فيريس جايفر
الكلام ده ممكن يبان وحش أوي، بس كنت أتمنى إنه ميرجعش. كان فيه حاجة فيه مش عارف أفهمها. كان بيضايقني إني مش عارف حاجات. مكنتش عارف ليه مش عايزه يرجع تاني أبداً. وده كان بيضايقني أكتر.
فلاش باك.
سنة أولى ثانوي، والكل متوتر عشان بداية السنة الدراسية الجديدة. يا ترى هيلاقوا صحاب؟ هينجحوا في المواد؟ هيعرفوا الخشب اللي ممكن يقطعه قارض الخشب قد إيه؟ كان فيه همهمة خفيفة من الناس اللي بتتكلم في الطرقة. ناس صوتها عالي، وناس واطي، وناس كلامهم غرقان في السخرية، وتانيين غرقانين في كلمات الوجع. أياً كان الوضع، مفيش حد كان زي بيرسي جاكسون. مكنش بيتكلم مع حد. بدلاً من كده، كان بيقعد في آخر الفصل، بيطلع نوتة زرقاء مفعوصة من شنطته، ويبص من الشباك وهو بيقلب القلم في إيده.
مكنش باين عليه الزعل. أغلب العيال اللي مبيتكلموش مع حد ويقعدوا في الآخر بيكونوا غضبانين طول الوقت من العالم بشكل أو بآخر. يا إما كده يا إما بيلبسوا هدوم سودة كتير. أو ممكن الاتنين. بيرسي مكنش ده ولا ده. ده كان باين عليه الرضا. كان بيسند في الكرسي، بياخد نفس عميق، ويسترخي في قعدة الكرسي. كان بيلف القلم، وبيمشي على صوابعه بدلع. وشه كان مسترخي. حواجبه مرفوعة حاجة بسيطة، عينيه مصحصحين، وشفايفه مرسوم عليها ابتسامة خفيفة. كان باين كإنه قعد فترة طويلة جداً في بحر هايج، وإن العاصفة أخيراً هديت وهو بيتفرج على قوس قزح.
فاكر بيرسي جاكسون ده. بيرسي جاكسون اللي كان بيضحك ويعمل حاجات عبيطة بس عشان ينشر الضحك. اللي كان بيستمتع باللحظة. بالنسبة لمعظم الناس، ده كان كل اللي بيشوفوه. مكنوش بيشوفوا الحاجات المحيرة. يمكن شافوها من غير ما يحسوا، هو عمره ما كان عنده صحاب كتير رغم كاريزمته. كان فيه حاجة مش مظبوطة. كل ما يسترخي لورا في الكرسي، كتافه بتفضل مفرودة، مستعد. عينيه المصحصحين بيدوروا على أعداء ومخارج، مستعد. راسه دايماً بتلف، رجليه بتفضل متسندة على صوابعه لما بيقعد، الطريقة اللي كان ماسك بيها القلم، كان مستعد. دايماً مستعد. أنا بس مكنتش عارف مستعد لإيه.
وبعدين اختفى. في نص سنة تانية، طلع إجازة نص السنة ومرجعش. محدش كان مهتم، حتى لو خدوا بالهم. هو كان لسه العيل اللي بيقعد في آخر الفصل ومبيتكلمش غير لما حد يكلمه. الكل عدى الموضوع لما مرجعش بقية السنة. الكل اعتبر إنه اتفصل بعد ما سمعوا إشاعات عن فصول سابقة حصلت للواد ده.
مكنتش فاكر إني هشوفه تاني. بطريقة ما، لسه مشوفتوش. بيرسي جاكسون اللي فاكره من اللي دلوقتي بقى مجرد تمن شهور فاتوا، خلاص راح. مات. في آخر الفصل قاعد واحد تاني. راجل. أكيد، شعره هو هو الأسود الفاحم اللي بيلمع في الضوء ومكركب زي سلك السماعات. عينيه لسه لون البحر، بس بدل ما كانت زي نبع مريح، بقت بنفس درجة المية اللي حوالين حطام سفينة لسه غرقانة. لسه بتغلي. سودة بشكل مش معقول من اليأس.
