التصنيفات

رومانسية فانتازيا أكشن وجريمة عائليه تاريخية

حياتي مع عائله من المافيا - الفصل الأول (رواية جريئة)

حياتي مع عائله من المافيا

بطلع زفير ببطء وباخد رشفة تانية من مشروبي، والحرقان بيستقر تحت في صدري. العوالم دي مش مفروض تخبط في بعض. ومش هيحصل. مش لو كان بإيدي أمنع ده. أنا مش مكسوف من اللي أنا عليه. مش بقعد في غرف الفنادق أكره نفسي أو أدعي عشان الغفران. أنا ببساطة بحط كل حاجة في مكانها. كل حاجة ليها مكانها. بنتي. عيلتي. اسمي. رغباتي. صناديق منفصلة. ومقفولة بإحكام.
تحميل الفصول...
                       ريكاردو

"هبقى في البيت قريب يا أميرة"، بقولها وأنا بسند ضهري على الكرسي وببص على الحظاظة اللي ملفوفة حوالين معصمي. الخرز مش متساوي، والحروف معوجة شوية في الأماكن اللي هي ضغطت فيها عشان تثبتهم، كانت مصممة تكتب اسمي بنفسها بدل ما تخلي مايا (المربية بتاعتها) تعمل ده. أنا عمري ما قلعتها. ولا واحد من رجالة بتوعي قلعها برضو.

"لما ترجع"، بتسألني، وهي بتمط الكلام بالطريقة اللي بتعملها لما تكون بتحاول تبان عفوية، "ممكن نلعب بالعروسة؟"

بقدر أتخيلها واقفة هناك، غالبًا حافية، وغالباً ماسكة العروسة البينك السخيفة اللي ناقصة جزمة.

"طبعاً"، بقولها. "هنلعب أي حاجة إنتي عايزة تلعبيها."

بتطلع زفير بهدوء، وأقدر أحلف إني سامع الابتسامة في صوتها.

جيانا مش بنتي البيولوجية. لما أختي فالنتينا ولدتها، النزيف مكنش عايز يقف. فاكر وش الدكتور قبل ما أفتكر الكلام اللي قاله. فاكر إني كنت شايل جيانا على كرسي في المستشفى وهما لسه بيحاولوا ينقذوا أمها في الأوضة اللي جنبنا.

ماكنش في نقاش حول إيه اللي هيحصلها. مضيت على اللي لازم يتمدي عليه وجبتها البيت. وده كان كل اللي حصل.

هي عندها أربع سنين دلوقتي. نفس عيون فالنتينا. نفس النظرة العنيدة. نفس العصبية لما متمشيش كلمتها. كل مرة تربع إيديها قدامي، بشوف أختي وهي واقفة في مطبخنا زمان بتتخانق على حاجة رفضت تخسرها.

"هكلمك الصبح"، بقولها.

"ماشي يا بابا."

بتتردد ثانية كأنها عايزة تكمل كلام، وبعدين بتدي التليفون لمايا والخط بيسكت.

بفضل قاعد شوية والتليفون لسه في إيدي قبل ما أحطه جنب الكوباية. الحظاظة بتتحرك على معصمي لما بمد إيدي عشان آخد المشروب، والخرز البينك بيلمع في إضاءة البار الخافتة. لسه فاكر اليوم اللي عملتهم فيه.

عيطت تقريباً ساعة عشان اتنين من الرجالة بتوعي افتكروا إنه دم خفيف يمثلوا إنهم مش عايزين يلبسوا بتوعهم. اضطريت أتدخل قبل ما الموضوع يقلب بانهيار عصبي كامل.

قلتلهم لو شفت الحظاظات دي مش في إيديهم، هخليهم يشرقوا بيها.

ومن يومها مبيقلعوهاش.

بهز راسي وببتسم غصب عني. البنت الصغيرة دي بتدير بيتي أحسن من نص الرجالة اللي فيه.

"واحد تاني؟" البارمان بيسأل، وهو بيمد إيده على الإزازة.

بهز راسي مرة واحدة.

شيكاغو دايماً كانت كويسة معايا لما باجي هنا، خصوصاً لو فكرت في السبب اللي بيخليني آجي.

"هاي."

الصوت جاي من ناحية اليمين.

