١٧٠٥، مدينة رافيني، إستريدل
كان فيه بيت صغير ومتهالك جنب طريق التراب ده، محشور بين دكان جزار وبيت شاي. وفي الوقت اللي كل الناس تقريبًا حولت تستخدم قرميد السيراميك، البيت لسه كان بسقف من القش، بيفكرنا بآلاف السنين اللي فاتت.
المكان اللي بيعيشوا فيه كان صغير وضيق، وبعد ما حطوا كنبة قديمة ومعفنة وترابيزة خشب جوه، مكنش فيه مكان تقريبًا للمشي. كانت فيه بنت صغيرة مكوّمة نفسها زي الكرة على الكنبة، وإيديها ضامة بطنها الفاضية بقوة.
ست البيت كانت لسه ماشية حالاً، بس عيلة فينلي الفقيرة مكنش عندهم أي طريقة يدفعولها. الست سودوورث التخينة ومليانة مكنتش مبسوطة بكده، وهددت إنها تطرد عيلة فينلي بره بيتهم.
بس حتى لو هددتهم بالموت، هي برضه عمرها ما هتاخد فلوسها. كريستوفر فينلي مكنش راجل ذكي قوي، وكل اللي كان بيعرف يعمله هو تقطيع الخشب وصنع ألعاب صغيرة لبنته، إليانورا، عشان تلعب بيها.
صنايعي كان مشغله عنده شفقةً بيه، وده اللي خلى عيلة فينلي يفضلوا في بيتهم، مع إن اللي كان بيكسبه كان يا دوب يكفي أكلهم.
دينا فينلي، مرات كريستوفر وأم إليانورا، كانت ست طماعة ومفجوعة، وكانت بتبلع كل الأكل قبل ما الباقيين يلحقوا يرمشوا حتى. بنتها كانت بتخلص وهي زي عود القصب، في الوقت اللي هي كانت ضخمة زي الصخرة.
أول ما الست سودوورث مشيت، دينا فينلي رمت خالص اللطف اللي كانت بتمثله ووجهت غضبها واحتقارها لإليانورا اللي عندها تلاتاشر سنة.
"ده مكنش هيحصل لو مكنتش اتجوزت أبوكي الغبي!" صرخت، وصوتها كان حاد زي العفريتة، "حياتي باظت بعد ما اتجوزته!"
إليانورا كانت ساكتة ومابتتحركش على الكنبة، وبالكاد كان عندها طاقة إنها تقف. هي وأبوها مكنوش أكلوا بقالهم يومين عشان يوفروا للإيجار، مع إن دينا كانت بتعرف تاكل بشراهة كل تلات ساعات. والدموع في عينيها، البنت الصغيرة فضلت باصة على تحفة خشبية صغيرة على شكل فيل في إيديها، واحدة نحتها أبوها ليها.
عيلة فينلي مكنوش يقدروا يبعتوا إليانورا المدرسة، وهي مكنتش تعرف أصلاً إن الفيلة موجودة، ده غير إنها تعرف شكلها إيه. كان نفس الحال لكريستوفر، بس في يوم من الأيام، المعلم أندرادي الطيب وراه لوحة لفيل.
"المعلم قال إنهم حيوانات ضخمة وكبيرة يا نورا!" كريستوفر كان قالها من كام ليلة. "بيقول إنهم بطول الورشة، وإن عندهم الخراطيم الرمادي الطويلة دي! مش هما غريبة جداً؟"
"دي حاجة غريبة خالص!" إليانورا زقزقت. "مش قادرة أتخيل شكلهم عامل إزاي!"
كريستوفر كشر. مكنش أحسن واحد في وصف الحاجات، بس كان بيعرف ينحتها. "استني، هنحتلك واحد! وبعدها هتشوفيه!"
"ردي عليا لما أكون بكلمك، يا بنت يا غبية!" دينا صرخت وهي بتشد واحدة من ضفاير إليانورا الدهبي المحمر بغضب. "إنتي زي أبوكي بالظبط.. بليدة ومالكيش لازمة!"
الغضب اتجمع في صدر إليانورا، مع إنها مبينتش ده على وشها. "أبويا مش بليد،" قالت بصوت واطي.