كتافه منحنية من تقلب هموم الدنيا. خطوط الابتسامة اللي حوالين عينيه اختفت وظهر بدالها هالات سودة. كان لابس هودي بيغطي وشه بضل، وبنطلون جينز كان باين عليه إنه اتغسل مع سلك شائك مصدي. لسه فيه حاجة مش مظبوطة. بس مش مظبوطة بشكل تاني. بدل ما يكون مستعد، كانه مستني حاجة وحشة تحصل. كإنها مسألة وقت.
المرة الوحيدة اللي شفت فيها حد بتعبير وشه ده كانت في فيديو لأبطال حرب كانوا بيوعوا الناس عن اضطراب ما بعد الصدمة.
إيه اللي حصل لبيرسي جاكسون.
كان أول يوم في سنة تالتة ثانوي، وزي أولى ثانوي بالظبط، كان فيه كلام كتير ومحير. الفرق بس إن دلوقت بقا لينا السلطة إننا نبص باحتقار لنص المدرسة. كانت الحصة الأولى إنجليزي مع ميس دريتز. ست ناشفة ومكرمشة زي اسمها بالظبط. بيرسي كان رجع لمكانه في آخر الفصل.
قعدت جنبه. أبعد بكرسي واحد عن الشباك.
"بيرسي؟" اتخض حاجة بسيطة ولف وشّه ناحيتي.
"أهلاً، فيريس." دايماً كان بيبهرني إزاي بيعرف يفتكر اسم كل واحد مع إنه مكنش بيدي حد أي اهتمام.
"أهلاً بيك. كنت فين يا راجل؟" نبرة صوتي بقت أقوى. مع إنه كان دايماً الشخص الغريب، فأنا كمان كنت زيه. كنت بتميل لقول اللي في بالي بسرعة أكتر من اللازم، وبفضل أتفرج على الناس من بعيد. وبصراحة، كنت اتعودت على وجوده. لما مشي مكنتش عايز الراحة دي ترجع تاني. كنت عايز أكون لوحدي، من غير ارتباطات. ودلوقت وهو رجع، كنت مجبر أعيش وجع اختفاءه لأول مرة.
"كنت موجود،" رد.
"موجود؟ مفيش شبكة موبايل في المكان اللي كنت 'موجود' فيه؟" تجاهلت إني أصلاً مكنتش اديته رقمي قبل كده.
"أنا ممعيش موبايل ولا معايا رقمك، والحاجات دي لازمة عشان المكالمات." صوته نبرته اتغيرت حاجة بسيطة وهو بيقول التعليق الساخر ده. كان باين إنه موجود بجد للحظة.
"كان ممكن تعمل أي حاجة، تقولي إنك ماشي، بدل ما تختفي كده."
"كنت فاكر إني هرجع بعد إجازة نص السنة." بصيت على وشه اللي كان مستخبي في ضل الهودي بتاعه. مكنتش قادر ألومه.
"إيه اللي حصل؟" أخد نفس عميق وطلع نوتته الزرقاء المفعوصة. الحلقات المعدن خبطت في الديسك.
"ده..." لف وشه ناحيتي وعينيه ركزت معايا بالكامل. بقيت أنا اللي واخد اهتمامه. "...مش شغلك." وبعدين عينيه اتنقلت للنوتة وهو بيفتح على صفحة جديدة وبدأ يفك رموز الملاحظات اللي على السبورة.
فاصل زمني لغاية الغدا.
قعدت في الحوش ومستني أصحابي. هما اتنين بس، كانوا بيسيبوني في حالي تقريباً. السبب الوحيد اللي خلاني أصاحبهم هو إنهم كانوا غريبي أطوار زيي. أليس مهاجرة إيطالية وآية بنت لاجئ من السعودية. اتقابلنا قبل سنة أولى ثانوي في تعريف للناس اللي مش بيتكلموا إنجليزي كلغة أساسية. أليس كانت بتتكلم إيطالي، وآية بتتكلم عربي، وأنا كنت بتكلم برتغالي برازيلي عشان أمي مكنتش بتتكلم غيره. هي أصلاً من البرازيل، نقلت الولايات عشان أبويا اللي مشي بعد ما عرف إن أمي حامل بفترة قصيرة. هي فضلت هناك عناد.
