إجازة الصيف في البلدة دي هي بالظبط اللي ممكن تتوقعه، حر، وبطء، وملل يخلي الواحد مش حاسس بحاجة. نفس الناس، ونفس الشوارع، ونفس العصور اللي مفيش فيها حاجة بتحصل. أنا عشت في أشفورد طول حياتي، وأكتر حاجة مثيرة حصلت مؤخراً هي لما حد الماعز بتاعته هربت ووصلت لنص الشارع الرئيسي قبل ما مدام ويتمور تمسكها.
كنت نايمة على مرجيحة الشرفة اللي قدام البيت، ومدلدلة رجلي من الجنب، وبقلب في تليفوني وسماعة واحدة في ودني، وبسمع نص سمع لبودكاست عن الجرايم الحقيقية. صوت تزييق المرجيحة المستمر، وزنة النحل من وقت للتاني، والشمس الدافية على وشي خلوا من الصعب إني أهتم بكوني مش ورايا أي حاجة أعملها خالص.
"يا آفا!" صوت أخويا قطع الهدوء.
تنهدت، وشلت السماعة من ودني. "إيه؟"
"جاكسون جاي في الطريق."
كرمشت وشي. "ليه؟"
نيت ظهر عند مدخل الباب، وكان باين عليه الابتسامة زي العبيط. كان عنده النظرة دي، النظرة اللي بتجيله دايماً لما يكون ناوي يورطني في حاجة ضد رغبتي. "هيقعد هنا طول الصيف. الجامعة خلصت ومحتاج مكان يبات فيه شوية قبل ما فترة التدريب بتاعته تبدأ."
طلعت صوت تذمر. "بجد؟"
"إيه المشكلة؟"
"كفاية أوي إني بتعامل معاك هنا طول اليوم. دلوقتي صاحبك العالي والمزعج جاي يسكن هو كمان؟"
نيت ضحك. "يا ستي، إنتي عارفة إنك بتحبينا."
قلبت عيني ورجعت لتليفوني. بصراحة، الموضوع مش كبير للدرجة دي. جاكسون ريد تقريباً كبر في بيتنا. كان فيه سنين هو ونيت مبيفارقوش بعض، تمارين كرة القدم، سهرات ألعاب الفيديو لحد الفجر، وإنه يتجابوا في مشاكل عشان حاولوا يشغلوا ألعاب نارية في جنينة بيتنا. أنا كنت متعودة على وجوده.
ومع ذلك، فات وقت طويل. هو سافر الجامعة من سنتين ومكنش بيرجع البيت غير نادراً. ومفكرتش فيه كتير من وقتها.
سمعت صوت عربية بتدخل الممر بعد دقايق، بس مكلفتش نفسي إني أقوم. مكنش كأني ميتة على إني أقوله أهلاً.
نيت نزل السلالم يجري. "يا راجل، اتأخرت أوي!"
فضلت مكاني، وبصيت عليهم هما الاتنين وهما بيخبطوا إيديهم في بعض زي ما يكون لسه عندهم ستشر سنة. كان شعور غريب إني أشوفهم مع بعض تاني، الاتنين كبروا، بس لسه بيتعاملوا كأنهم عيال كبيرة.
"أنت بجد لسه معاك الخردة دي؟" نيت سأل، وهو بيشاور على عربية الموستنج السودا القديمة بتاعة جاكسون.
جاكسون ضحك. "دي بتتحرك أحسن من عربيتك يا كارتر."
"بالعافية."
بدأوا يشيلوا الشنط من العربية وأنا اتسللت بهدوء لجوه. لو البيت هيتحول لمكان تجمع للثلاث شهور الجايين، قولت لنفسي إني لازم أستمتع بالهدوء ده قبل ما يروح.
الرجوع لأشفورد كان زي ما أكون دخلت كبسولة زمن.