"هاه! بتردي عليا!" دينا بصقت. "اتعلمتي تقلي أدبك عليا، أنا أمك! أنا ممعلمتكيش تبقي قليلة الأدب كده، يا حتة زبالة يا-"
إليانورا اتألمت لما دينا مسكتها من ضفايرها وخبطت وشها في الحيطة لحد ما قورتها نزفت، وكل الكلام اللي طلع من شفايف أمها بقى مش مفهوم.
"إنتي عارفة إن أبوكي مجنون؟ بيقعد يقول لكل الناس إن الملكة تبقى أخته! كأن الملكة ممكن في يوم من الأيام يبقى ليها أخ ابن حرام ومجنون!" دينا سخرت. "لو مكنتيش اتولدتي أصلاً، كنت قدرت أسيب أبوكي! إنتي اتولدتي ليه يا إليانورا؟ مفيش أي فايدة، ولا أي نفع من وجودك."
الدم من قورتها نزل على عينها الشمال، خلى إليانورا نص عمياء. دينا سابت ضفاير إليانورا بسرعة، والبنت الصغيرة طلعت تنهيدة راحة. يمكن الموضوع خلص خلاص، ولما أبوها يرجع يقدروا كلهم يتعشوا مع بعض زي عيلة سعيدة.
بس، وهي بتحاول تمسح الدم، شافت دينا بتطلع عصاية طويلة وتخينة كانت شايلاها تحت ألواح الأرضية. "لو موتي، هبقى حرة،" قالت، وصوتها كان بارد ومخيف زي الابتسامة المرعبة اللي على شفايفها.
"لما تموتي، هتولد من جديد،" صوت دينا رن، خلى القشعريرة تجري في جسم إليانورا. وفي نفس الوقت تقريباً، الدموع بدأت تنزل على خدودها.
حتى لو دينا كانت بعيدة كل البعد عن إنها تكون أم كويسة، ده غير إنها تكون إنسانة كويسة، هي لسه كانت عايزة تحبها. إنها تسمع الكلمات اللي من غير قلب دي من أمها نفسها كسرها تماماً. لما دينا قربت وهي ماسكة العصاية، ومستعدة تضربها لحد الموت، إليانورا أخدت قرار إنها تهرب.
الباب كان جنبها على طول، وزقته بسرعة وجريت، حتى مكلفتش نفسها تلبس جزمها. كانت بتمطر بره، مع إنها مكنتش بتمطر جامد، بس كفاية عشان تخلي الشوارع كلها طينة وبنية.
نقط المطر غرقت فستان إليانورا القطن الخفيف في ثواني، وحولتها لمنظر مبلول ومدمم. الجزار اللي كان بيلم دكانه بص عليها باستغراب، مع إنه مقالش ولا كلمة.
عشان مش عايزة دينا تمسكها وتجرها تاني للجحيم ده، جريت بعيد أكتر، مع إنها لاحظت إن بيت الشاي كان مفتوح، بس مكنش فيه حد، ولا حتى صاحب المكان. المدام لوفيت، صاحبة المكان كانت ست شابة طيبة كانت دايماً بتدي إليانورا شوية شاي ومسليات كل ما تشوف البنت الصغيرة، وكانت دايماً في بيت الشاي، حتى لما كانت بتمطر حجارة. كانت دايماً موجودة.
قررت البنت الصغيرة تروح لورشة أبوها، ورشة أندرادي في ميدان المدينة. كانت هتقوله على اللي دينا عملته فيها، وهو هيروح يطلب المساعدة من أخته، الملكة. يمكن بعد كده، تقدر تعيش في رخاء من غير ما تقلق إذا كانت هتقدر تاكل ولا لأ الأيام اللي جاية.
أول حاجة إليانورا لاحظتها لما وصلت ميدان المدينة كانت سحابة دخان ضخمة، والسما الممطرة الباهتة كانت اتحولت للون رمادي وحش.
صعب عليها الشخص اللي محله لسه محروق، بس لما شافت انعكاس صورتها على شبابيك الإزاز بتاعة المحل القريب، وهي لابسة هدوم عليها دم ومغرقة في الطين، عرفت إنها مش في وضع يسمح لها إنها تصعب على حد.
