الصيف خلص رسميًا، بس الحر لسه ماسك في كل حاجة، كفوف إيدي المعرقة، الرصيف المتشقق، وقفا رقبتي. بتمشى في الشارع الهادي، بقرب السيجارة من بوقي وباخد نَفَس طويل، وبسيب الدخان يتلوى بين شفايفي، وبراقب الشمس وهي بتنزل لتحت، وبتصبغ كل حاجة باللون الدهبي كأنها بتحاول تخلي المكان ده أجمل بكتير من اللي يستحقه.
بكرة هبدأ من جديد. مدرسة جديدة. ناس جديدة.
نظرات جديدة بتبص لي كأنهم عارفين أنا مين.
هما مش عارفين.
الدراسة بتبدأ رسمي بكرة، المفروض أكون في البيت بجهز نفسي للدروس الصبح، بس كنت محتاجة أروق دماغي، واللي هو تعبير تاني عن: كنت محتاجة مكان أقدر أمثل فيه إني مش مخنوقة. تالتة ثانوي، المرة التالتة. تالت مدرسة أدخلها من وقت ما بدأت ثانوي. مش متوقعة إن دي هتكون مختلفة.
بتمشى قدام كافيهات مقفولة، النوع اللي غالباً بيبقى شكله لطيف في ضوء النهار لما الناس بتهتم أصلاً. دلوقتي، كل حاجة حاساها فاضية، مجرد كراسي مقلوبة على ترابيزات ويافطات نيون بتزنين خافت كأنها تعبانة أكتر من إنها تصرخ. جزمتي بتخبط في الرصيف وأنا باخد نَفَس تاني، الدخان مألوف ومر. بيحرق شوية، بس ده المطلوب.
معنديش وجهة حقيقية، بس بحاول أخلي رجلي تتحرك قبل ما الحيطان تتقفل عليا. خالتي فاكرة إن المدرسة دي هتكون مناسبة ليا. كأن تغيير المكان ممكن يمسح الضرر اللي فيا. كأن مجرد لمبة بايظة مستنية تتصلح.
البلد صغيرة، أو حاسة إنها كدة، كأن كل حاجة محشورة جامد بتاريخ تقيل ومافيش مساحة كفاية عشان تتنفس. كل شرخ في الرصيف غالباً وراه قصة، وكل نور قدام بيت حاساه كأنه بيراقبك. بلف في شارع جانبي الجو فيه ريحته خفيفة مطر على أسمنت وبارفان رخيص، حد كان هنا من فترة قصيرة. السما اتحولت من الدهبي للبنفسجي الغامق، كأنها بتهدى معايا، مش متأكدة بقالي قد إيه ماشية بس كل اللي أعرفه إني بقالي فترة كفاية لدرجة إن الوقت قلب من نهار لضلمة تقريبًا، ببص على الساعة في الموبايل وبلاقيها قرب نص الليل.
قدامي، فيه مكتبة. قديمة. مقفولة. نوع الأماكن اللي غالباً بتبيع تراب أكتر من الروايات، ببوسترات باهتة من الشمس على القزاز، وجرس فوق الباب غالباً ما رنش لزبون بقاله ساعات.
بقف قصادها، بنفض الرماد على الرصيف. بتنفس بس. مش موجودة جوه مكان مقفول.
وبعدين بشوفها.
مش بتبص عليا. متهيألي مش شايفاني أصلاً. قاعدة على السلالم اللي قدام، ماددة رجليها الطويلة، وإيد بتهرش بكسل ورا ودان كلب أسود أنيق جنبها. هي أكبر مني، يمكن في التلاتينات؟ شعر أصفر، ونازل براحة على كتفها. كوباية قهوة في إيد، وشكلها فيه حاجة مريحة في قعدتها.
المفروض أكمل مشي. بس مش بعمل كدة.
بتاخد رشفة، وميلة راسها حاجة بسيطة، وده الوقت اللي لاحظتني فيه، بتبتسم لي، مش ابتسامة ودودة بزيادة بس رقيقة.
مش ببتسم ردًا عليها. بهز راسي بس، بالعافية. هادية، ومنعزلة، درعي المعتاد. بس فيه حاجة اتلوت في معدتي برضو.
