المكتبة

التصنيفات

رومانسية فانتازيا كورية رعب وغموض أكشن وإثارة خيال علمي تاريخية دراما

الفصل الأول تائهة في عالم النبلاء - قصة فتاة الشارع

تائهة في عالم النبلاء

"مش فاهم ليه قلقانة أوي كدة،" قال جون وهو بيقرب يقف ورايا وأنا ماسكة كذا عقد قدام التسريحة عشان أشوف أنهي واحد أحلى. واحنا صغيرين، كان صاحب عمري ده أقصر مني برأس كاملة. دلوقتي بقى طويل وجسمه مشدود، وأنا يادوب واصلة لكتفه وهو بيبص على ياقة الفستان، "أولاً، أنتِ فاكرة بجد إن والدتك هتسمح لك تختاري فستانك بنفسك؟ غالباً هي مخليالِك واحد يتفصل مخصوص. وبعدين، أنتِ عارفاهم هما الاتنين من واحنا عيال، وشافوكي في أسوأ حالاتك.. مش فاكرة كنتِ بتبقى محرجة قد إيه زمان؟"
تحميل الفصول...
                       "طيب، إيه رأيك في ده؟" سألت وأنا طالعة من ورا حاجز تغيير الهدوم، وإيدي بتتحرك بتوتر على الفستان، بتفرده وبشد في طرف الدانتيل بتاعه.

جون مال براسه شوية وهو بيبص على الطقم من فوق لتحت وابتسم: "شكلك حلو أوي."

أخدت نفس بضيق ورميت نفسي بتمثيل جنبه على المرتبة. هو وقف فوراً، كان واعي أكتر مني بكتير بإن قعدتنا سوا على السرير ممكن تعمل فضيحة، رغم إننا صحاب من واحنا عيال صغيرة.

"أنت قلت نفس الكلام على آخر تلات فساتين!" اشتكيت وأنا ببص له بغيظ وهو لافف وشه عشان يبص لي تاني، "هو أنت معندكش رأي بجد؟"

بس جون هز كتفه: "أنا شايف إنهم كلهم لايقين عليكي جداً."

ساعات كتر طيبة صاحبك الانتيم بتبقى حاجة تجنن. بس مش بجنون حركات الخدم اللي في الأوضة وهما بيحاولوا يمثلوا إنهم مش بيسمعوا كلامنا. مع إني عارفة إن مش لائق نكون أنا وجون لوحدنا في أوضة نوم في السن ده، بس مكانش لازم يبقوا ملفتين للنظر كدة.

"مش فاهم ليه قلقانة أوي كدة،" قال جون وهو بيقرب يقف ورايا وأنا ماسكة كذا عقد قدام التسريحة عشان أشوف أنهي واحد أحلى. واحنا صغيرين، كان صاحب عمري ده أقصر مني برأس كاملة. دلوقتي بقى طويل وجسمه مشدود، وأنا يادوب واصلة لكتفه وهو بيبص على ياقة الفستان، "أولاً، أنتِ فاكرة بجد إن والدتك هتسمح لك تختاري فستانك بنفسك؟ غالباً هي مخليالِك واحد يتفصل مخصوص. وبعدين، أنتِ عارفاهم هما الاتنين من واحنا عيال، وشافوكي في أسوأ حالاتك.. مش فاكرة كنتِ بتبقى محرجة قد إيه زمان؟"

غصب عني ابتسمت وهو بيخبط كتفه في كتفي بهزار. أنا وجون اتولدنا في فقر، وبقينا أعز صحاب -زي الأخوات بالظبط- بسبب احتياجنا المشترك للبقاء، وكنا بنشتغل سوا في السرقة والشحاتة وإحنا صغيرين. لحد ما كان عندي حوالي سبع سنين وهو كان عنده خمس سنين، ولما اتبنينا في عائلات غنية وذات مكانة.