ريحة دافية وشهية هبت في الجو، ولفت عشان تشوف عربية بتبيع روستو بقر، مع إن عيلة فينلي عمرهم ما كانوا يقدروا يشتروه. اللحمة والتوابل كانوا أغلى حاجتين في رافيني، وحتى الأغنياء كانوا بياكلوهم بالمناسبة بس.
البياع شال سياخ الروستو من على النار وحطهم في طبق قبل ما يجري بعيد، وساب العربية من غير مراقبة. إليانورا قربت بالراحة، وبقت العربية دلوقتي على بعد إيد منها.
بطنها قرقرت بشكل يحرج، مع إن مكنش فيه حد حواليها. مفيش حد. اللحمة كان لونها بني في أحمر يفتح النفس، غالباً بسبب خلطة التوابل اللي كانت مدهونة عليها، والريحة كانت تجنن.
كان ممكن تاخد كل السياخ وتجري ترجع البيت، وهي عارفة إن مفيش حد هيلاحظ. بس قبل ما صوابعها تلمس السيخ الخشب، افتكرت نصيحة أبوها.
"يا نورا، حتى لو إحنا فقراء، إحنا مش حرامية. إحنا بنكسب الفلوس عشان نأكل ونكسي نفسنا بشغلنا وتعبنا، مش إننا ناخد حاجات من الناس التانية."
"كنت هتحسي بإيه لو حد اقتحم بيتك وسرق لعبك؟ مش هتحبي كده، صح؟"
إليانورا بعدت بسرعة عن العربية، كأنها اتصدمت. لأ، لأ. مهما كانت فقيرة ومحتاجة، عمرها ما هتلجأ للسرقة.
بصت للسما. الدخان كان تلاشى والمطر بقى أقوى. لازم توصل للورشة بأسرع ما يمكن.
لما لفت في الشارع اللي فيه الورشة، لاحظت فوراً حشد كبير من الناس في كل حتة في الشارع. وبالتحديد، قدام الورشة بالظبط.
كان فيه ناس كتير مألوفة في الحشد ده. بياع الروستو ومدام لوفيت، عشان أذكر شوية منهم. زقت نفسها وسط الزحمة، وقلبها كان بيدق أسرع مع كل ثانية بتعدي.
"يا نورا يا صغيرة!" سمعت مدام لوفيت بتصرخ. الست الشابة جريت ناحيتها، وخدتها في حضن قوي كسر عضمها. "يا نورا، يا مسكينة يا صغيرة."
المطر نزل أقوى. إليانورا زقت مدام لوفيت المنهارة بعيد عنها بالراحة، ومشيت بتثاقل ناحية واجهة الورشة، وهي محتارة وقلقانة.
لما وصلت هناك أخيراً، قلبها وقع. ورشة أندرادي اللي كانت في يوم مليانة حياة وألوان اتحولت لمجرد كومة رماد وعوارض خشب محروقة.
في اللحظة دي، مكنش فيه غير حاجة واحدة في بال إليانورا، فين أبوها؟
كانت شايفة المعلم أندرادي الشاب، وشه كان باهت ومليان رعب. على الأرض حواليه كان فيه أنواع كتير من المخبوزات، تارت، وإكلير، وعيش، كلهم مغرقين بالمطر وملطخين بالطين، ومش بعيد كان فيه سبت مقلوب.
تابعت اتجاه بصره، اللي وصلها لملاية قماش بيضاء طويلة قدام الورشة. كان فيه حبة رماد عليها، وإيدين ورجلين، محروقين تماماً، بارزين من جوانب القماش.
كريستوفر كان راجل طويل بشكل ملحوظ بدراعات ورجلين طوال.
"ما تروحيش هناك يا نورا!" مدام لوفيت صرخت، وهي بتمد إيدها عشان تمسك دراع إليانورا، وتمنعها إنها تروح أبعد من كده. "ما تبصيش يا نورا. أرجوكي، ما تبصيش."
البنت الصغيرة هزت راسها، وبتحاول من غير فايدة إنها تفلت. دموعها كانت اتغسلت بالمطر بس وجعها لسه موجود. "لأ،" تأوهت، وهي بتحاول تكتم شهقاتها. "لازم أساعده. لازم أساعد أبويا يا مدام لوفيت. هو بيتوجع، مش شايفة؟"
"يا نورا-"
"بس يا مدام لوفيت، أعمل إيه؟" إليانورا سألت، وصوتها كان واطي زي صوت الفار. "أنا... أنا مش قادرة..."
