص غامض، وما تعرفيش تتوقعي تصرفاته. كنت دايماً بفضول ناحيته، ليه هو دايماً كدة؟ كان ذكي جداً وشخص محبوب في أكاديميتنا حتى بتصرفاته وأسلوبه الوحش. المدرسين كانوا بيتملقوه عشان أبوه صاحب طيران كوستيلو -واحدة من أفخم شركات الطيران في العالم- كان من أكبر الداعمين للأكاديمية.
أهلي بقا، أبويا عنده ٤ مطاعم، تقدري تقولي سلسلة صغيرة. كلهم مبنيين على الأكل المغربي وأمريكا الجنوبية عشان أمي مغربية وأبويا من جمهورية الدومينيكان. جدودي من الناحيتين هاجروا للندن في السبعينات عشان يعيشوا حياة أحسن، وعشان يكرموا الثقافتين الجميلتين بتوعنا، أبويا فتح سلسلة المطاعم دي.
إحنا من الطبقة المتوسطة، ومعانا فلوس بس مش أغنياء أوي زي رايدر.
أهلي تعبوا وشقوا كتير عشان يدخلوني أكاديمية كامبريدج، دي واحدة من أرقى المدارس في المملكة المتحدة وبمستويات دراسية عالية جداً. وعشان كدة أنا بذاكر بجد لأني عايزة أفرح أهلي. كفاية كلام عن ده، وللأسف كان عندي حصة إنجليزي مع رايدر في الحصة الأولى، وتوزيع الأماكن بتاع السنة دي... طيب أنا ما كنتش عارفة هو إيه وكنت خايفة. إحنا استلمنا جداولنا من أسبوع في يوم التقديم، كنت سمعت رايدر بيتكلم عن إنه في فصل واحد -أعلى فصل من حيث المستوى الدراسي- وبصيت في جدولي واكتشفت إني في نفس الفصل. ما كانش قدامي غير إني أتمنى إننا ما نتقابلش.
بعد ما قضيت دقايق في السرير بفكر في حياتي الاجتماعية الحزينة، قمت ودخلت الحمام. غسلت وشي وعملت روتين العناية بالبشرة اليومي بتاعي، ونزلت المطبخ وشغلت البوتاجاز. عملت عجينة بان كيك بسرعة وصبيتها في الطاسة. عملت كمية تكفيني أنا وأهلي قبل ما أجهز نفسي. مع إن الساعة كانت ستة ونص الصبح بس مدرستي كانت على بعد حوالي تلاتين دقيقة، يعني لازم أكون جاهزة وخارجة من البيت على سبعة ونص.
سمعت خطوات كتير، وشفت أهلي نازلين. اديتهم البان كيك ومعاها فاكهة طازة. عملت لهم قهوة وعملت لنفسي واحدة وطلعت بيها فوق. سرحت شعري وربطته لورا براحة وبدأت أظبط شكلي عشان أبقى مهندمة. اتنهدت بضيق وأنا بفتح الدولاب وبفكر ألبس إيه. الواحدة تفتكر إنها مؤسسة تعليمية مرموقة ومعروفة يبقى فيها يونيفورم، بس لأ، لازم نلبس لبسنا العادي مع التزام بقواعد اللبس. كانت معقولة بشكل مفاجئ، مفيش جيبات قصيرة فوق الركبة، مفيش شورتات فوق الركبة، ومفيش كعب أعلى من تلات بوصة.
في الآخر قررت ألبس بنطلون كارغو كريمي وتيشيرت أبيض، حاجة بسيطة بس شكلها حلو. لبست فوقيهم كارديجان واسع احتياطي لو الجو هوي. حطيت حاجتي في الشنطة وبصيت على الساعة لقيتها سبعة. اتصلت ببريا وكنت عارفة إنها لسه نايمة، ردت في الرنة الرابعة. "ألو." قالتها بصوت نعسان فضحكت. "هاي يا نومة، ليه لسه ما صحيتيش؟"
"أوف، كنت سهرانة بتفرج على مسلسل كرينيمينال مايندز، ممكن تعدي تاخديني على سبعة ونص؟" قالتها وهي بتتثاوب، مش بلومها، حصل لي كذا مرة إني رفضت أنام عشان خاطر ماثيو جراي جوبلر.
"تمام يا حبيبتي، أشوفك كمان تلاتين دقيقة." قفلت المكالمة وجريت على تحت، لبست كوتشي وودعت أهلي.