من قريب، شكلها باين إنها مش مكانها خالص. مهندمة زيادة على بلد زي دي. مش بطريقة متكلفة، بس بنوع الجمال الطبيعي اللي الناس يا إما بتعجب بيه يا إما بتحاول تهده. أحمر الشفايف ممسوح كفاية عشان يبين إنها بقالها فترة هنا.
الكلب اللي عند رجليها بيراقبني أنا كمان. هادي، وعينيه حادة، كأنه بيحاول يحدد إذا كنت خطر ولا لأ.
عارفة الإحساس ده.
"انتي بره متأخر" بتقول، بصوت واطي وموزون.
بهرش كتافي. "ممكن أقول نفس الكلام عليكي".
بتاخد رشفة تانية من قهوتها، وبتهز كتافها وهي بتبص لي من فوق حافة الكوباية. "مش عارفة تنامي انتي كمان؟"
بهز راسي بالنفي. "محاولتش".
بتهز راسها كأنها فاهمة، وبطريقة ما ده بيعصبني أكتر من لو مكنتش فاهمة.
"انتي جديدة" بتقول، كأنها ملاحظة، مش سؤال.
"واضحة للدرجة دي؟"
"الطريقة اللي بتبصي بيها على كل حاجة" بتقول "كأنها خيبت أملك قبل كدة".
ده خلاني مش مستعدة. "شاعري" ده كل اللي رديت بيه.
بتقوم، بتنفض البنطلون الجينز، والكلب بيقف فورًا جنبها. بتاخد السيجارة من بين صوابعي "الحاجات دي مضرة جداً ليكي" بترفع حاجبها قبل ما تحط السيجارة على شفايفها وتاخد نَفَس، نَفَسي بيتحبس في زوري وهي بتطلع الدخان وبترجعهولي تاني.
بديها نص ابتسامة صغيرة، شفايفي بتنحني حاجة بسيطة في الجنب، تكاد تكون مش ملحوظة، بس هي شكلها لاحظت لأنها ردتلي نفس الابتسامة.
"المفروض أروح البيت"
"أيوة وأنا كمان، الوقت اتأخر" بتهز راسها وبتردلها الحركة.
بتتكلم آخر مرة "روحي البيت بأمان وممكن تجربي حوار النوم ده المرة دي، تصبحي على خير" وبعدين بتمشي في الاتجاه التاني، ماسكة سلسلة الكلب في إيد، والقهوة في التانية، دي جملة بسيطة وعادية بس لسبب ما خلت معدتي تتقلب.
ببص ورا كتفي مرة واحدة، بس عشان أشوف لو لسه موجودة.
هي لسه هناك.
كل خطوة بتخدها بتبعدها أكتر، بتبص وراها وببص أنا الناحية التانية بسرعة وببدأ أمشي للبيت.
على الوقت اللي وصلت فيه للبيت، السما كانت قلبت لضلمة كاملة. البيت هادي.
هادي لدرجة توجع الودن.
بقلع الجزمه، برمي نفسي على السرير من غير ما أغير هدومي، وبولع سيجارة تانية والشباك موارب حاجة بسيطة عشان ريحة الدخان تطلع بره.
سكارليت:
المنبه بتاعي رن، وأنا كنت غاطسة في النوم بقالي شوية، يمكن تلات مرات أو أربعة. الصوت الحاد اخترق ضباب النوم، وقمت جرجرت نفسي من على السرير، وأنا ببرطم: "يلعن الروتين".
مدرسة جديدة. ناس جديدة. خيبة جديدة.
زي أسطوانة مشروخة معلقة على التكرار، بس المرة دي هي الأخيرة والمفروض أهتم. أنا مش مهتمة. مش دلوقتي على الأقل.
زقيت نفسي تحت الدوش عشان أفوق، وبعدين عملت الميك أب بتاعي، وفردت شعري الأسود اللي بقى مفرود على كتافي، ودخلت الدولاب عشان ألاقي حاجة ألبسها، اخترت بنطلون جينز، وبادي أسود، وجزمة كونسيرس متبهدلة. اختياراتي في اللبس في المدرسة وبره المدرسة مختلفة تماماً لأني مش قادرة أستهلك طاقة عشان التزم بقواعد اللبس كل يوم.
سمعت صوت خالتي وأنا نازلة السلم: "حاولي على الأقل تقضي يوم حلو النهاردة يا سكارليت، متسببيش ليا مشاكل، وانسى أي ماضي انتي متمسكة بيه".