نفس الأرصفة المشروخة. نفس يافطات المحلات الباهتة. نفس السيد هيجينز العجوز وهو بيكنس قدام باب محل العدد والآلات كأنه مكبرش يوم واحد من وقت ما كان عندي خمسطاشر سنة. كان إحساس غريب، إني أغيب سنتين وأكتشف إن مفيش حاجة اتغيرت بجد. باستثنائي أنا.
قضيت الصيفين اللي فاتوا بشتغل في مواقع بناء في جنوب الولاية، بحاول أعمل قرشين زيادة للدراسة، وبحاول أبقى بره البلد دي على قد ما أقدر. مش لأني بكره العيشة هنا، بس لأن أشفورد من الأماكن اللي الوقت فيها بيمشي ببطء لدرجة إنك بتنسى إن عندك حياة تانية مستنياك في حتة تانية.
بس نيت كلمني الشهر اللي فات، وقال إن أهله مفيش عندهم مشكلة إني أقعد معاهم شهرين لحد ما فترة التدريب بتاعي في الخريف تبدأ. المكان أقرب للجامعة، ومكنش معايا فلوس كفاية عشان أأجر مكان لنفسي. بدت أسهل من إني أنام على كنبة أي صاحب مش عارفه.
وكمان، نيت ده كان زي أخويا. طول عمره كدة.
كبرنا مع بعض. ماتشات الكورة يوم الجمعة، صيفيات في بحيرة ميلر، كومة أفكار نص سوا كان المفروض تودينا إحنا الاتنين في أحداث. لو فيه حد من حقه يحس إن المكان ده بيته، فهو الولد ده.
فأيوه، لما دخلت بموتور العربية في ممر بيت عيلة كارتر، وشفت نيت بيضحك زي العبيط على الشرفة، حسيت بشعور حلو.
"يا راجل، اتأخرت أوي!" نيت نادى عليا وهو بينزل السلالم يجري.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا بنزل من الموستنج. "اضطريت أقف أمون بنزين. ولا نسيت إن بلدكم صغيرة لدرجة إن مفيهاش محطة بتفتح 24 ساعة؟"
ضحك وضربني على كتفي. "أشفورد لسه زي ما هي زي ما كانت دايماً."
"دي هي دي المشكلة."
ضحكنا إحنا الاتنين وبدأنا نشيل الشنط من الشنطة الخلفية للعربية. الموستنج دي قديمة جداً، بس مقدرش أستغنى عنها. أنا وأبويا جددناها لما كان عندي ستشر سنة، كانت مبهدلة خالص بس لسه بتجري أحسن من نص الزبالة اللي موجودة في البلد دي.
وأنا بجر حاجتي ناحية البيت، لمحت حد قاعد على مرجيحة الشرفة. رجلين طويلة، شورت جينز قديم، وشعر أسود مرفوع كحكة عشوائية. وشها لتحت، وبتقلب في تليفونها كأنها مش مهتمة بباقي العالم.
آفا.
بالكاد عرفتها في الأول.
آخر مرة شفت فيها آفا كارتر، كانت عيلة مراهقة طويلة وعفية وبتمشي ورانا زي القطة الضالة. دايماً بتتحايل علينا عشان نخرج معاها، ودايماً بتدخل في اللي ميعنيهاش. مكنتش فكرت فيها من فترة.
دلوقتي، شكلها كبرت. مش بطريقة درامية زي أفلام السينما. بس... كبرت. بقت مختلفة.
حطيت في بالي إني أضايقها زي ما كنت بعمل دايماً. ده كان تقريباً تقليد عندنا.
خدت آخر شنطة دافل معايا ونيت فتح باب البيت. "هتقعد في البدروم تاني؟"
هزيت راسي بالنفي. "أمك قالتلي في غرفة الضيوف."
ابتسم ابتسامة خبيثة. "في الدور اللي فوق، ها؟ بقيت بتترقى في الدنيا."
ضحكنا إحنا الاتنين ودخلنا كل حاجة جوه.
البيت ريحته لسه هي هي، ريحة منظف ليمون وأي حاجة مدام كارتر خبزتها الصبح. نفس صور العيلة على الحيطان، نفس الكنبة الوحشة في غرفة المعيشة اللي كان المفروض تتغير من خمس سنين.