طلوعه هو في طبقة النبلاء كان أشيك بكتير من طريقتي. هو كان بطبعه محترم وكلامه هادي. أما أنا، فكنت... جريئة زيادة عن اللزوم، أكتر من المتوقع من أي واحدة من طبقة النبلاء.

"ماما عايزة ده يكون أول ظهور حقيقي ليا في المجتمع الراقي،" قلت. إيدي كانت مش عارفة تقعد في حتة، عمالة ألعب في كشكشة الفستان وبعدين في العقد قبل ما أرفع إيدي عشان أشيل خصلة شعر واقعة على وشي من كتر ما شديت الفستان فوق راسي من غير مساعدة.

جون بانت عليه حيرة: "ميلي، أنتِ ظهرتِ في المجتمع ده من سنين، عملوا لك حفلة رقص كاملة، فاكرة؟ أنا فاكر كويس إني مكنتش معزوم."

ضحكت؛ جون مكنش لسه اتبنى وقتها، وكنا متفارقين لأسابيع مؤلمة بعد ما جيت أعيش مع اللورد والليدي بالدوين. وكان دايمًا بيخليها نكتة بينهم إنه مش متأكد إني تبع المجتمع الراقي، عشان هو محضرش حفلة تقديمي. كان واحد من القليلين اللي لسه بيستخدموا اسم الدلع بتاعي من أيام ما كنا في الشارع.

بس ابتسامتي راحت، مفيش حاجة تضحك في وضعي ده. بصيت على الخدم في المراية، مكنوش قريبين أوي، ووطيت صوتي: "لا يا جون، قصدي... قصدي تقديم حقيقي. كواحدة... يعني، كواحدة..."

ملقتش قدرة إني أقولها. خدي سخن، وتنهدت وأنا بخبي وشي بين إيديا.

أخد جون كذا لحظة عشان يفهم معنى كلامي، وطلع منه ضحكة خفيفة مش مصدقة قبل ما صوته يبقى جدي أكتر: "كعروسة بتدخل المجتمع لأول مرة؟ أميليا، أنتِ مش ممكن تكوني بتتكلمي بجد."

هزيت راسي ببطء وأنا لسه مخبية وشي.

"بس أنتِ... أنتِ أنتِ!" جادلني جون، وبصيت له ولقيته بيشاور بإيده عليا من فوق لتحت، "هما بجد مغفلين للدرجة اللي تخليهم يفتكروا إن ده هينفع؟"

كلام جون مجرحنيش، أنا عارفاه زي ما أكون عارفة نفسي بالظبط. هو مكانش يقصد إن مفيش راجل هيرضى يتجوزني -مع إني كنت شايفة إن ده ممكن يكون حقيقي- بس كان قصده إني أنا شخصياً مش هكون سهلة.

"يا جون، أنت عارف إني مش ناوية أتجوز في القريب العاجل،" فكرته، "بس فرح توماس هيكون حدث كبير، وأنت عارف قد إيه أخويا وخطيبته محبوبين. حتى لو ماما مش بتستخدم ده عشان تظهرني، لازم أبقى شكلي لائق عشان أتعرف على قرايب سوزانا. فيه ناس جايين من بعيد من فرنسا وإسبانيا. أنا بس..."

صوتي راح وأنا فاكرة إننا مش لوحدنا في الأوضة، بس جون بص في عيني، وشفت الفهم في نظرته. كان عارفني كويس لدرجة إنه فاهم قصدي.

أنا بس كنت عايزة أحس إني من المكان ده. وإني أبقى باينة إني مش غريبة عنهم، ولو لمرة واحدة وسط عيلتي.

"بس أنتِ لسه متممتيش تمنتاشر سنة،" قال جون وهو بيحاول يغير الموضوع بلطف بعيداً عن المنطقة الحساسة دي، "هما سمحوا لأختك تستنى لحد السن ده."