أنسى؟ الموضوع بيجنني لما بفتكر إنها فاكرة الموضوع سهل كدة، صدقيني لو كان بإيدي كنت عملت كدة، وبيضايقني إنها فاكرة إن النقل هنا ممكن يمسح أجزاء من حياتي. بقالي عايشة مع خالتي حوالي 9 شهور وبصراحة؟ أنا عايزة بيتي الخاص، ومساحتي الخاصة. بصيت لها بصه اللي معناها "بجد؟" قبل ما أخد إزازة مية من التلاجة وأسيب البيت.
أول ما وصلت المدرسة ركنت عربيتي ودخلت جوه، كنت استلمت إيمييل بالجدول بتاعي فمش مضطرة أعمل شغل التقديمات والتعارف مع المدير المرة دي.
الشمس كانت لسه يا دوب طالعة بس الطرقات كانت مدوشة بالطلبة، فضلت حاطة سماعاتي، وموطية راسي، والسايجائر محشورة في جيبي كأنها ممنوعات.
كنت بتفادى مجموعات العيال اللي عندهم حماس زيادة، النوع اللي غالباً شنطهم مليانة ستيكرز ومجهزين خطب لمجلس الطلبة. ابتساماتهم منورة زيادة، ومصطنعة زيادة. أنا مش هنا عشان ده. أنا هنا عشان أعدي السنة الأخيرة دي وبعدين أغور بعيد في الجامعة.
خلصت تلات حصص وببص في جدولي. إنجليزي الحصة اللي جاية. غالباً المادة الوحيدة اللي مش بكرهها فعلاً، دخلت لقيت ديسك في الآخر. الفصل ريحته منظفات، واضح إنه لسه متنضف بعمق قبل الفصل الدراسي الجديد.
بنت قعدت على الديسك جنبي، شعرها جينجر (أحمر)، وعينيها بني، بعتت لي ابتسامة قبل ما تقعد: "تعرفي لو الكرسي ده محجوز؟" هزيت راسي بالنفي وحطت شنطتها "طيب هو دلوقتي بقى محجوز" ومع الجملة دي قعدت.
"انتي مكنتيش هنا السنة اللي فاتت صح؟ مشفتكيش قبل كدة"
هزيت راسي تاني "لا، لسه ناقلة هنا من فترة قريبة فدلوقتي بقيت باجي هنا على ما يبدو".
"طيب، نورتي" ابتسمت.
"شكراً" ده كل اللي رديت بيه، اديتها نص ابتسامة، أنا مش عايزة أكون هنا بالظبط بس مش هكون قليلة الذوق مع أول حد يكلمني في مدرسة جديدة.
"على ما يبدو مدرسة الإنجليزي بتاعتنا رخمة."
الجملة دي جذبت انتباهي، لفيت راسي ناحيتها، ضحكة خفيفة طلعت من شفايفي، أقرب لتنهيدة مكتومة.
"وإيه اللي مخليكي تقولي كدة؟"
"أخويا لسه متخرج، كان عندها السنة اللي فاتت، فضل يشتكي منها طول السنة، كان بيقول إنها زفت"
رفعت حاجبي، طرف بوقي بيترعش. "شكل فيه حد واخد الموضوع بشكل شخصي."
هزت كتافها، وهي بتلم خصلة من شعرها الأحمر ورا ودنها. "ممكن. بس أظن ده معناه إننا لازم نستعد. سنة تالتة ثانوي، ها؟ المفروض تكون فترة ممتعة. أنا نيام كونورز على فكرة."
'المفروض تكون فترة ممتعة'، السخرية اللي كانت في كلامها كانت واضحة وأنا كنت موافقة جداً. "سكارليت، سكارليت وينترز" رديت عليها وأنا بقول لها اسمي.
قبل ما نيام تقدر تقول أي حاجة تانية سمعت صوت طقطقة كعب على الأرض الخشب وده خلاني أبص لفوق.
هي.
الست الشقراء من إمبارح، بس المرة دي لابسة كعب أسود، وبنطلون قماش أسود مفصل ومرفوع فوق كعبها، وبلوزة بيضاء والزرار اللي فوق مفتوح وبليزر على كتافها، شعرها الأصفر مرفوع في كحكة مش مشدودة وخصلات نازلة على وشها ومتموجة بسيط، حبست نَفَسي، هي لسه مشفتنيش، دخلت كأنها ملكة المكان، حضورها حاساه مختلف عن إمبارح، هي أخطر، مسيطرة على الفصل بمجرد المشية.