خرجت من البيت ولبست سماعاتي وبدأت أسمع سيزا، كنت محتاجة شوية هدوء الصبح ده لأعصابي المتوترة. دخلت محل صغير واشتريت بار جرانولا، وعصير، ولبان، وشوية حلويات لبري. استنيت الأتوبيس وكنت بدعي إنه يوصل بسرعة، كنت بكرة التأخير، بيحسسني إن يومي كله باظ. أول ما الأتوبيس وصل ولحسن حظي لحقت الزحمة قبل ما تزيد، قعدت ورا وبدأت أقرأ كتاب. للأسف بري كانت ساكنة في وسط البلد، المنطقة دايماً زحمة بالسياح والعمال وبشكل عام منطقة ما بتنامش.
أول ما نزلت في المحطة بتاعتي، مشيت دقيقتين بس لحد بيت بري وخبطت على الباب. قابلت إيلا، مامة بري، وحضنتها وهي دخلتني جوه.
"ها يا آيلا، متحمسة للكلية؟" سألتني، قلت لها "ما أقدرش أقول إن متحمسة هي الكلمة الصح، بس أكيد متطلعة للحصص."
"إيه أخبار بري؟" سألتها، إيلا قلبت عينيها وضحكت، "ما أعرفش بس أتوقع إنها مش متحمسة خالص عشان لسه ما طلعتش من السرير." ضحكت وطلعت فوق.
فتحت باب أوضة بريا وشفتها ماسكة الموبايل. "بريا قومي! مش عايزة أتأخر." قلت كدة وحاولت أشدها تقوم، بس هي شدتني ليها وحضنتني. "إنتي محظوظة إني بحبك، لو حد تاني كان قالي أقوم من السرير كان مات." أخيراً قامت وسابتني. "اديني عشر دقايق وهخلص." قالت ودخلت الحمام. هزيت راسي وطلعت كتابي عشان أضيع وقت. بعد شوية خرجت وهي رابطة شعرها وحاطة مكياج، ولابسة بلوزة حلوة وبنطلون جينز وكوتشي. "شكلك حلو، يلا بينا!" قلت كدة لأني مش عايزة نتأخر في أول يوم. "ماشي، يا آنسة مواعيد، يلا بينا!" قالتها وخرجنا من البيت وإيدنا في إيد بعض بنتمشى لمحطة القطر. كنت قلقانة عشان القطر اللي جاي الساعة تمانية وكان فاضل تلات دقايق، بس لحسن حظنا قدرنا ندخل والباب بيقفل. اديتها الحلويات فابتسمت. "شكراً يا حبيبتي، استني، إنتي ليه متوترة كدة؟" سألتني فتنهدت، "بصراحة، بس عشان رايدر، طول الوقت بيضايقني."
قلبت عينيها وعملت تعبير بوشها، "مش لازم تهتمي بالمتخلف ده، طنشيه يا حبيبتي." بري كانت بتكره رايدر، لأسباب واضحة. هزيت راسي وغيرت الموضوع، كنت بتمنا أشتت تفكيري عن التفكير فيه. أنا وبري بدأنا نتكلم عن حماسها إن مستر روثمير يبقى رائد الفصل بتاعنا، كان راجل وسيم وجذاب جداً.
وهي بتحكي عن معجبها، نزلنا من القطر ومشينا للأكاديمية. أول ما وصلنا للبوابات، سجلنا دخولنا بالبطاقات، كنا سابقين بدقايق يعني كان عندنا وقت نتكلم ونرتاح شوية قبل تسجيل الصبح. الحمد لله، لأني كنت نهجانة ومش قادرة آخد نفسي من المشي من المحطة.
لسبب ما، كنت نسيت إن رايدر معانا في نفس مجموعة التوجيه لحد ما بري فكرتني، وإحساس القلق اتملك مني.
الجرس ضرب، وضربات قلبي زادت، كنت مرعوبة من دخول الفصل ده بس اتجاهلت الخوف وبدأت أمشي. عيني كانت في الأرض، وأول ما وصلت عند الباب، في إيد وقفتني. رفضت أبص لفوق، كنت عارفة إنه هو، كان لابس السوار السلسلة بتاعه، اللي عليه نقش كلام إيطالي فخم.
رفضت أبص لفوق، أبص في عينه، بس بصيت، ويا ريتني ما عملت.