حسيت... بحس حلو وغريب إني رجعت.
رمينا حاجتي فوق، ونيت طلع إزازتين صودا ساقعين من التلاجة. "ناوي تيجي البحيرة معانا بعدين؟"
"أيوه. مين جاي؟"
"تقريباً الكل. هاربر، جاكسون، وشوية من بتوع الكورة القدام. نفس الشلة."
هزيت كتافي. "أكيد. محتاج حاجة تشتت تفكيري أصلاً."
قعدنا في غرفة المعيشة، ورجعنا لنظامنا القديم كأن مفيش وقت عدى. قعد يشتكي من الشغل، وأنا اشتكيت من الجامعة. اتخانقنا على مين في ألعاب الفيديو أحسن، وبعدين شغلناها على التليفزيون عشان نفصل في الخناقة. ساعات عدت وكأنها مفيش.
في وقت ما، آفا جت المطبخ عشان تشرب حاجة. بالكاد بصت ناحيتنا.
معرفش ليه، لقيت نفسي بتابعها بعيني لثانية. مش بطريقة وحشة، بس كنت بحاول أوفق بين نسخة آفا الهادية اللي كبرت دي، وبين العيلة اللي فاكرها. حركتها كانت مختلفة. وطريقتها في المشي مختلفة.
قفشتني وأنا ببص عليها ورفعت حاجبها. "إيه؟ نسيت إزاي ترمش بعينك؟"
عملت صوت استهزاء. "لأ. بس متفاجئ إنهم لسه مخليينك تعيشي هنا."
قلبت عينيها. "دمك خفيف زي عادتك، يا ريد."
"يا أميرة."
طلعت صوت تذمر. "أنت لسه بتناديلي كدة؟ بجد؟"
هزيت كتافي وأنا بضحك. "فيه حاجات مابتتغيرش أبداً."
نيت هز راسه وهو مستمتع. "إنتوا الاتنين مابتزهقوش."
كان الموضوع سهل. ومألوف. مفيش توتر غريب. بس إحنا بنرجع لعاداتنا القديمة.
بعد العشا، نمت بدري، فرغت شنطي، بعت كام رسالة، فضلت باصص للسقف شوية وأنا بفكر في البلد دي قد إيه هادية بالليل.
لأول مرة من شهور، مكنتش حاسس إني بهرب من حاجة.
مكنتش مستعجلة إني أقضي وقت مع صاحب أخويا المقرب.
جاكسون ريد كان وجع دماغ بالنسبة لي من وقت ما بدأت أفتكر. النوع اللي يغطس راسك في البحيرة ثانية، وبعدين يعمل كأنه بيعمل فيك معروف. لما كنت صغيرة، كنت بشوفه مثلي الأعلى، بمشي وراه هو ونيت في كل حتة، وميتة عشان أكون جزء من عالمهم. ولما كبرت، أدركت قد إيه ده كان ملوش لزمة.
كانوا أكبر مني. أحلى مني. ومحدش يطولهم.
على وقت الثانوية، عرفت مكاني: مجرد ضوضاء في الخلفية.
وبصراحة؟ كنت راضية بكده.
فـ لما نيت أعلن إن جاكسون راجع يقعد معانا طول الصيف، استعديت للفوضى المعتادة: ألعاب فيديو بصوت عالي، غارات نص الليل على التلاجة، نكت بايخة، وإنهم يخلوا ريحة غرفة المعيشة زي ريحة دولاب الجيم.
اللي مكنتش متوقعاه هو قد إيه الموضوع كان عادي.
بعد سنتين من غيابه، كنت تفتكر إن الموضوع هيبقى غريب. بس محصلش. بالعكس، كان كأن مفيش وقت عدى أصلاً. لسه بيزعجوا. لسه صوتهم عالي. لسه مهووسين ببطولات ألعاب الفيديو وأيام أمجادهم في كورة القدم في المدرسة.
وأنا؟ كنت ببعد عن طريقهم.