حطت كوباية القهوة على المكتب قدام كأنها عملت ده مية مرة قبل كدة. هادية. ومسيطرة. نفس الأناقة متغلفة بحواف حادة دلوقتي، كأنها استبدلت نعومة إمبارح بدرع لايق عليها زيادة.
رفعت عينيها أخيراً للفصل ومسحت المكان. وبعدين عينيها جت في عيني.
ولجزء صغير جداً من الثانية، فيه حاجة لمحت في عينيها. اعتراف. ارتباك.
خبت ده بسرعة. بسرعة زيادة.
بس أنا شفت ده.
ضهر ي اتفرد تلقائياً. نَفَسي اتقطع بالطريقة الضحلة اللي بكرهها. مكسرتش التواصل البصري، رغم ده. عايزة أشوف هتعمل إيه. هتمثل الدور إزاي.
"أهلاً بيكم جميعاً،" قالت للفصل، صوتها كان حازم أكتر من إمبارح، كأنها قلبت زرار على وضع الرسمية. "أنا مس جونز. هكون مدرسة الإنجليزي بتاعتكم السنة دي."
مس جونز. طبعاً ليها اسم كأنه جاي من رواية، النوع اللي فيه شراب مقطع وعلاقات سرية.
بصيت لنيام، اللي كانت بتطلع كشكول من شنطتها كأن ده يوم عادي. يمكن بالنسبة لها، هو فعلاً عادي.
بس بالنسبة لي؟ اليوم ده بدأ يبقى أغرب وما جاش حتى الظهر لسه.
"دي المدرسة 'الرخمة' اللي كنتي بتتكلمي عنها؟" ملت ناحية نيام عشان أهمس لها، فابتسمت هي وهزت راسها بس مش هي الوحيدة اللي بصت.
أكيد مكنتش هامسة بصوت واطي كفاية لأن مس جونز بطلت كلام وبصت لي، وحواجبها مرفوعة.
"لو الطلبة يبطلوا يقاطعوني هكون ممتنة جداً، أحب أوضح كمان إني مش متوقعة أقل من إن كلكم تنجحوا في مادتي." أخدت وقفة قبل ما تتكلم تاني. "أنا مش بتسامح مع قلة الاحترام، والتأخير، والأعذار التافهة عن ليه الشغل متسلمش، ما تضيعوش وقتي وأنا مش هضيع وقتكم."
الفصل دلوقتي ساكت، نظراتها وقفت عندي ثانية زيادة قبل ما تلف للسبورة وتمسك قلم كأن مفيش حاجة حصلت، كأنها مأخرستش كل حد في الأوضة بخمس جمل وبصة.
يا ساتر.
نيام خبطتني بكوعها، وهي بتكتم ضحكة. "قولتلك"، همست.
بستغرب فين نسخة هي اللي قابلتها إمبارح راحت فين لأن دي أكيد مش النسخة اللي دخلت من الباب ده.
بدأت تقرأ أسماء الحضور، وبعدين وصلت لاسمي.
"سكارليت وينترز؟"
"موجودة"
رفعت عينيها، ووقفت ثانية زيادة كأنها بتسجل ملاحظة داخلية إن اسمي سكارليت، الطلبة التانيين بصوا عليا هما كمان بوضوح فضول مين أنا وده خلاني مش مرتاحة شوية بسبب كتر العيون اللي بتبص لي.
بتجاهل معظم كلامها في المقدمة. حاجات عن المنهج، والتوقعات، والمواضيع الأدبية، وهيكل الفصل. دماغي مش مهتم. دماغي مشغول بإعادة اللي حصل إمبارح، تنيّة صوابعها وهي بتاخد السيجارة مني، الطريقة اللي شفايفها لفت حوالين السيجارة كأنها مش أول مرة تسرق حاجة، والطريقة اللي بصت بيها وراها قبل ما نفترق.
ولا حاجة من ده كان تصرف مدرسة. ولا حاجة من ده كان مكانها الأوضة دي.
مع إن إمبارح هي مكنش عندها علم إني طالبتها، ولا أنا كنت أعرف إنها هتكون مدرستي.