"آيلا." قالها بحدة وعينيه فيها نظرة شريرة.
مع إني ما كنتش عايزة، بس كان لازم أديه شوية رضا.
"رايدر."
--
شال إيده من على الباب ودخل الفصل وهو بيضحك وقعد في مكانه. مشيت وراه ورحت قعدت في الآخر وطلعت كتابي. بعد ما الأستاذ أخد الغياب، دخلت في قراءة عميقة ونسيت كل اللي حواليا تماماً.
لحد ما الكتاب اتسحب من إيدي ورايدر رفعه في الهوا.
ابتسمت له لأني مش عايزة أبين إني متضايقة ومستفزة، ليه مش عايز يسيبني في حالي؟
"ممكن تديني الكتاب بتاعي لو سمحت؟" سألته بأدب كأنه مش بيضايقني.
"إنتي بتقري حاجات غريبة، بجد يا آيلا إيه اللي حصل لك؟" قلبي وقع في رجلي من نبرته القاسية. "أتمنى ما يكونش فيا حاجة، كل اللي عايزاه هو كتابي من فضلك." صوتي اتهز وحسيت إني عايزة أعيط لأني لاحظت إن الكل بيبص عليا، وده كنت بكرهه. كأن الوقت الوحيد اللي باخد فيه اهتمام هو لما رايدر بيكون بيضايقني.
"إنتي ضعيفة جداً." قالها بخبث ورمى الكتاب عليا، لميت حاجتي وخرجت من الفصل بسرعة. كنت محتاجة أكون في أي حتة غير هنا، والمكان الوحيد اللي جه في بالي كان الحمام. دخلت كابينة وقعدت فيها مستنية أهدى.
كان الحال كدة كل سنة، بقالي سبع سنين وهو بيضايقني. بتمنى بس أعرف ليه، إيه اللي عملته عشان أستاهل منه المعاملة دي؟ يعني كان فيه نظرية بس ما كانتش أحسن حاجة. المهم، لما كنا في سنة سابعة أنا ورايدر كنا أصحاب. أقدر أقول إني كنت الصاحبة اللي على جنب، كنت بساعده كتير، وكان دايماً بيجيلي لما يحتاج نصيحة، بس أنا اتعرفت على بريا وبدأت أبُعد عنه تدريجياً. كان عنده شلة أصحابه، وفي الحقيقة كان محبوب جداً، بس لما أدرك إني بقيت قريبة من بريا اتعصب عليا. ما عرفتش ليه أبداً، بس آخر مرة جالي فيها كانت كارثة، اعترف إنه معجب بيا وأنا ما ردتش، كنت هرد أقول إيه؟ كنت طفلة خايفة من الولاد عشان كان مفروض إنهم بيعدوا بالأمراض.
بعدنا عن بعض تماماً بعد الموقف ده، أو على الأقل هو بطل يصاحبني. دي تقريباً نظريتي، هو زعلان مني عشان بقيت قريبة من بري.
الجرس ضرب وكانت الحصة الأولى، صرخت جوا نفسي لأني عارفة إن رايدر في نفس الفصل بتاعي. ومع ذلك، مشيت ناحية الفصل وكنت بنهج وأنا طالعة السلالم، لياقتي وحشة بس ده ما خلانيش أبطل آكل شيبسي. أخيراً وصلت للدور التاني وحاولت أمشي بسرعة للفصل لما حد شدني من وسطي لغرفة ما. "إيه.. مين ده؟" قلت، سؤال غبي عارفة، بس كنت متلخبطة جداً ومخضوضة لدرجة إني ما عرفتش أقول إيه.
"الشخص المفضل عندك." أوه، شكراً لله إنها بري.
"بري! خضيتيني!" قلت لها بصوت واطي وزعقت فيها.
"أوبس، كنت عايزة أقولك تخمني مين طلب يخرج معايا؟" السعادة كانت واضحة في صوتها، بدأت أفكر في الولاد اللي معانا في السنة وما عرفتش هي ممكن تكون معجبة بمين، يعني إحنا ما كملناش ساعة في أول يوم. "مين؟" سألتها وما عرفتش.
"مايلز!" صرخت هي فابتسمت. كانوا بيقربوا من بعض السنة اللي فاتت، دلوقتي لما بفكر، لايقين على بعض. افتكرت مايلز، كان وسيم، وعينيه زرقاء زي عينين الجراوي وعنده ابتسامة حلوة. كان في الحقيقة واحد من أقرب أصحاب رايدر بس ما فيش أي شبه بينهم خالص، كان طيب جداً. كنت فرحانة عشانها، كانت باينة طايرة من الفرحة.