عند دي، مكنش قدامي غير إني أضحك: "هما افترضوا إن إليزابيث هيكون سهل تجويزها. أظن إن طريقتها في موضوع الجواز ده هو اللي خلاهم يقرروا يعملولي تقديم بدري. لو هي صعب تتجوز، تخيل بقى شايفين الموضوع هيكون رخم قد إيه لما يحاولوا يلاقوا حد يتجوزني أنا. اللي عينيا زرق فاتح بيميلوا للرمادي، وشعري بني طيني ميعرفش ينافس الخصلات الدهبي اللي زي الفل بتاعة الأخت الكبيرة."

صوتي كان حاد أكتر ما كنت أقصد، ومحاولتي إني أهزر مكنتش في محلها. الإحساس بالذنب جالي فوراً، أنا بعشق أختي وكنا بنقضي أجزاء كبيرة من يومنا سوا. بس جمالها الفائق وأناقتها ورقتها كانت فعلاً حاجات مستحيل أقدر أنافسها فيها.

"بجد ياريتك متتكلميش عن نفسك كدة،" وبخني جون وهو مكشر لي، "أنتِ مش..."

وكأني لسه جايبة سيرتها، باب الأوضة اتفتح فجأة وظهرت إليزابيث، ومعاها كورديليا وكلارا وسوزانا. هي كانت أشطر مني بكتير في العلاقات الاجتماعية، وكانوا بيضحكوا وبيرغوا وهما رايحين للسرير التاني في الأوضة.

إليزابيث مكانتش بتحب كلارا وكورديليا بجد، بس كانوا جيرانهم، وكانت ذوق بما فيه الكفاية عشان تستحملهم. أنا لا، مكنتش طايقة البنات دول، فكنت بعمل اللي أقدر عليه عشان أتجنبهم. كل اللي بيعملوه هو إنهم يتكلموا على الناس وحش ويجيبوا في سيرة حد.

كورديليا، اللي كانت بتميزها عن أختها التوأم إنها بقت تلم شعرها كله لفوق، عملت وش وحش وهي بتبص ناحية ركن الأوضة بتاعي: "ليه لسه لازم تشاركي أميليا في نفس الأوضة؟" سألت وهي بتبص لإليزابيث، "أنتِ أكبر منها، والبيت فيه أوض أكتر من كفاية عشان يكون ليكي أوضتك الخاصة. نصها ده... طفولي أوي. بجد حاجة تكسف."

لفيت وشي الناحية التانية عشان أخبي غيظي وأخدت نفس عميق وقلت لنفسي لازم أسكت. إننا نفتح خناقة مع فرد من عيلة نبيلة جارة مش هيفيد حد.

أختي، للأمانة، دافعت عني: "هي مش وحشة للدرجة دي! أنا شايفا ركنها في الأوضة ده محبب للقلب. أميليا وأنا ذوقنا مختلف، وده عادي، المهم إننا مبقاش لازم نتشارك في سرير واحد!"

كنت ممتنة إن إليزابيث مجابتش سيرة أنا كنت بدخل سريرها معاها كتير قد إيه. في أيامي الأولى، كنت بنام كتير في دار أيتام مهجور مع أطفال شوارع تانيين لما كنا بنستخبى من البرد، وكنا بنشارك سرير واحد لتلاتة أو أربعة. لحد ما بقى عندي حوالي تلاتاشر سنة، كنت لسه بنام مع أختي. كان صعب جداً عليا أتعود أنام لوحدي، وكنت بفضل أتقلب لحد ما يا إما أروح أنام جنبها، أو هي تزهق من حركتي الكتير وتيجي تنام جنبي. أنا كنت السبب في إننا لسه مضطرين نشارك نفس الأوضة.