في نص الحصة، اتوزعت علينا قصة قصيرة، حاجة عشان نحط عليها ملاحظات. نبرتها كانت عملية. منعزلة.
بس بعدين بدأت تتمشى في الفصل، بتتحرك بين الديسكات كأنها بتفتش جنود. ولما وقفت جنبي، كأن الهوا بقى تقيل.
مالت لتحت شوية، مش قريب بزيادة، بس قريب كفاية إني أشم ريحة برفانها، حاجة نضيفة بريحة ليمون ومعاها لسعة دخان مفروض ميكنش موجود.
"إيه أخبار القصة؟" سألت، عينيها على الديسك بتاعي، مش على وشي.
"تمام،" قلت ببرود، والقلم بيخبط على الورقة. "قصة مشوقة جداً."
سكتت لحظة. حسيت بصتها بتلمح لي لجزء من الثانية، قبل ما تتعدل.
"ابقي اتأكدي إنك بتقلبي الصفحات فعلاً، إذا كدة،" قالت ببرود، ومشيت من غير ولا كلمة زيادة.
على وقت ما الجرس ضرب، لميت حاجتي بس فيه صوت وقفني قبل ما أقدر أمشي.
"سكارليت، عايزة أتكلم معاكي." مس جونز. يا ربي. نيام بصتلي بصة 'بالتوفيق'.
مكلفتش نفسي حتى إني أخبي حركة عيني بضيق وأنا ماشية ناحية مكتبها.
"بجد؟" برطمت تحت سناني، بصوت واطي بس مش واطي كفاية.
تجاهلت ده. أو عملت إنها متجاهلاه. مس جونز واقفة وكتفها إيديها دلوقتي، كومة الورق جنبها ملموسة، وقفتها بقت أقل استرخاء وأكتر صلابة. استنت لحد ما آخر طالب خرج قبل ما تتكلم.
"أفترض إنك عارفة إن السخرية مش هتوصلك بعيد في مادتي."
بصيت لها. "أظن هعينها مع شخصيتي المرحة."
فكها اتشد. حاجة بسيطة.
"اقعدي."
فكرت في إني أجادل، بس قررت بلاش. رميت نفسي على الكرسي قصاد مكتبها، مريحة ضهري لورا وإيديا مكتفة، بمثل إني مش ميتة من الرغبة عشان أغور من هنا.
"انتي جديدة،" قالت، كأن ده مش واضح. "سكارليت وينترز. محولة هنا خلال الصيف. تلات مدارس في أربع سنين."
اتنرفزت من ده. "هو انتي دايماً بتعملي تحريات عن الطلبة بتوعك؟"
ابتسمت ابتسامة خالية من المرح. "أنا بقرا الملفات. ده جزء من شغلي. خصوصاً لما بشوف حد بيدخل فصلي وشكله قرر خلاص إنه ميتعبش نفسه."
رفعت حاجبي. "واو. هو انتي دايماً بتكلمي الطلبة كأنهم مساجين، ولا أنا حالة خاصة؟"
متحركتش. مرمشتش. "أنا بتكلم مع الطلبة بناءً على اللي بيوروهولي. لحد دلوقتي انتي وريتيني قلة ذوق، وانعزال، وصفر مشاركة. عايزة تثبتي إني غلطانة؟"
جزيت على سناني. الهوا في الأوضة حاساه تقيل زيادة، وساكن زيادة. صوتها هادي، بس فيه حدة تحتيه، مش قسوة، بالظبط. مجرد نفس الحدة اللي لاحظتها إمبارح، النوع اللي بيجرح لو وقفتي قريب زيادة.
هزيت كتافي، ببطء وبقصد. "ممكن معنديش حاجة أقولها عن قصة مملة كاتبها واحد ميت."
"دي حاجة مريحة." رجعت بضهرها لورا على مكتبها. "لأني لو مكنتش عارفة أكتر من كدة، كنت هقول إنك مش هنا عشان تتعلمي. انتي بس بتضيعي الوقت لحد ما الحصة تخلص."
"انتي مش باين عليكي مستمتعة بشغلك أكتر ما أنا مستمتعة بكوني طالبة، لو كنتي مستمتعة بيه مكنتيش هتبقي رخمة كدة." قلت من غير تفكير.
ده جذب انتباهها. عينيها جت في عيني، والمرة دي، مكنش شكلهم فضولي. كانوا غضبانين. مسيطرة، بس أكيد مش مبهورة.