"يا روحي يا بري! فرحانة لك جداً." قلت وحضنتها.
طلعت موبايلها لما رن، لمحت الساعة وعرفت إني اتأخرت عشر دقايق.
"يا خبر، اتأخرت جداً!" قلت بقلق فضحكت بري على حالتي المرتبكة. "لازم أمشي قبل ما الأستاذ يحطني في احتجاز." بري مشيت معايا بس لفت شمال وأنا مشيت بسرعة للفصل. بصيت لليمين وسمعت ضحك وشفت رايدر وأصحابه. مشيت بسرعة بس طبعاً اتشديت لورا وما كانش حد غير رايدر.
"آيلا، متأخرة عشر دقايق؟ كنت فاكرك بنت كويسة؟" قالها بسخرية.
"كنت في الحمام." ربنا يعلم ليه كنت ببرر لنفسي، بس في وجود الشيطان كل حاجة ممكنة.
"متأكدة إنك ما كنتيش بتتعرفي على ولد؟" قالها بإهانة وبصيت له بصدمة، ليه ممكن يقول حاجة زي دي؟
ما كنتش عايزة أتفاعل، وافتكرت كلام ماما، 'اقتليهم باللطف' دايماً بتقول كدة، وعملت كدة فعلاً. ابتسمت له وضحكت كأنه قال نكتة.
"ما كنتش بتعرف على ولد، كنت بغسل إيدي في الحمام، ودلوقتي لو ده كل حاجة همشي للفصل." ما سبتوش يرد، واستخدمت كل قوتي عشان أتحرر من إيده وجريت على الفصل.
"يا آنسة روز! متأخرة خمسطاشر دقيقة، احتجاز!" هزيت راسي وبصيت على السبورة وشفت اسمي في خطة توزيع الأماكن. قعدت في مكاني المخصص وتمتمت بضيق. كنت عارفة إن ده هيحصل، قصدي إني متأخرة خمسطاشر دقيقة!
الباب اتفتح بعنف ولفيت راسي وشفت رايدر.
"يا سيد كوستيلو، ده شيء فظيع، ده أول يوم ليك ومتأخر عشرين دقيقة! احتجاز!" مستر كوبر زعق وبص لرايدر بصه وحشة. هزيت راسي وكملت شغلي، المهمة كانت سهلة جداً بس ممتعة، أنا بحب الأدب وعندي شغف بالطريقة اللي الكلمات ممكن توصف بيها. فجأة ضهر الكارديجان بتاعي اتشد، شهقت وبصيت لورا، طبعاً كان رايدر وهو بيضحك بسخرية لأنه فاجئني.
طول الحصة فضل يضايقني، كل شوية يغزني ويشد حاجة. راسي كانت بتوجعني وحسيت إن صداع نصفي بدأ يتكون. بصيت ولقيت إني عندي الحصة الخامسة معاه كمان اللي هي علم اجتماع. كل ما أجاوب على سؤال يقلب عينيه، كان بيحسسني إني مش كفاية.
كان فاضل دقيقتين على الحصة وبعدها اليوم الدراسي يخلص، بس لأ، مش ليا. كان لازم أقضي وقتي الغالي في الاحتجاز. الفصل بدأ يلم كتبه ولابتوباتهم مستنيين المدرس يدينا الواجب.
الجرس ضرب وخرجت من الفصل. طلعت موبايلي واتصلت بماما، ردت في ثواني. "ماما، عندي احتجاز، ما تقلقيش أنا مش في مشكلة، بس اتأخرت عشان كان لازم أدخل الحمام ضروري." كذبت عليها لأني لو عرفت السبب الحقيقي اللي خلاني في الحمام قلبها هيتكسر وهي ما تستاهلش ده. "أوه تمام يا أميرة، بس تعالي البيت بسرعة." قالت بصوتها اللي دايماً هادي ومطمن.
قفلت المكالمة ورحت لفصل مستر كوبر، اداني أقلام رصاص عشان أبراها وبدأت في ده فوراً. رايدر دخل بعدي بشوية وادوه شغل ناقص كان عليه. قعد ورايا على اليمين وبدأ يشتغل. خلصت براية بس عشان الأستاذ ما قاليش أمشي طلعت كتابي وبدأت أقرأ. سمعت حركة ولفيت وشفت رايدر بيبتسم بسخرية.