على إيد كريستوفر الشمال كان فيه سلسلة من خرز خشب كانت في يوم ملك إليانورا، مع إنها بعدين أديتهاله. ليه؟ عشان كانت مؤمنة إنها بتجلبلها الحظ، فبأنها تديهوله، هو كمان هيبقى محظوظ.
"أنا مش قادرة أساعده..."
١٧١١، مدينة رافيني، إستريدل
بعد موت كريستوفر فينلي، كانت الحياة هادية ومستقرة لإليانورا. المعلم أندرادي الشاب، صاحب شغل أبوها، كان دفع لها مبلغ كبير من المال، كفاية إنها تعيش في رفاهية لحد يوم ما تموت. كفاية ليها، وليها لوحدها.
كان شاهد على معاملة دينا فينلي لجوزها وبنتها، وطبعاً مكنش معجب بده. اشترى قطعة الأرض من الست سودوورث وبنى مكانها بيت بسقف قرميد عشان إليانورا تقعد فيه لما تكبر وتتجوز، بس ده محصلش قبل ما يطرد دينا فينلي بره.
إليانورا الصغيرة بقت في رعاية مدام لوفيت، وعالمدار الأربع سنين اللي فاتوا، كانت مبسوطة ومرتاحة. مدام لوفيت علمتها كل حاجة عن عمايل الشاي، وعمرها ما احتاجت تقلق بخصوص أكل أو شرب.
المعلم لوفيت، حكواتي وراوي قصص المدينة، كان راجل طيب ومودود وكان دايمًا بيحكي لإليانورا قصص عن أميرات وتنانين من زمان. ومع إنه كان طيب جداً معاها، عمره ما قدر يعوض مكان كريستوفر فينلي.
بس، مين كان يصدق إن في ليلة، دينا فينلي هتيجي تخبط على باب بيت عيلة لوفيت، غرقانة من المطر وميتة من الجوع.
"إزاي قدرتي تخليه يطردني يا نورا؟" دينا عيطت وهي بتاخد قضمات من عيش الذرة اللي مدام لوفيت ادتهولها بطيبة. "اتنفيت لجزيرة كايلز، ومجبورة أشتغل ليل نهار لحد ما عضمي وجعني! وإنتي هنا، عايشة في البيت الكبير ده، وبتاكلي لحمة تقريباً كل أسبوع!"
"عيلة لوفيت هما اللي خدوني عندهم،" إليانورا ردت بدافع عنهم. "لو مكنش هما، كنت هبقى في الشوارع أنا كمان."
عيني دينا الزرق الصغيرة ومحفورة زي الخرز اتنقلت لبنتها اللي بقت غريبة عنها. "تفتكري إني مش عارفة إن البيت اللي جنبنا باسمك؟ المعلم أداكي بيت، وإنتي حتى ما فكرتيش تقوليلي!"
"حتى لو أداني قصر، مكنش هيعوضني عن أبويا."
دينا سخرت. "جوزي كان ممكن يشتغل للأبد لمية سنة وما يكسبش المبلغ ده!"
المعلم لوفيت، اللي كان بيغسل المواعين في المطبخ، لف وبصلها بقرف. وبإيدين لسه مليانة رغوة صابون، مشي بخطوات واثقة لحد ترابيزة السفرة، وقال لإليانورا: "يا نورا، أول ما الست دي تخلص أكل، قولي لها إنها لازم تمشي. هي مش مرحب بيها هنا."
طبعاً، الكلام ده كان عشان دينا تسمعه، مش إليانورا.
الست المتكبرة خبطت طبق عيش الذرة على الترابيزة الخشب، وكسرته حتت. "الراجل ده قليل الأدب معايا، وإنتي حتى ما حاولتيش تدافعي عني!" صرخت بغيظ.
"لازم تمشي يا أمي،" إليانورا قالت بصوت واطي. دينا فينلي متقبلتش ده كويس، وفي الآخر المعلم لوفيت اضطر يطردها بره البيت.
"الست دي فعلاً فظيعة،" مدام لوفيت همست وهي بتحط قفل على الباب. "ما تتعامليش معاها تاني يا نورا. هي مش إنسانة كويسة."