بلف شوية وبلاقي واحدة واقفة قريبة لدرجة إني أقدر أشم ريحة البرفان بتاعها. هي جميلة. جميلة بقصد. شعر غامق، شفايف حمراء، وفستان مفصل جسمها بطريقة مش سايبة كتير للخيال. بتبتسم كأنها متعودة إن الناس تستقبلها كويس.

"مش فاكرة إني شفتك هنا قبل كدة"، بتقول، وهي ساندة بكوعها على البار. "إنت في البلد بقالك كتير؟"

عينيها بتمسحني ببطء، بثقة. وبتقيمني.

بديلها ابتسامة مهذبة. لا هي باردة. ولا هي دعوة كمان.

"مجرد مرور"، بقولها.

"حاجة مؤسفة"، بترد، ونبرة صوتها بتدفى شوية. "كنت متمنية تقول إنك هنا فترة."

في سهولة في طريقتها في الفليرت. متدربة عليها بس مش يائسة. لو الظروف كانت غير كدة، كان ممكن أساير الكلام من باب الذوق.

بس الظروف مش كدة.

ببص على مشروبي قبل ما أبصلها تاني. "متشكر جداً"، بقولها برقة. "بس مش بدور على صحبة الليلة."

بتدرسني لثانية كأنها بتحاول تفهم إذا كان ده رفض ولا تحدي.

"خسارتك"، بتقول بابتسامة تريقة.

"ممكن"، برد عليها.

بتتردد ثانية كمان، وبعدين بتعدل وقفتها وبتمشي، وكعبها بيخبط ببطء على الأرض.

بفضل أبص عليها وهي ماشية للحظة قبل ما أرجع أبص لكوبايتي، والابتسامة بتختفي وبترجع ملامحي محايدة.

ماكسيمو، دراعي اليمين وصاحبي الانتيم، هو الوحيد اللي يعرف. الوحيد اللي بأمنه على الجزء ده من حياتي. مش حاجة بعلن عنها. ومش حاجة بنكرها. هي ببساطة مش موجودة بره الأماكن المتحكم فيها.

دي مش حاجة بتبدأ بيها الكلام في عالمي.

وأكيد هتكون طريقة أسوأ بكتير إنك تنهي بيها الكلام.

طب أنا في شيكاغو ليه؟

عشان أتبسط.

مفيش طريقة شاعرية عشان أجمل بيها الكلام. مفيش زاوية سياسية عميقة. أنا بجي هنا عشان مفيش حد بيراقبني بالطريقة اللي بيعملوها في البيت.

بطلع زفير ببطء وباخد رشفة تانية من مشروبي، والحرقان بيستقر تحت في صدري. العوالم دي مش مفروض تخبط في بعض. ومش هيحصل. مش لو كان بإيدي أمنع ده. أنا مش مكسوف من اللي أنا عليه. مش بقعد في غرف الفنادق أكره نفسي أو أدعي عشان الغفران. أنا ببساطة بحط كل حاجة في مكانها. كل حاجة ليها مكانها. بنتي. عيلتي. اسمي. رغباتي. صناديق منفصلة. ومقفولة بإحكام.

تليفوني بيهز على سطح البار، والصوت حاد لدرجة إنه بيجذب انتباهي فوراً. بمسكه من غير استعجال.

آسفة يا حبيبي، مش هقدر أجي الليلة. حاجة حصلت في المكتب.

بفضل باصص للرسالة لثواني أكتر من اللازم.

طبعاً.




مبردش. بقفل الشاشة وبحط الموبايل جنب الكوباية تاني.

فوتّ وقت النوم عشان ده.

ببص بصه سريعة على الحظاظة اللي في إيدي تاني، الخرز البينك باين منور وسط بدلتِي الغامقة. جيانا كانت مخلِياني أوعدها إننا هنلعب بالعروسة أول ما أرجع. قلتلها حاضر من غير تفكير.

وأنا أهو. قاعد في مدينة تانية على بعد تلات ولايات عشان واحد مش عارف حتى يلتزم بساعة.

باخد رشفة تانية من المشروب، بس أبطأ المرة دي.

"ليلة صعبة؟" البارمان بتسأل بعفوية وهي بتمسح جزء من الكاونتر.

"مش بالظبط"، برد عليها.

بتهمهم كأنها مش مصدقاني بس مابتضغطش في الكلام.

بفكر أطلع فوق وخلاص. وبفكر أدور على حد تاني. الموضوع مش هيبقى صعب. شيكاغو فيها خصوصية لو عارف تدور فين. بس الفكرة تعباني أكتر ما هي مغرياني.