كان حقيقي برضه إن ركني مكنش ناضج في شكله زي ركن إليزابيث. وفي حين إن إليزابيث اتخلصت من لعبها وحاجاتها الطفولية من سنين، أنا كان لسه كتابي الأول محطوط على المكتب، ومعاه قصص "الكتيب الصغير اللطيف" اللي اتهدالي في أول كريسماس ليا في العيلة. عروستي كانت لسه مرمية على السرير، والبلل اللي كسبته من إخواتي وإحنا عيال صغيرة كانوا متشالين في درج الكومودينو. كان صعب عليا أسيب حاجاتي العزيزة دي لما أول جزء في حياتي قضيته ومعايا مفيش.

كلارا دخلت في الكلام عشان توافق أختها: "أنتِ بقيتي ست دلوقت يا إليزابيث، عيب إنك تضطري تشاركي أوضة مع طفلة."

ورغم إيد جون اللي كانت ساندة على دراعي كتحذير، لفيت عشان أواجههم، كنت غاضبة إنهم يتكلموا عني بالشكل ده. وقدامي مباشرة كمان، يا بجاحتهم!

"أنا مش طفلة،" قلت بغل، "أنا يادوب أصغر منكم بحاجة بسيطة."

كورديليا هزت كتفها: "طيب، أنتِ مش بتتصرفي كدة! بالعافية بتقدري تقعدي في صلاة الأحد من غير ما تتنططي. أنتِ مش ليدي خالص، ولسه بتنامي بعروسة!"

قبضت إيدي، بس مكنتش ناوية أتحرك خطوة لورا عشان أدور على خناقة، ده كان هيثبت كلامها بس. "وإيه يعني؟ أنا عاطفية أكتر منكم، ده مش بيخليني طفلة."

وفي أسوأ وقت ممكن، دخلت خادمة الأوضة وهي بتجري. عرفتها فوراً، الآنسة هادفورد وأنا عمرنا ما جينا على هوا بعض. من أول لحظة اتبنيت فيها في العيلة النبيلة دي، وهي كانت فاكرة إني مش من مقامهم. في الغالب، أنا وهي كنا بنعرف نتجنب بعض، بس كانت لسه بتعمل حركات وتلقح بالكلام من تحت لتحت كل ما تقدر.

عمري ما حبيت أبين إني ضعيفة وأشتكيها لأبويا بالتبني، اللي كان سيد البيت. ودلوقتي فات الأوان أصلاً، إيه الفايدة بعد عشر سنين كاملين؟

"الآنسة أميليا،" قالت الآنسة هادفورد بتمثيل وهي بتعمل ريفيرانس خشن. كانت بتمثل بزيادة عشان تبان محترمة قدامي لما أهلي بيكونوا موجودين. دلوقتي بصت في عيني، وكانت مبتسمة بتسلية لأي حاجة كانت ناوية تقولهالي: "المربية بتاعتك بتناديكي، ومطلوب مني أبلغك إنك اتأخرتي عشر دقايق على حمام المساء، وإنك لازم تطلعي بسرعة على الحمام، وتخدي معاكي عصاية."

نظرات الغضب اللي وجهتها للخادمة مكنش ليها فايدة، كلارا وكورديليا كانوا ميتين من الضحك. مالتفتش ليهم وأنا بنظم كتبي بجمود وبفرد الملايات عشان تكون مهندمة لما المربية تيجي تفتش الحضانة بعد الحمام بتاعي. شكلي كنت في مشكلة كبيرة كفاية.

"طيب، لو العروسة مش بتخليها طفلة، اللي حصل ده أكيد بيخليها،" واحدة من التوأم ضحكت، مالتفتش عشان أشوف مين فيهم. ورايا، سمعت جون بيبخ التوأم -إخواته بالتبني، رغم إنه دايمًا كان سايب مسافة بينهم- وأنا بهرب من الأوضة. سمعت كمان سوزانا وهي بتقول "شششش!" في محاولتها إنها توفر عليا شوية إحراج. يا لهوي، أخت جوزي المستقبلية شافت منظر زي ده. حتى لو هي كانت ذوق لدرجة إنها مش هتجيب سيرة الموضوع ده تاني، أكيد هتفضل فكراه دايماً.