وراي، سمعت كلام أليس وآية اللي ميتنسيش. لهجتهم بقت أخف مع السنين بس لسه مفهومة.
"فيريس، احزر إيه!" ندهت أليس وهي لسه على بعد كام متر.
"إيه؟"
"عارف الواد جاكسون ده؟ اللي اختفى السنة اللي فاتت؟"
"أيوة..."
"رجع!" صرخت أليس.
"عارف!" قلتها باستهزاء.
"عارف؟"
"أيوة، كان معايا في الحصة الأولى."
"همم." قعدوا على ترابيزة البيكنيك القديمة اللي كنا واخدينها من زمان.
"كان شكله حزين،" علقت آية وهي بتبص في الترابيزة وعلبة الغدا بتاعتها.
"كان شكله زي أي واحد مشفناهوش من تمن شهور. إنتي بتحسي بزيادة،" قالت أليس. دايماً مصدر الصراحة الجارحة. آية باين عليها الزعل وفتحت بوقها عشان تعترض، بس قفلته بسرعة لما شافت وش أليس. كانت بتضحك. مستنية معركة إهانات عارفة إنها هتكسبها.
"ماشي،" اتنهدت آية. ضحكت ضحكة خفيفة.
"آية عندها حق برضه. قعدت جنبه. اتغير،" فكرت في كلامنا. 'حزين' كانت وصف ناقص للغموض اللي كان بيرسي جاكسون.
"سيبك من الواد، يمكن يكون تعبان بس،" قالت أليس.
من وراها مشي موضوع نقاشنا. كان أطول. وأعضل. كان من النوع اللي لو أنا كنت بيفهم في البنات كنت هقول عليه جذاب.
"أهلاً يا بيرسي!" ندهت. ليه عملت كده؟ إحنا مش صحاب بجد. مش حاسس بالشفقة عليه. هو أنا؟ فات الأوان، سمعني. مشي ناحيتنا وقعد بإحراج جنبي. بصيت بصه لآية اللي كانت جاهزة تواسيه على أي حاجة. بصت لي بغضب.
عدت كام لحظة ومحدش قال حاجة. بيرسي كان ساعات بيقعد معانا، بس كان دايماً رايح في حتة للغدا ومكنش بيعرف يطول.
"إيه الحوار، هو إنت موت ورجعت للحياة؟ لازم نعرف،" تحدت أليس بكسرها للصمت. بيرسي ضحك.
"حاجة زي كده." ابتسم وكرمش حواجبه حاجة بسيطة. "بتفكريني بابن عمي،" أضاف.
"ابن عمك أكيد حد جامد،" تفاخرت أليس بابتسامة.
"هي عنيفة. وصوتها عالي. عالي أوي."
"هي دي حاجة وحشة يعني؟"
"لأ، بس حاسس إني لازم أقول إني بقدر أغلبها في خناقة." أعجبت بأليس وقدرتها الغريبة إنها تكسر أي جو إحراج كنت حاسس بيه بكام كلمة هزار. بيرسي كان قعد في كرسيه وحط كوعه على الترابيزة وبدأ يقلب في القلم. في نص كلامهم، كان حتى قلع الهودي بتاعه. لمحت كام بنت من الناحية التانية من الحوش بيبصوا عليه.
"أراهنك إنك متعرفش تغلبني في خناقة،" قالت أليس بطريقة كانت أكيد تحدي.
"يا راجل،" قال بيرسي وهو بيميل لورا وبيقلب عينيه بتمثيل. "أنا ممكن أفرمك زي الحشرة." خد صباعه السبابة والإبهام وعصرهم سوا. "هوب."
"أنا مراهن على أليس،" رديت. أليس رفعت إيدها في الهوا فوراً.
"كده يا صاحبي!" صرخت.