ببص على الساعة.

الوقت اتأخر أكتر ما كنت ناوي.

بطلع زفير هادي. دش ساقع وعلاقة سريعة هيقضوا الغرض، وبعدها هلم حاجتي وأرجع نيويورك عشان أشوف أميرتي. شيكاغو أدت غرضها، أو على الأقل حاولت.

بخلص بقية المشروب في بقة واحد ثابت وبقوم، وبطلع محفظتي من جيبي. بسيب كومة تخينة من الفلوس على البار، أكتر من اللازم، وبزقها ناحية البارمان.

بتبصلي وأنا بهز راسي مرة واحدة كنوع من الشكر. بسيب عيني تتمشى عليها من غير خجل. الستات يخطفوا العين. ناعمين في أماكن الرجالة مش ناعمين فيها. في سهولة في الرغبة فيهم تخلي حياتي أبسط بكتير.

تقريباً بضحك على نفسي.

يا خسارة إني بفضل الطريق الأصعب.

هم رائعين. مش معقدين. مفيش سرية. مفيش سياسة متداخلة. مفيش خطر إن حد يستخدم حقيقتك كسلاح ضدك. الستات مايستاهلوش نص الهبل اللي الرجالة بيجرّوه لحياتهم. لو أكتر مننا كانوا صرحاء بخصوص حقيقتهم، العالم كان ممكن ياخد نفسه براحة أكتر.

بهز راسي لنفسي وبلف ناحية الأسانسيرات، وأنا بالفعل بغير طريقتي للنسخة اللي ما بتسمحش للأفكار دي إنها تدوم.

موبايلي بيرن.

ببص بصه سريعة على الشاشة.

ماكسيمو.

طبعاً.

بتنهد، وأنا حاسس بالفعل إن نيويورك بدأت تتسحب لجوه من خلال حيطان الإزاز بتاعة الأوتيل ده. ماليش نفس خالص إني أرمي نفسي تاني في القرف اللي مستنيني.

أبواب الأسانسير بتتفتح. بدخل وبدوس على رقم دوري قبل ما أرفع الموبايل على ودني.

"عايز إيه"، برد بصوت مسطح.

"واضح إن فيه حد مخدش اللي كان عايزه"، ماكس بيقول، وأقدر أسمع الابتسامة في صوته.

بغمض عيني للحظة.

"إنت بتفترض كتير."

"إنت في شيكاغو. وإنت مش بتروح شيكاغو غير لسبب واحد."

"ده مش حقيقي بالكامل."

"لا حقيقي بالكامل."

بسند ضهري على حيطة الأسانسير، وأنا براقب الأرقام بتزيد.

"عايز إيه يا ماكس؟" بسأل، والحدة بدأت تبان في نبرة صوتي. "إنت مش بتتصل عشان تهزر."

بيحصل صمت على الطرف التاني.

"أبوك هنا."

الضيق اتبخر.

"وأتمنى"، بقول بنبرة متزنة، وأنا باصص لانعكاسي في مراية الأسانسير، "إنه يكون قاعد بره جنب الباب الرئيسي مستنيني."

ماكس بيتنهد.

دي إجابة كفاية.

"إنت دخلته بيتي"، بقول.

"ريك، اهدى."

مش برفع صوتي. مش بشتم. مش بنفعل.

ده اللي بيخلي ماكس يعرف إني مش هادي.

"دخل على طول"، ماكس بيكمل. "مستأذنش. هو بس—"

"إنت خليته يقعد"، بصححله بهدوء.

صمت.

"ماكسيمو"، بقول، وصوتي متساوي ومتحكم فيه. "لو حياتك تهمك، أنصحك تطلعه بره بيتي. فوراً."

"ريك—"

"بنتي في البيت ده."

"ده جدها."

"هو ضيف"، برد بصوت مسطح. "في بيتي."

ماكس بيطلع زفير تاني، أتقل المرة دي. "هو مش بيعمل حاجة. هو قاعد في مكتبك."

ده خلى حاجة تشد ورا عيني.

"في مكتبي"، بكرر بهدوء.

"ريكاردو—"

أبواب الأسانسير بتتفتح وبخرج للطرقة الهادية، وبمشي بالفعل ناحية الجناح الرئاسي. نبضي منتظم. نفسي بطيء. الغضب موجود، بس منظم.

"مش هجادل في الموضوع ده"، بكمل. "مش لازم يعجبك اللي بقوله. بس لازم تنفذه."