مسحت دموعي وأنا ماشية في الطرقة، كنت ممتنة إني عرفت أخرج من الأوضة قبل ما دموعي تنزل. بعد كام أسبوع، سوزانا هتتجوز أخويا الكبير توماس. هيكون ده أول ظهور ليا في المجتمع كـ ليدي. بس إيه الفايدة لو مفيش حد شايفني كدة؟

فجأة، لقيت نفسي في ورطة كنت قلقانة منها من البداية. المربية بتاعتي، أهلي، المدرسين، البنات التانيين، كلهم عملوا اللي يقدروا عليه عشان يحولوني لـ ليدي. بس دلوقت أنا وصلت لآخر الخط.

لو مش عارفة أتصرف كـ ليدي، هعيش إزاي في المجتمع الراقي؟ وإزاي هترقى في الدنيا دي لو الكل ببساطة شايفني طفلة، ومتهورة ومندفعة كمان؟ هل هفضل محبوسة في نفس المكان ده للأبد؟ وإيه اللي هيحصل لي لما أهلي يرحلوا، ولما كل إخواتي يتجوزوا؟

جون هيتجوز قريب. إليزابيث، وقريب جداً أنا، هنعتبر ستات صغيرين صالحين للجواز. مايكل، أصغر ولد في العيلة، أكيد هيجي بعدنا.

بينما كل حاجة بتتغير حواليا، كنت أنا بفضل زي ما أنا تماماً. مكنش فارق معايا الكلام في سيرة الناس ولا الرغي الفاضي أكتر ما كان فارق وأنا صغيرة. مكنتش بستمتع بالقراية الطويلة والمملة، ولا بجلسات دراسة الإنجيل الطويلة، زي ما بنات كتير غيري كانوا بيعملوا. كنت بلاقي صعوبة إني أفضل قاعدة في حفلة أوبرا، ودايماً كنت بضحك بصوت عالي شوية زيادة. وعلى قد ما كنت بكره كورديليا، مكنش ينفع أنكر إنها كانت صح في حاجة واحدة، أنا مكنتش ليدي خالص.

الدنيا حواليا بتتغير. إيه اللي هيحصل لي لو مش عارفة أتغير معاها؟



"يا آنسة؟" سألت وأنا بمسح آخر دموع نازلة مني. بصيت على المربية بتاعتي، اللي كانت بتشيل الغلاية من على النار.

خلصت صب المية في فناجين الشاي قبل ما تبص ناحية السرير اللي كنت نايمة عليه. "أيوه يا أميليا؟"

قعدت وهي بتناولني الفنجان، واتأوهت وأنا بغير قعدتي شوية عشان أهدي الوجع الرهيب في جسمي من مكان ما ضربتني بالعصاية لأني اتأخرت على الحمام. بقيت في سن المفروض إن كل ضربة باخدها هي الأخيرة، بس كنت دايمًا بعمل حاجة تانية غبية بعدها بشوية. "أنتِ شايفة إني طفولية؟"

الآنسة لانسينج ابتسمت، وقعدت على الكرسي جنب سريري وحطت الفنجان والطبق بتوعها على حجرها. خدت بالها من حركتي المتوترة ورفعت حواجبها كأن ده رد على سؤالي. "طيب، أكيد أنتِ بتبقي كدة بعد علقة سخنة، بس متقلقيش يا حبيبتي، ده يفضل سر بيني وبينك."

بمجهود حقيقي، قدرت أثبت، مع إني مقدرتش غير إني أقعد مشدودة. رغم شدتها، الآنسة لانسينج كانت من أكتر الناس اللي بحبهم في الدنيا، ورغم إن أهلي ناس كويسين، بس هما كمان نبلاء. مكنوش هما اللي بيلبسوني، أو بيعلموني، أو بيقرولي. ده كان دايمًا دور المربية بتاعتي. ورغم إني عمري ما قدرت أقول ده بصوت عالي، بس بجد كنت حاسة إني يمكن بحبها أكتر من أي حد في الدنيا.