إليانورا مكنش عندها مشكلة تعمل اللي مدام لوفيت طلبته، بس ناس مدينة رافيني الريفية كانوا رجعيين وبينسوا بسرعة. نسوا كل حاجة عن سوء معاملة إليانورا وكريستوفر فينلي، وبدل ده كل اللي شافوه هو دينا فينلي بتشحت في الشوارع، لابسة خرق ونايمة على حجر الرصيف القاسي.
"حتى لو كانت أذيتك، هي لسه أمك،" ميسيس بايك، اللي بتنصب نفسها مستشارة المدينة قالت لما عدت على بيت الشاي. "لو كنت مكانك، كنت هخليها تقعد في البيت ده طول ما هي عايزة. هي اللي ولدتك في الآخر."
مدام لوفيت سمعت ده، وخبطت طبق كعك التوت قدام وش ميسيس بايك بقوة. "لو كنت مكانك، كنت هبعد عن الحاجات اللي ماليش دعوة بيها."
"أنا كنت بنصحها!" ميسيس بايك عوت بغضب. "إنتي متكبرة أوي يا مدام لوفيت! أبواب الجنة عمرها ما هتفتح عشان ترحب بواحدة متكبرة زيك!"
"أوه، نسيت،" مدام لوفيت ضحكت. "إنتي حجزتي مكان في الجنة، مش كده يا ميسيس بايك؟ لو كده، أفضل أروح النار عن إني أفضل في نفس المكان معاكي."
ده خلى ميسيس بايك تسكت، بس العجوز دي ولسانها الطويل لفوا كذا لفة في المدينة، ونقلت الأخبار معاها. الضرر حصل، وإليانورا اتوصمت بإنها جاحدة.
"أفضل يكون عندي طفل ميت عن إني أولد واحدة جاحدة زي دي،" ستات القرية كانوا بيقولوا بصوت عالي وهما معديين قدام بيت الشاي.
في الآخر، إليانورا اضطرت ترحب بدينا فينلي تاني في بيتها. عيلة لوفيت نصحوها ما تعملش كده، بس كلام أهل المدينة بقى تقيل وميتسكتش عليه.
كل كلمة كانت بتطلع من لسانهم كانت زي نصل السكينة الحامي اللي بيطعن قلبها من غير توقف، وحتى لو قتلت ميسيس بايك ألف مرة، وقطعتها لمليون حتة صغيرة وأكلتهم للكلاب الضالة اللي بتتمشى في المدينة، وجعها مكنش هيخف.
دينا فينلي كانت طيبة وبتمثل دور الأم لأول عشر أيام. كانت بتعمل الشغل وتكنس الأرض، وعمرها ما رفعت إيدها على إليانورا. بس في ناس عمرهم ما بيتغيروا بجد.
على ما اليوم الخمستاشر جه، البيت اتحول لزريبة، وكل اللي كانت بتعمله إنها تقعد جنب ترابيزة المطبخ وتطفح.
"قلتلك ما تدخليهاش بيتك،" المعلم لوفيت قالها في يوم بعد الظهر. "دلوقتي، هتفضلي عالقة معاها لحد يوم ما تموت."
"افتكرت إنها هتتغير،" إليانورا همست. "بس هي هي نفس الشخص اللي كانت عليه قبل كده."
مدام لوفيت اتنهدت وهي بتحط شوية بودرة شاي أحمر في البراد. "أنا أعرف أمك من وهي طفلة. هي عمرها ما هتتغير يا نورا."
الحال ده استمر سنة كاملة. إليانورا كانت بتروح تشتغل في بيت الشاي من الفجر لحد نص الليل عشان ما تضطرش تشوف وش أمها، في الوقت اللي دينا كانت بتصرف كل الفلوس اللي المعلم أندرادي سابها لإليانورا.
الفلوس دي كان مفروض تعيشها طول العمر، بس دينا قدرت تصرفهم في سنة واحدة. بجد، هي موهوبة جداً. موهوبة جداً في إنها تعمل مشاكل لغيرها يحلها.
"كنت عارف إن الست دي مش هتجيبلك غير الأذية،" المعلم لوفيت اتنهد. "المعلم أندرادي ده كان مفروض يشحنها لفينيسيا! كان زمانها عمرها ما عرفت طريق الرجوع لهنا تاني!"