"ريك، ده أبوك."

"أنا عارف هو مين بالظبط."

بفتح الباب بكارتي وبدخل الجناح، وبقفل الباب ورايا بصوت طقة خفيفة.

"ومش فارق معايا."

بفك أزرار قميصي، وبحطهم بحذر على الترابيزة قبل ما أتكلم تاني.

"محدش يدخل بيتي من غير إذن وبنتي جوه. محدش يقعد في مكتبي. محدش ياخد راحته تحت سقف بيتي من غير ما آخد إذني."

"هو بس عايز يشوفها."

"يشوفها لما أنا أسمح بكده."

ماكس بيطلع زفير حاد. "إنت بتبالغ."

ده خلاني أقف مكاني.

"ببالغ؟"

"هو مش بيعمل حاجة. هو بس قاعد."

"على كرسيّ"، بقول بهدوء.

بيحصل سكوت للحظة.

"ريك—"

"اسمعني كويس"، بقاطعه، وصوتي عمره ما علي. "إنت ممكن تكون أعز أصحابي. وأخويا. والراجل الوحيد في البيت ده اللي يعرف كل حاجة عني."

ببدأ أطبق هدومي.

"بس لو خليتني في يوم أشك في ولائك جوه حيطاني، هطردك بنفس الطريقة اللي هطرد بيها أي حد تاني."

صمت.

صمت تقيل المرة دي.

"إنت مش بتتكلم بجد"، ماكس بيقول، بس مفيش هزار في صوته.

"أنا بتكلم بجد جداً."

بقفّل الشنطة نص قفلة.

"بنتي كانت نايمة في البيت ده من ساعة"، بكمل. "محدش—محدش—يدخل المكان ده من غير ما آخد موافقتي. مش فارق معايا لو هو هو. مش فارق معايا لو هو البابا. مش فارق معايا لو هو إنت."

بيبلع أي حجة كان بيحضرها.

"أنا في طريقي"، بقول. "ولو لسه موجود لما أوصل، أتمنى تكون افتكرت إنت بتسمع كلام مين."

"ريك—"

"لو نسي"، بضيف بهدوء، "هعلقه من أمعائه قدام كل راجل لسه مصدق إنه بيتحكم في حاجة."

الأوضة هادية، مفيش صوت غير صوت القماش وهو بيتحط في الشنطة.

"إنت راجع النهاردة؟" ماكس بيسأل في الآخر.

"أيوه."



لورينزو

ساند ضهري لورا في الكرسي، وحاطط رجلي على طرف المكتب كإني بتفرج على برنامج متأخر بالليل، مش كإني قاعد قدام راجل بينزف على الخشب الغالي بتاع المكتب.

العدسات مبهدلة عيني طول الليل، فلبست نضارتي. إطار أسود. مخليني شكلي مثقف وكده. متحضر. وده مضحك طبعاً لما تفتكر إن الغبي اللي بيعيط قدامي ده بيسيب أثر دم أحمر تحت الكرسي بتاعه.

باخد نفس طويل وبطيء من "البلانت" اللي بين صوابعي، وبسيب الدخان يخرج بكسل من مناخيري.

هو بيعيط.

بيعيط بجد.

حاجة محرجة.

"أنا بحاول"، بقوله كإني بندردش، وميلت راسي شوية. "بجد بحاول. بحاول أدّي للناس فرصة ورا فرصة."

هز راسه بجنون، والدم بيسيل على جنب وشه مطرح ما الخاتم بتاعي خبطه من شوية.

"كـ-كابو، أقسم بالله، أنا ما—"

رفعت إيدي من غير ما أبصله بالكامل.

"شوفت؟ هي دي النقطة. دايماً بتحلفوا إنكم ما عملتوش."

نفضت الرماد في طفاية كريستال.

"أنا بدفعلك كويس. وبحمي عيلتك. وبسيبك تمشي وتقول إنك بتشتغل عندي كأن ده وسام شرف." خدت نفس تاني. "وإنت بتعمل إيه؟"

عيط أكتر.

"بتسرقني."

في خيبة أمل حقيقية في صوتي. أنا سامعها بنفسي.

وبعدين بدأت أضحك.

مش ضحكة مكتومة. ولا ابتسامة.

ضحك بجد.

سندت لورا، ومسحت وشي بإيدي كإني بمسح دموع من عيني. "يا رب"، قلت، وأنا بهز راسي. "صوتي طالع كإني فارق معايا."