لقيت نفسي بحاول أحبس دموعي، بس المرة دي مكنتش بسبب العقاب. وحشتني سنين طفولتي، لما كنت بقدر ببساطة أقعد على حجر المربية بعد ما تضربني، أو لما أكون مجروحة أو قلقانة أو...

أو خايفة. مفيش شك إني كنت مرعوبة. كل حاجة بتتغير، رغم إن حاجات قليلة اتغيرت من يوم ما عائلة بالدوين تبنوني. بس مكنش ينفع استخبى تاني في حضن المربية بتاعتي. مكنوش يقدروا يحموني من التغيير اللي جاي.

الآنسة لانسينج شافت دموعي، وحطت الفنجان والطبق على ترابيزة السرير. مدت إيدها تاخد فنجاني هي كمان، ولقيت إيدي بتترعش وهي ماسكاه لما دموعي نزلت بزيادة. لما حطت فنجاني جنب فنجانها، الآنسة لانسينج مدت إيدها تمسك إيديا. "دلوقتي، إيه سبب الدموع دي بقى؟"

مع نزول دموعي أكتر، المربية بتاعتي شدتني من قعدتي على السرير، وخلتني أركع بين رجليها وهي بتحضني. حضنت وسطها، واكتشفت إني رغم إني بقيت كبيرة على إني أقعد على حجرها، لسه حاسة بالأمان في حضنها. غمضت عيني وسمحت لنفسي إني أصدق، ولو للحظة، إنها هتقدر تصلح كل حاجة.

"عايزيني أظهر قدام الناس كـ ليدي،" تمتمت بعد ما أخدت لحظة عشان أهدي نفسي. فضلت مخبية وشي وأنا بتكلم، وكنت آمل إن صوتي ميكنش مكتوم لدرجة إنه مش مفهوم. "الأول في الفرح، وبعدين عايزيني أبدأ أحضر حفلات بليل متأخر كعروسة بتدخل المجتمع لأول مرة."

الآنسة لانسينج سكتت لحظة، وكنت شبه متخيلة تكشيرة التفكير على وشها. أخيراً، اتكلمت: "وده مخوفك؟"

هزيت راسي بخجل، مكسوفة من عياطي على حاجة كل بنت في وضعي مرت بيها. إليزابيث اتحولت لمرحلة الأنوثة بسهولة، وبشياكة.

بس أنا مش أختي. رغم كل مجهوداتي وتعليمي، مكنتش ليدي حقيقية بأي حال. ورغم إني اتبنيت من عيلة نبيلة وأنا صغيرة، مكنش ينفع أنكر إني دايماً كنت "الخروف الأسود"، حتى لو كتير من الخرفان البيضا اللي حواليا حبوني زي ما أنا.

الآنسة لانسينج حطت إيدها تحت دقني، ورفعت عيني عشان أبص في عينيها. "أميليا، أنتِ شابة جميلة وذكية وعندك قلب حنين. بتغلطي من وقت للتاني، بس قلبك طيب. ده أهم حاجة في الدنيا دي. وعشان كدة أنا عارفة إنك هتزدهري، حتى بعد ما أمشي."

حسيت بإحساس وحش في بطني. "بعد ما تمشي؟"

المربية بتاعتي -الست اللي ربتني لعشر سنين كاملة- ابتسمت لي، مع إني شفت شوية حزن في وشها. "أميليا يا حبيبتي، بمجرد ما يتم الاعتراف بيكي كواحدة من بنات المجتمع الراقي، بتبقي ست. الكبار مش بيحتاجوا مربيات."