"مش مهتمة بكام مدرسة اتحرقتي فيها، يا سكارليت،" قالت، ونبرتها بقت حادة. "في فصلي، انتي بتحضري. وبتشتغلي. مش هينفع تمشي حالك بقلة الذوق والسجاير."
ضحكت. "انتي صوتك شبه خالتي."
"أتمنى تكون صبورة أكتر مني."
هي مش صبورة ده أكيد. حاجة اتلوت جوايا لما قالت كدة، طعنة حادة من حاجة. بصيت بعيد لثانية، فكي مكزوز، هي متعرفش عني حاجة، إزاي تقدر تطلع أحكام بناءً على مقابلتين، وبعدين قابلت عينيها تاني.
"انتي شاطرة جداً في التمثيل إنك مش مهتمة،" قالت بصوت واطي.
"خلينا نكون صرحاء، أنا مش نوع الطالبة اللي المدرسين بيشجعوها." رديت، صوتي كان أحزم.
مالت براسها حاجة بسيطة. "لا. بس أنا النوع اللي مش بيبص بعيد لما بشوف حد بيرمي نفسه من فوق منحدر."
بصيت لها. وفضلت باصة لي.
"لو ممعكيش حاجة تانية تقوليها،" برطمت، وأنا بقوم، "عندي حتة تانية عايزة أروحها."
"طول ما انتي بتبدأي تحضري كأنك حد مهتم فعلاً."
سخرت تحت سناني، وفتحت الباب، وخرجت قبل ما أقول حاجة تخليني أتحول للإدارة في أول يوم ليا.
لقيت الحمام، قفلت على نفسي في كابينة، وولعت سيجارة. عارفة إني مكنش لازم، ده متهور وغبي وممكن حد يشم ريحتها، بس محتاجة حاجة أحس إنها تحت سيطرتي.
نَفَس، والتاني. طلعت الدخان ببطء، براقب الدخان وهو بيتلوى لفوق ناحية فتحة التهوية.
إيه الزفت ده.
ضغطت بكفي على المعدن البارد لباب الكابينة، بتنفس أبطأ. لو السنة دي كان مفروض تكون بداية جديدة، حد نسي يمسح اللي فات الأول.
بعدين، الغدا جه وعدى في وسط دوشة أنا مش مشاركة فيها. أكلت بره، السماعات في ودني، وضهري مسنود على حيطة الحجر بتاعة مبنى العلوم. الشمس حارقة قفا رقبتي. وطعم السيجارة لسه معلم على لساني.
نيام لقتني في الآخر، ورمت صينيتها جنبي على النجيل كأننا صحاب بقالنا سنين.
"انتي كويسة؟" سألت وهي بتاكل الساندوتش.
"أيوة،" كدبت.
"متأكدة؟ كنتي باينة كأنك ناوية تطعني حد بعد حصة الإنجليزي."
هزيت كتافي. "مكنتش مش بفكر في ده."
ضحكت. "مس جونز شديدة. هتتعودي عليها."
"مش عايزة أتعود عليها."
"انتي بجد بتكرهي المدرسة للدرجة دي؟"
"مش المدرسة اللي بكرهها. أنا بكره إني أتقال لي أنا مين يا ترى بناءً على ملف وخمس دقايق كلام."
نيام بصت لي بهدوء لثانية، وبعدين هزت راسها. "عندك حق."
في وقت لاحق من اليوم دخلت البيت، رميت شنطتي عند الباب بخبطة، وده الوقت اللي شفت فيه خالتي جين. مكلفتش نفسها حتى تبص لفوق وهي بتقول، "اقفلي الباب، يا سكارليت."
قفلته بقوة أكتر من اللازم. "أقدر أساعدك يا جين؟"
بصت لي ساعتها. بوش مشدود.
خيبانة، ومستاءة.
"المدرسة اتصلت. خلاص."
رفعت حاجبي. "أكيد رقم قياسي جديد."
قامت ببطء. هادية. ومسيطرة. أوحش من الزعيق.
"عرفوا إنك انتي اللي كنتي بتدخي في الحمام، كان فيه حد تاني هناك هو اللي بلغ عنك."
"وبعدين؟" برطمت، وأنا طالعة على السلالم.
"وبعدين،" صوتها زعق ورايا، "انتي محظوظة إنهم ميفصولكيش فوراً."