"أنا اتضايقت،" قال بيرسي بابتسامة على وشه بينت إنه أبعد ما يكون عن الضيق. "وإنتي يا آية؟ إنتي في صفي؟"
"أنا مش هدخل نفسي في الحوار." كلامها كان حازم بشكل مفاجئ بالنسبة لجملة سلام، بس دي آية. كنت متوقع بيرسي يرجع ويتحايل عليها تاخد صفه، بس مكنش عمل كده. الواد ده كان لازم يروح ويحيرني تاني. الموضوع كان بيضايقني.
"ده عدل،" استرخى لورا تاني.
واحدة من البنات اللي كانوا من شوية كان شكلها بتستعد تعمل حاجة. خدودها كانت حمرا ولابسة طبقة جديدة من ملمع الشفاه. كانت جميلة. شعرها أحمر، مليانة نمش، عيون خضراء، وجسمها صغير. أفتكر إن اسمها كان سيسيليا أو حاجة زي كده. أيوة، أكيد كانت سيسيليا، هي اللي ساعدتني في الكيمياء السنة اللي فاتت. اتفرجت عليها وهي بتقوم وبتمشي ناحية ترابيزتنا في الضلة وأليس وبيرسي مكملين كلام عن مين فيهم اللي إيده اليمين أقوى. آية كانت بتاكل تفاح. ناولتني واحدة. أحلى تفاحة في حياتي.
"أهلاً، بيرسي، صح؟" البنت سألت بهدوء. خدودها كانت حمرا زي شعرها والنمش بدأ يختفي مع اللون.
"أيوة، وإنتي سيسي. فاكرك من الإنجليزي. إيه الأخبار؟" كان باين عليه مش واخد باله خالص إزاي عيونها بتلمع عشان افتكر اسمها. إزاي مسحت العرق من إيدها في بنطلونها الغامق. كان باين عليه شايف زميلة قديمة بس.
"كنت، أمم...." بصت لتحت. "كنت بس بسأل لو، أمم، تحب نروح نتفرج على فيلم أو حاجة؟ عارف، بعد المدرسة؟" تلعثمت.
"لازم أشوف خططي، مين تاني جاي؟" يا عيني يا بيرسي يا طيب.
"يا غبي، هي بتعزمك على موعد،" أدي الصراحة الجارحة من أليس. عيون بيرسي وسعت حاجة بسيطة ناحيتها. رجع بص لسيسيليا اللي كان باين عليها إنها ارتاحت من عبء التوضيح، عشان بس تلاقي نفسها عالقة في الموقف المحرج ده من غير مخرج. ابتسمت.
"أوه! أنا آسف،" وشّها اتغير فوراً. "مش هقدر، شكراً على العموم."
"لأ، عادي. كان غباء مني إني أسأل أصلاً، أنا هسيبك لوحدك، آسفة إني ضايقتك يا بيرسي،" قالت كلام كتير وهي بتجري بعيد. أول ما بعدت عن السمع، أليس خبطت بيرسي في كتفه بظهر إيدها.
"إيه ده!" قال بيرسي.
"إيه اللي حصل ده؟ كان لازم تقول أيوة!" قالت أليس بزعيق خفيف.
"لازم أوافق، هي طيبة أوي. إداني كيس تفاح مرة،" ضحكت آية.
"هي عظيمة، بس مش هقدر أخرج معاها."
"وليه يا راجل لا؟"
"عشان ده يبقى خيانة لصاحبتي،" قالها بكل صراحة. كإنه مش بيقول خبر يهد الدنيا.
"إنت عندك صاحبة؟" سألت، محاولاً أفضل هادي عشان سيسي.
"أيوة، بقالنا سنة كاملة، ليه؟"
"إزاي إحنا مكنش عندنا علم؟" كملت واتقابلت بتردد.
"من غير زعل، بس إحنا عمرنا ما كنا صحاب بجد." كان عنده حق، كنت عارف إن عنده حق. بس برضه، كان حاسس إن الواد اللي في آخر الفصل ده فجأة بقى عنده حياة سرية.
حاجة غريبة.