"بس..." مكنتش عارفة أقول إيه. بطريقة ما، فكرة إن الآنسة لانسينج تمشي مكنتش جت على بالي أبداً. هي كانت أكتر وجود ثابت في حياتي، وفكرة إنها تمشي كانت غريبة عليا زي فكرة إن أمي الحقيقية تمشي وتسيب البيت ومترجعش تاني. "بس هتفضلي في البيت، طبعاً؟"

الآنسة لانسينج أخدت نفس ببطء، وبصتلي وهي بتفكر. مسكت إيديا الاتنين، وساعدتني أقوم من على ركبي. "مش شايفة أي سبب يخلي أهلك يخلوني في البيت لو مكنتش تحت توظيفهم. متقلقيش من ده دلوقتي يا حبيبتي. ميعاد نومك قرب."

كنت ساكتة وأنا بغسل، ولما الآنسة لانسينج ناولتني الفوطة وأنا خارجة من البانيو. مسكت قميص النوم بتاعي، وساعدتني ألبسه وخلتني أطلع السرير. "تحبي أقرالك فصل من الكتاب اللي كان مطلوب منك تقريه في دروسك النهارده؟"

رغم إني مكنتش مهتمة بالكتاب -مجرد حكاية مملة ورتيبة لتاريخ فرنسا، اللي كنت عارفة إنها مش هتكون مثيرة غير لما نوصل للثورة اللي حصلت من وقت قريب- بس وافقت برضه. شكلي كان لازم أبدأ أقدر المربية بتاعتي أكتر، وأقضي كل وقت ممكن معاها.

كانت مسألة وقت قبل ما هي كمان تتساب في طفولتي. البلوغ فعلاً حاجة مرعبة.

كنت هحتاج أقرأ فصل الكتاب تاني قبل دروسي اليوم اللي بعده، لأني مكنتش بركز خالص في الكلمات اللي بتقراها. كنت بس بركز في صوتها، بفتكر كل الأوقات اللي نفس الصوت ده قرالي فيه أو غنالي أو وبخني طول طفولتي. إزاي هقدر أعيش من غيرها؟ من غير توجيهها وإرشادها ورعايتها؟

لأول مرة من سنين، مديت إيدي على عروستي -غالباً، العروسة اللي كنت متمسكة بيها طول طفولتي كانت بتفضل على طرف السرير، محفوظة بأمان كذكرى للأهمية اللي كانت عندي في يوم من الأيام. دلوقت، ضميتها تحت دقني، وحضنتها جامد والآنسة لانسينج بتحرك الشمعة لوسط الترابيزة. بعد كل السنين دي، لسه خايفة إني ممكن أعمل حريقة في الأوضة لو الشمعة اتسابت جنب السرير.

وزي ما كانت بتعمل كل ليلة، المربية بتاعتي وطت عشان تبوس جبيني. "تصبحي على خير يا أميليا. أختك هتيجي بعد شوية."

رغم إن إليزابيث مكنتش أكبر مني غير بسنتين أو تلاتة -لأني اتولدت في الشارع، مكنتش عارفة سني بالظبط- كانت خلاص اتعرفت كشابة في المجتمع الراقي وقت حفلة عيد ميلادها الـ18. ورغم إنها لسه قريبة جداً من الآنسة لانسينج، مكنتش تحت رعايتها. بقى عندها خادمات أوضة دلوقت، بيعملوا اللي تطلبه منهم. لسه كانت بتسمع كلام أي طلبات بتطلبها الآنسة لانسينج، لأنها اتدربت تسمع كلامها كويس جداً في طفولتها لدرجة إن الغرايز دي لسه موجودة.

مسكت كم المربية وهي بتلف عشان تمشي. "أنا بحبك."

الآنسة لانسينج ابتسمت لي، وشدت الغطا عليا شوية. "وأنا كمان بحبك يا أميليا. تصبحي على خير."

ومشيت، وسابتني لوحدي في ضوء الشمعة الخافت، ومعايا بس خوفي يأنس وحدتي.