الأوضة سكتت خالص إلا من عياطه.

مش فارق معايا.

هقتل أي حد أحتاج أقتله. في أي وقت أحتاج أعمل ده. الموضوع مش شخصي. دي مجرد صيانة.

"طيب، طيب"، اتخنق في كلامه فجأة. "كان عشان ابني. هو عيان. أقسم بالله، أنا بس... كنت محتاج الفلوس."

همهمت بتفكير، وبصيت بصه سريعة على "البلانت" اللي بين صوابعي.

دي خامة نظيفة.

خدت نفس بطيء تاني وسبته في صدري ثانية قبل ما أطلعه ناحية السقف.

"عشان ابنك"، كررت وراه.

هز راسه بجنون. الدم بينقط من دِقنه.

"سرطان نادر"، قالها بسرعة. "مش عارفين قدامه قد إيه. ماكنتش عارف أعمل إيه تاني."

ميلت راسي شوية، بدرس ملامحه.

بيترعش بقوة لدرجة إن الكرسي بيخبط في الأرض. الدم غرق قميصه. عينيه واسعة. بيائس.

مش هضربه بالنار.

مش دلوقتي.

بصيت ناحية جابرييل اللي واقف جنب الباب. "اتأكد من الكلام ده."

جو الأوضة اتغير شوية. واحد من الرجالة بتوعي اتحرك وطلع موبايله.

الغبي ده بصلي، متلخبط. الأمل بدأ يلمع في عينيه زي لمبة بتطفي.

"إنت بتشوف لو الكلام صح؟" سأل، وصوته بيشرخ.

بصيتله وابتسمت.

"طبعاً بتأكد."

بدأ يهز راسه بسرعة. "حقيقي. أقسم بالله حقيقي. ممكن أديك المستشفى. اسم الدكتور—"

رفعت إيدي، وقاطعته.

"مش مهم لو حقيقي."

الأمل مات فوراً.

خدت نفس بطيء تاني من "البلانت"، وببص عليه من فوق إطار نضارتي.

"أنا بس بحب أعرف الحقيقة قبل ما أخد قراراتي"، قلت بهدوء. "بتساعدني أنام."

جابرييل بيمتم في الموبايل، بيقول اسم، وعنوان، وتفاصيل. بيتحقق من الكلام.

نفس الغبي بدأ يتقل.

"أرجوك"، همس.

قربت أكتر، ووطيت شوية عشان نكون في نفس المستوى تاني.

"لو ابنك عيان"، قلتله كإني بندردش، "فدي حاجة مؤسفة."

شفايفه بتترعش.

"بس إنت سرقتني."

مفيش غضب في صوتي. مفيش صراخ. مجرد وضوح.

"كان ممكن تطلب."

"مافكرتش إنك هـ—"

"إنت مافكرتش"، صححتله برقة.

واحد من الرجالة بتوعي كح بخفة.

مش هبصله دلوقتي.

"حقيقي؟" سألت.

هزة راس بالإيجاب.

"سجلات المستشفى مطابقة. الولد بيتعالج بقاله ست شهور."

خدت نفس ببطء.

وطلعت زفير.

وبعدين هزيت كتفي.

"تمام"، قلت بخفة، وأنا بتعدل في قعدتي. "دي خيبة أمل كبيرة."

نفضت الرماد في الطفاية.

"أنا دفعتلك كويس. وحميتك. وإنت لسه قررت إني الشرير في قصتك."

بدأ يعيط تاني. أقوى المرة دي.

"خلص عليه."


الطلقة سريعة. نظيفة. ومتقنة.

مابرمش.

باخد نفس تاني وببص على الجثة.

"ابعتوا فلوس للمستشفى"، بقول بعد لحظة. "باسم مجهول. غطوا بقية علاج الواد."

الأوضة بتسكت بالطريقة اللي بتحصل دايماً لما بخالف التوقعات.

بلف ضهري عن الجثة كإني خلصت كلام فيها وبمشي ناحية الكرسي بتاعي، وبنزل أقعد عليه ببطء. برجع رجلي على المكتب، بظبط نضارتي، وببص بصه سريعة على الـ"بلانت" اللي بين صوابعي.

"هاتولي تاني من ده"، بقول، وأنا رافعه لفوق شوية. "ده حلو."

محدش بيرد عليا بالكلام. بس بيهزوا راسهم.