وقفت. لفيت ورايا. "وإيه، ناوية تحاضريني دلوقتي؟ وتعملي إنك مهتمة؟"
تعابير وشها اغمقت. "أنا حاولت أهتم، يا سكارليت. انتي بتخلي الموضوع مستحيل."
دي كانت خبطة قوية. سخرت، وإيديا متكتفة. "تمام. عشان ولعت سيجارة فجأة بقيت غير قابلة للإصلاح." صوتي عليّ حاجة بسيطة "انتي حتى مكلفتيش نفسك ثانية عشان تعرفي مين أنا أصلاً."
"انتي فاكرة ده ممتع ليا؟" ردت عليا، وصوتها بيعلى. "انتي فاكرة إني كنت عايزة المسؤولية دي؟ أخد بنت عندها حقد على العالم وقائمة مشاكل؟"
اتنفضت بس هي مكملتش.
"انتي بتمشي كأن العالم كله ضدك، كأن التدخين في حمام المدرسة ده نوع من التمرد اللي بيخليكي قوية. بس انتي مش قوية، يا سكارليت. انتي متهورة. أنانية. وغير ممتنة خالص."
بوقي نشف. رمشت مرة. "غير ممتنة؟"
"أيوة،" قالت، وعينيها بتلمع. "انتي فاكرة إن الصدمات بتاعتك بتخليكي ضحية."
إيديا بتترعش. مش عارفة ده غضب ولا وجع، يمكن الاتنين، غالباً الاتنين.
"عقدة الضحية اللي عندك دي ومع ذلك مش راضية تتكلمي عنها و-"
"قولي كدة تاني،" قطعتها، وصوتي واطي وبيرتعش دلوقتي. "اتفضلي. قولولي ضحية مرة تانية كأن ده حاجة أنا اخترتها. يلعن أبوكي." زعقت، بصوت عالي كفاية إنه يهز المكان.
عينيها وسعت، بس أنا مكملتش.
"انتي فاكرة إني عايزة أكون كدة؟ فاكرة إني بصحى كل يوم متحمسة عشان أحس إني تقيلة على حد في بيته؟ أنا مكنتش عايزة أي حاجة من ده."
"إذن اتصرفي كأنك كدة!" زعقت هي كمان. "كنتي ألطف بكتير لما مكنتيش بايظة كدة يا سكارليت."
اتنفضت تاني. دي اللي وجعت.
"متقدرش تتكلمي معايا كأنك ربيتيني، كأنك عارفة أول حاجة عن اللي مريت بيه. انتي مشفتيش الزفت اللي شفته. مسمعتيش الحاجات اللي سمعتها. مكنتيش انتي اللي بتنضربي كل ليلة فمتحاوليش تقفي وتقوليلي أنا مين."
"انتي عندك حق،" قالت ببرود. "أنا مربيتكيش. أنا مكسرتكيش."
انفجرت تاني "أختك وجوزها هم اللي كسروني وبصراحة؟ من ساعة ما جيت هنا وانتي مخلتيش أي حاجة أسهل تمام؟ أنا مكنتش عايزة ده." أخدت نَفَس، برعشة. "انتي بتكسريني أنا كمان." قلت، بصوت أوطى المرة دي.
وبعدين الكلمات الجاية اللي قالتها حسيتها زي لكمة في بطني.
"انتي مش بتسهلي حاجة على نفسك، انتي فاكرة إني مشفتش اللي بتعمليه في نفسك؟" زعقت وهي بتشاور على فخادي. وبعدين سخرت. أنا عارفة هي بتتكلم عن إيه. إيه اللي موجود تحت البنطلون عند أعلى فخادي، ووسطي، وحتى بطني.
سكون.
إيديا مسكت الجينز بتاعي تلقائياً بتشده بعيد عن جلدي، دلوقتي حاسة إني مخنوقة، كأن هدومي بتسيح جوه جلدي.
دي الكلمة اللي دمرتني.
مقلتش ولا كلمة تانية. مكنش بإيدي. لو قلت هنفجر في الزعيق تاني. أو العياط. أو الاتنين.
لفيت وأخدت شنطتي ومشيت ناحية الباب.
"سكارليت استني، متجرؤيش تمشي وتسيبيني."
تجاهلتها وأنا خارجة من الباب وخبطته ورايا.