كرمشت حواجبي باستغراب، كان بيضحك ليه؟
وبعدين رفع شنطة، شنطتي تحديداً. عينيا وسعت ومديت إيدي عشان آخدها بس شدها لورا. وقعت على طاولته وعملت صوت عالي، بصيت وشفت إن مستر كوبر لابس سماعاته ومركز في تصحيح الكتب.
بصيت في عينيه وهو بيبص في عينيا، كانوا مليانين بمشاعر غريبة ما قدرتش أفسرها. وشي احمر، الوضع كان حميمي زيادة عن اللزوم بالنسبة ليا.
قمت ببطء وشلت عيني من عينه، كانت نظرة تخوف بزيادة. أخدت شنطتي ومشيت للأستاذ. شال السماعات، "يا أستاذ ممكن أمشي؟ خلصت براية الأقلام."
"أيوه يا آيلا بس ما تتأخريش كدة تاني." قال فهزيت راسي، وخرجت من الأوضة والأكاديمية وكنت بجري عشان أروح البيت.
وأنا ماشية من المحطة للبيت فكرت في رايدر، عينيه كانت جذابة جداً. منعت نفسي وشلت أي تفكير فيه. أول ما وصلت البيت خلصت أي شغل ورايا وعشت يومي قبل ما أنام وأنا مستعدة ليوم جديد.
يوم تاني من مضايقات رايدر.
آيلا.
دخلت أوضة المعيشة واتكسفت لما شفت أهلي بيبوسوا بعض. بعدوا عن بعض وماما كانت مكسوفة وبابا كان بيضحك بخبث.
"أحيه- أنا هطلع فوق-" قلت ببطء وطلعت ناحية السلم.
"عبيطة، اقعدي معانا يا حبيبتي، عندي خبر." بابا قال وشاورلي. رجعت قعدت معاهم بإحراج وبابا ضحك. "يا أميرة ما تعمليش كدة، ده طبيعي جداً، إنتي فاكرة إنتي جيتي إزاي؟" ابتسم بخبث وماما اتكسفت أكتر. هزيت راسي، "يا بابا قول الخبر قبل ما أطلع أجري فوق." هددته.
أخدت بسكوتة وقعدت أقضم فيها ومستنية بابا يقول خبره.
"بصي، مش هحكي كل التفاصيل بس صاحب شركة غني جه فرع كنسينجتون بتاعنا واتعشى عندنا. بعدها طلب يقابلني واتفقنا على صفقة إن شركته هي اللي تورد الأكل بتاعنا." عيني وسعت، ونطيت عليه وصرخت. "يا بابا ده شيء عظيم! أنا مبسوطة وفخورة بيك جداً!" حضني جامد وسمعت ماما بتضحك، وجت حضنتنا وباست خدي. بعدنا عن بعض وشربت شوية مية. "آيلا، اجهزي على الساعة ستة عشان هنحتفل في بيتهم." بابا قال، "بيت مين؟" سألت.
"صاحب الشركة، هو اللي عزمنا." بابا رد.
بصيت على الساعة وكانت قربت على خمسة، لازم أبدأ أجهز. خرجت وطلعت فوق وبدأت آخد دوش. بعد ما خلصت، خططت هلبس إيه. قررت ألبس فستان أسود فيه نقوش حمراء. بعد شوية عناية بالبشرة حطيت ميكب خفيف ولبست إكسسوارات. فرقت شعري وسبته زي ما هو من غير ما أعمل فيه أي حاجة.
قبل ما أنزل، رشيت برفيوم واخترت شنطة صغيرة وحطيت فيها حاجتي.
ماما كانت طالعة زي القمر كالعادة، لابسة فستان أحمر ضيق عند وسطها الرفيع ونازل بوسع لحد الركبة. ساعدتها تحط روج ونزل بابا، كان لابس قميص أسود متفصل وبنطلون أسود. ماما صفرت وبابا ضحك قبل ما يلبس الجاكت بتاعه ويأخد مفاتيحه.
بدأنا نتحرك وشغلت مزيكا وأنا بقرأ كتاب مطلوب مني في حصة الإنجليزي.
أول ما العربية وقفت بصيت من الشباك، وانبهرت بالبيت الجميل اللي قدامي.