"ونضفوا القرف ده."

الدم بدأ ينتشر بالفعل تحت الكرسي.

مصيره كان متحدد من اللحظة اللي اتأكدت فيها. مكنش مهم لو الواد عيان. مكنش مهم لو كان بيموت. اللحظة اللي افتكر فيها إنه يقدر ياخد مني حاجة، هو اللي اختار النهاية بنفسه.

السكوت اللي بعد طلقة النار أحسن من العياط. يا ساتر. الأصوات دي. كأن حد كان بيدوس مباشرة على طبلة ودني.

أنا مش ممكن أرأف بحياة حد بسبب ظروفه. الحياة مكان قذر. وأنا أقذر بكتير.

أنا مش الإله. أنا مش بوزع رحمة.

أنا العكس.

بقوم، وبنفض باقي الـ"بلانت" ناحية جثته الهامدة من غير حتى ما أبص عليها. بتقع جنب كتفه، والدخان بيطلع بكسل على الأرضية الملمعة.

فجأة، أنا ميت من الجوع.

العنف بيعمل كدة.

بمشي ناحية الباب، وأنا بظبط الجاكت بتاعي وأنا ماشي.

لما بفتحه، بخبط تقريباً في خيال واقف مباشرة بره.

مثير للاهتمام.

"إنتي تايهة؟" بسأل بعفوية.

مراتي.

اللي بتمثل بوضوح شديد إنها مهتمة جداً باللوحة اللي على الحيطة جنب باب مكتبي. لوحة منظر طبيعي. باهتة. غالية. مش إنها مثيرة للاهتمام أوي يعني.

مش بتلف وشها فوراً.

"كنت معدية بس"، بتقول.

"بره مكتبي."

"أيوه."

"الساعة اتناشر ونص بالليل."

بتبصلي في الآخر.

وأهي موجودة.

الخوف.

قاعد مباشرة ورا عينيها، واسع ومزجاجي، وبتحاول بجدية شديدة إنها تبان متماسكة.

كويس.

بميل راسي شوية، بدرسها. عينيها بتتحرك ناحية باب المكتب لنص ثانية قبل ما ترجع تاني لوشي.

فضولية.

برجع خطوة ناحية الباب، بمسك المقبض، وبفتحه من غير ما أقطع التواصل البصري معاها.

"بما إنك واقفة وبترقبي أصلاً"، بقول بخفة، "يبقى كملي شوفة."

مش بتتحرك في الأول.

وبعدين بتتحرك.

عينيها بتعدي من ورايا.

جوه، الرجالة بتوعي شغالين بالفعل. واحد بيسحب الجثة. والتاني بيمسح الأرض. الدم ممسوح نصه. والكرسي مقلوب.

بتسحب نفس حاد.

وأهو تاني. الرعشة دي.

بميل أقرب لودنها، وبوطي صوتي شوية.

"المرة الجاية، لو ناوية تتصنتي"، بتمتم، "على الأقل حاولي تبقي شاطرة في ده."

بتبلع ريقها.

زورها بيتحرك برقة. عينيها بتوسع أكتر شوية، وبترجع لورا بشكل غريزي.

نظرة حلوة أوي.

بسيب نظراتي تنزل ببطء على جسمها. روب حرير. رجلين عريانة. قماش ناعم مربوط بـرخاوة عند وسطها. لبست لجوز هي مش عايشاه.

"حلوة أوي"، بقولها بشرود، لنفسي أكتر ما هي ليها.

بتتصلب.

الأسبوع التالت.

تلات أسابيع من الجوازة دي اللي كانت ترتيبات.

أبوها.. غبي طموح تاني مديون أكتر مما عنده كرامة.. تقريباً حط إيدها في إيدي كإنه عرض عمل.

كلمة "باعت" قاسية.

بس دقيقة.

ببص في عينيها تاني.

"إنتي بتترعشي"، بلاحظ بهدوء.

"ماكنتش أعرف—" بتبدأ.

"مكنش مفروض تعرفي."

بتقفل بقها.

كويس.

ببعد خطوة عشان الباب يتقفل نصه تاني، ويحجب معظم الرؤية ورايا.

"إنتي اتجوزتي في العالم ده"، بكمل بنبرة متزنة. "متمثليش إنك كنتي فاكرة إنها حفلات عشا وحفلات خيرية."

بسكت، وبعدين بميل راسي شوية.