معظم الأيام، كنت بنام متأخر، أتسلل للمطبخ بعد ما يمشوا يروحوا الجيم، وبعدين أضيع وقتي في إني مش بعمل أي حاجة مفيدة. كنت أنا وهاربر بنخرج سوا، نلف بالعربية وإحنا فاتحين الشبابيك، ونقعد ننم على ناس حتى إحنا مش بنحبهم، أو نتمشى في المحلات في الشارع الرئيسي وإحنا عاملين نفسنا أتقل من إننا نعيش في بلدة زي دي.
كان الموضوع سهل. ومألوف.
يوم الجمعة بعد الظهر، نيت اقتحم أوضتي من غير ما يخبط. "إحنا رايحين بحيرة ميلر بالليل. جاية معانا؟"
رفعت حاجبي. "من إمتى بتعزمني على حاجات؟"
هز كتافه. "من وقت ما ماما قالت إنك بقالك أسبوع بتمشي وتيجي في البيت زي القطة المكتئبة."
"يا سلام. حاجة مؤثرة."
"هاربر جاية هي كمان."
ده اللي لفت انتباهي. مكنتش شفتها من أول الأسبوع. ولو ده معناه إني أخرج من البيت ده وأبعد عن بطولات ألعاب الفيديو اللي مبتخلصش دي، فأنا موافقة.
"ماشي،" اتنهدت، ورميت عليه مخدة. "بس إنت مديون لي بآيس كريم بعدين."
ابتسم. "اتفقنا."
على وقت ما وصلنا للبحيرة بالليل، المكان كان مليان على آخره. نص مراهقين وشباب الجامعة بتوع البلد كانوا هناك فعلاً - موسيقى عالية طالعة من سماعة بلوتوث قديمة بتاعة حد، نار مشبوبة قريبة من الشط، وتلاجات متوزعة في كل حتة.
هاربر كانت مستنياني جنب المية، لابسة فستان صيفي وصندل، وبتشاور لي عشان أروحلها.
"اتأخرتي أوي!" قالت وهي بتبص لي وأنا بجري ناحيتها.
"لومي نيت."
قلبت عينيها. "دايماً بعمل كده."
حجزنا مكان جنب المية، قلعنا جزمنا، وقعدنا نحكي ونعرف أخبار بعض في الوقت اللي الشباب انضموا فيه لماتش كورة على الملعب القريب. مكنتش مركزة معاهم في الأول، كنت مشغولة بحكي لهاربر عن قد إيه مقابلة الشغل بتاعتي الصبح كانت كارثة. بس لما فجأة ابتسمت وغمزت لي، عرفت بالظبط هي بتبص على مين.
"يا رب، نسيت جاكسون ريد ده جذاب قد إيه،" هاربر قالت، وعينيها متثبتة عليه وهو بيراوغ عشان يعدي ويجري في الملعب.
عملت صوت استهزاء. "مقرف."
"إيه؟ هو جذاب، دي حقيقة."
"هو تقريباً أخويا."
هاربر بصت لي بصه. "أمم، لأ. نيت هو أخوكي. جاكسون هو صاحب أخوكي المقرب. حاجة تانية خالص."
"مش بجد."
ضحكت بس. "زي ما تحبي."
هزيت راسي وبصيت الناحية التانية، حاولت مخدش بالي من الطريقة اللي قميص جاكسون كان لازق عليه وهو بيمسح العرق من وشه، ولا إزاي لسه عنده الابتسامة الغبية والمغرورة اللي كانت عنده من وقت ما كنا أطفال.
مفرقتش.
هو مجرد جاكسون.
نفس الشخص المزعج اللي كان بيسرق آخر واحدة آيس كريم من الفريزر وبيلبسني التهمة. نفس الشخص اللي كان بيسميني يا أميرة وبيتمسخر على إعجابي بالممثل تايلور لوتنر في إعدادي.
فيه حاجات مابتتغيرش أبداً.
وبصراحة؟ أنا كنت متصالحة مع ده.