"واو." ماما قالت ومسكت إيد بابا، قشعر جسمي، ووبخت نفسي في سري لأني ما جبتش جاكت معايا والجو الخريف ساقع دخل في جلدي. الشمس كانت غابت من وقت قصير وأضواء لندن كانت منورة بوضوح في السما اللي لونها أزرق غامق. كان منظر يستاهل يتشاف.
بابا ضرب جرس البوابة والأمن سأل عن اسمه.
"ستيفان سالفاتوري." بابا قال، والبوابات اتفتحت بعد ثانية. مشينا ناحية الباب وخبطنا. فتحت لنا ست، لبسها زي لبس الخادمات اللي بنشوفه في الأفلام.
"أهلاً سيد سالفاتوري. لو سمحتوا، اتفضلوا ورايا." عملنا زي ما قالت، ومشينا وراها، ولو كنتي فاكرة البيت حلو من بره، فهو من جوه روعة. دخلتنا جوه حيث كان قاعد راجل يبان إنه في أوائل الأربعينات. جنبه كانت ست، كانت جميلة جداً. شكلها خلاني أفتكرها صغيرة بس قعدتهم مع بعض أكيد تعني إنهم شركاء حياة فممكن تكون في نص التلاتينات.
الراجل قام وراح لبابا. "ستيفان، مبسوط جداً إنك جيت، خلينا نروح أوضة السفرة. بعتذر جداً عشان ابني اتأخر شوية." الراجل سلم على بابا والست حضنت ماما.
وقفت بإحراج وهما بيبدلوا الكلام والأحضان.
"آسف عشان اتأخرت أنا-" سمعت الصوت ده، وبصيت ناحية اليمين وشفت رايدر، قلبي وقف ومعدتي اتقلبت. بصلي بصدمة، أكيد بيسأل نفسه ليه البنت اللي بيكرهها موجودة في صالون بيته. جمعت المعلومات مع بعض وعرفت إن أبوه هو "صاحب الشركة".
"زي ما كنت بقول، كان عندي مشكلة في الكرافتة." عيني راحت على رقبته حيث الكرافتة المعوجة، كتمت ضحكة وبصيت في الأرض.
أبوه بصله بغضب وأنا رفعت حاجبي باستغراب. يمكن بيكره الناس المتأخرة، ده المفروض يشوف رايدر في المدرسة. بعد ما خلصوا تعارف رحنا أوضة السفرة وقعدنا. وللأسف رايدر قعد جنبي ناحية اليمين، وماما وبابا على الشمال. وفي رأس السفرة كان أبو رايدر وقصاده أمه.
وهما بيتكلموا حسيت بملل ووحدة، بصيت لرايدر وشفته مشغول بموبايله.
"خلصت واجب الإنجليزي؟" سألته بأدب. حول عينيه ناحيتي، كان باين عليه الضيق والإحراج.
"لأ، وما تكلمينيش." قالها بصوت واطي بس بطريقة قلة ذوق، خلتني أضايق زي ما بيعمل دايماً.
"ماشي." قلت بخجل وبصيت في الأرض.
"ها يا آيلا، إنتي في نفس مدرسة رايدر؟" أم رايدر سألتني فهزيت راسي. "أيوه يا مدام كوستيلو." ابتسمت وردت "يا حبيبتي تقدري تقولي لي ليا." هزيت راسي تاني بابتسامة خفيفة، كان حاسس غريب إني أقول اسمها لأني لسه ما عرفتهاش أصلاً.
"بيتكم جميل جداً، شكراً على دعوتكم لينا." قلت وأنا بحاول أكون لطيفة، سمعت صوت تريقة هادي جداً من رايدر خلاني عايزة أقلب عيني. أنا كنت بحاول أكون لطيفة عكس ناس تانية. "العفو، يا رايدر ليه ما تاخدش آيلا في جولة سريعة لحد ما الأكل يجهز." قالت، لا، أنا مش عايزة أكون لوحدي معاه.
بصيت لرايدر بعيون بترجاه. ابتسم بخبث وقال "بكل سرور." لا، لا، لا. يا ربي لا.
قمت على أي حال لأني ما قدرتش أرفض طلب مامته.
أول ما خرجنا من الأوضة، زقني ناحية الحيطة، "آي." قلت بوجع. قلب عينه وبصلي كأنه كسب حاجة، كأني جايزة صغيرة. قصدي، بقيت لوحدي معاه وجاهز يضايقني.