"أو. مجبورة عليها، بالأصح."

فكها بيشد من الكلام ده.

يا ساتر. آباء الناس فعلاً حاجة تقرف.

صوتها واطي دلوقتي. "ماكنتش فاكرة..."

"لا"، بقاطعها بهدوء. "إنتي ماكنتيش فاكرة."

بميل لتحت شوية عشان نكون في نفس المستوى.

"لو منظر الدم بيخوفك، ابعدي عن مكتبي."

نفسها مش منتظم.

بتعدل في وقفتي، وأنا بظبط أكمامي.

"وتخبطي."

بمشي من جنبها من غير ما أبص تاني.

أنا ميت من الجوع.

بوصل لنص الطرقة قبل ما أقف، فيه حاجة خطرت على بالي. بلف تاني ناحيتها ببطء.

"أوه"، بقول، كأنها فكرة جت متأخر. "يا حبيبتي..."

ماتحركتش كتير. لسه واقفة مكانها، بتحاول تستعيد أي تماسك هي فاكرة إنها فقدته.

"روحي غيري هدومك."

حواجبها بتتكرمش شوية. "نعم؟"

بسيب نظراتي تنزل على جسمها تاني. الروب الحرير. الطريقة اللي ماسك فيها على وسطها. الطريقة اللي بالعافية بتعمل فيها اللي مفروض تعمله.

"هكره إن طقم الهدوم الصغير ده يكون السبب في إن حد تاني يموت الليلة"، بقولها بهدوء.

شفايفها بتفتح، وأقدر أشوفها بتحاول تحدد إذا كنت بتكلم جد ولا لأ.

مش بساعدها.

الغموض مقصود.

بتبلع ريقها وبتهز راسها بخفة قبل ما تلف وتمشي في الطرقة التانية. بفضل باصص عليها وهي ماشية أكتر من اللازم.

حاجة صغيرة وحلوة أوي.

الجوازة ماكنتش مترتبة بالظبط بالمعنى التقليدي. هي مكنتش مجبورة تدخل بيتي غصب عنها.

اديتها اختيار لما الصفقة بقت على الطاولة.

اتجوزيني وورثي حمايتي، واسمي، وبيتي.

أو امشي وخلي أبوكي يواجه الرجالة اللي مستنيينه عند بابه.

هي اختارت النجاة.

مش بلومها على ده.

اللي شايفه غريب هو ولائها.

لسه بتدافع عنه. لسه بتتكلم عنه كإنه حاجة نبيلة. كإنه ماجاش مكتبي وإيديه بتترعش وعرضها هي أسرع من راجل يائس بيبيع آخر ساعة في إيده.

"هو راجل طيب"، قالتلي مرة.

تقريباً اتخنقت من المشروب بتاعي.

الراجل الطيب مش بيسدد ديونه بأنه يعرض بنته كإنه أصل من أصوله.

الراجل الطيب على الأقل بيتظاهر إنه حاسس بالندم على ده.

أبوها ماكلفش نفسه حتى إنه يتظاهر.

شكرني.

الجزء ده كان أكتر حاجة عجبتني.

بدلك فكي بتفكير.

المفارقة إني سبته عايش.

باخد قطمة تانية من الأكل، وبفكر في الموقف من زاوية عملية بحتة.

مش كله وحش.

الجواز شكله حلو. الاستقرار بيدي صورة كويسة. المستثمرين والسياسيين بيحبوا الراجل اللي بيبان مستقر. الست بتطري الحواف الحادة. بتخليني مابنش كإني ممكن أحرق مدينة كاملة على الفطار.

وفي الآخر ممكن تخلفلي كام ابن غير شرعي.

ده أكيد هيسهل الأمور.

دي حاجة محترمة أكتر من إني أدخل زبّي في أي حاجة بتتحرك.

واللي، عشان نكون عادلين، مش وحش برضه.

أقصد، خلينا صرحاء. ده مش أنا.

ده زبّي.

هو عنده احتياجات. طلبات، فعلاً. احتياجات بيولوجية. ملحة.

النوع اللي بيتلوي ضيق في خصيتي وبيخلي عضوي ينبض كأن ليه نبض قلبه الخاص. مش مهم مين أو إيه اللي في الناحية التانية.. كِس، بق، طيز، مابيهتمش. طول ما هي ضيقة، ومبلولة، ومستعدة تاخد كل بوصة عقابية لحد ما أفضى.

الليلة هي كِس.