"بصي لنفسك، ضعيفة جداً." قال كدة وهو بيستفز حالتي الضعيفة، هو ده عبيط؟ ده زي العمارة، وأكيد أقوى مني بكتير، مش عارفة ليه متوقع إني أتحول لهالك وأزقه من طريقي.
نفخت عشان أشيل الشعر اللي على وشي بس محاولاتي ما جابتش نتيجة.
بشكل غير متوقع، رايدر شال خصلات شعري اللي مش متسرحة من على وشي وأنا تجنبت أبص في عينه. "شكراً." قلت.
"شكلك وحش، ليه تخرجي من البيت بالشكل ده." طيب دي وجعتني، كنت فاكرة شكلي حلو. عينيا دمعت وحاولت أتحرر من مسكته. "بس." قال ووقفني مكاني. "ليه عشان تعرف تضايقني أكتر؟" رديت عليه، ابتسم لي كأنه فخور إني وقفت قدامه. كان نادراً لما أشوف رايدر بيبتسم، كانت ابتسامة حقيقية وبينت جانب تاني من شخصيته.
بس ده ما يمسحش حقيقة إنه مريض نفسي بيتغذى على ألمي.
"دلوقتي خلينا نكمل الجولة." قلت فقلب عينه، وأخيراً سابني وبدأ يوريني البيت. وأنا ماشية في البيت كنت معجبة بكل حاجة، العفش، الديكور، وإزاي كل حاجة كانت متناسقة.
بعد شوية وقفنا ودخلنا أوضة، كنت متأكدة إنها أوضة رايدر. كانت كئيبة مقارنة بباقي البيت في رأيي. كل حاجة كانت أبيض وأسود وما كانش ليها أي شخصية تقريباً. وقفت عند الباب وهو راح للمراية. فضلت أبص عليه وبدأت أقدر شكله، مع إنه زبالة، بس رايدر كان وسيم جداً واللبس الأسود ده كان بيزود جاذبيته. مشي ناحيتي ووقف قدامي، كشرت لأني اضطريت أرفع رقبتي عشان أبص له. لمحت كرافتته فرفعت إيدي وفضلت أظبطها شوية عشان أصلح شكلها المعوج.
معدتي قرقرت وقطعتنا، ضحكت بكسوف ووشي احمر من الإحراج. أخيراً صلحت الكرافتة وشلت إيدي من على ياقته ومشيت ناحية التانية من الأوضة.
على الرف بتاعه كان فيه أدوات مكتبية، وشوية جوايز، وكتب. بصيت بتركيز وشفت ورقة. مسكتها وحللتها. اكتشفت إنها صورة ليا أنا ورايدر من سنة سابعة. كنت قاعدة على حجره ببتسم وهو كان بيبص عليا. فاكرة اللحظة دي بالظبط لما مايلز أخد الصورة، كنا كلنا بنضحك وبنهزر. مين كان يصدق إن بعد الصورة دي بكام يوم أنا ورايدر هنبطل نكون أصحاب؟
فجأة الصورة اتسحبت من إيدي، لفيت وشفت رايدر متنرفز ومتعصب. "ما تلمسيش حاجة، إنتي ضيفة، اعرفي حدودك، الأكل أكيد جاهز، انزلي تحت." طلب بنبرة حادة فهزيت راسي ببطء. نزلت السلم الحلزوني ورحت للأوضة اللي كنا فيها قبل كدة. "فين رايدر؟" مامته سألت. "بيصلح كرافتته." قلت بتبك، هو ليه كان متضايق كدة؟ الولد ده بجد ما يتوقعش.
بعد كام دقيقة دخل رايدر وهو مبتسم وبدأ تقديم الأكل.
باقي العشا مشي تمام، بس ما رضيش يكلمني خالص وما طلعش مني ولا إهانة.
بعد العشا، مستر كوستيلو دخل مكتبه مع بابا عشان يخلصوا الصفقة، وماما وليا كانوا بيتكلموا وأنا قعدت جنبهم مش مهتمة.
رايدر طلع فوق وما نزلش خالص.
في الآخر مشينا وروحنا، وجزء مني افتقد وجود رايدر شوية، كنت بس أتمنى أعرف ليه اتفاعل بالطريقة دي. أول ما وصلت البيت عملت روتين الليل المعتاد بتاعي ونمت.
وأنا بغط في النوم ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير ليه.
ليه رايدر كان محتفظ بالصورة دي؟
يتبع....