أبواب الأسانسير اتفتحت بصوت رنين هادي، وميرا عدلت جيبة البنسل سكرت السودا بتاعتها للمرة التالتة الصبح ده. يوم الاتنين دايماً بيبقى ضغط، بس اليوم ده كان فيه حاجة مش مريحاها ومقدرتش تتخلص من الإحساس ده. كان فيه حاجة... مش طبيعية.
كان هدوء زيادة عن اللزوم. مفيش حد في مكتب الأستاذ باربوسكا. لا إيميلات عاجلة، ولا طلبات قهوة. مجرد صمت تام.
وبعدين شافت الرسالة على الشاشة بتاعتها.
"من فضلك اتوجهي لجناح الإدارة. حصل تغيير."
ميرا كشرت.
مديرها كان سافر باريس عشان شوية اجتماعات استثمارية. وهي اللي رتبت جدول مواعيده بنفسها. يبقى إيه اللي اتغير؟
طلعت للدور الأخير، صوت كعب جزمتها بيخبط في الأرض، وقلبها بيدق.
ولما دخلت.
الكرسي اللي ورا المكتب الكبير لف ببطء. ولما وقف، ميرا حست إن نَفَسها اتسحب من جسمها.
شاب صغير، رفيع، لابس لبس كاجوال عبارة عن هودي أسود، وفيه طاقية باينة من تحت الهودي. حاطط كوتشي نايكي على طرف المكتب، وبيضحك لها وكأنه صاحب المبنى كله.
وهو كان كده فعلاً.
"أهلاً،" قال. "ميرا، صح؟"
بوقها اتفتح. ومفيش أي صوت طلع.
قام وقف - طويل، وسيم بشكل غير عادي، ومغرور لأقصى درجة، ومد إيده.
"توماس باربوسكا. والدي في أوروبا الشهور اللي جاية. فـ أنا اللي ماسك مكانه." عينيه مسحت جسمها. "سمعت عنك كلام كتير."
سلمت عليه بإيد متصلبة. "أنا... افتكرتك لسه في الجامعة."
"اتخرجت من شهر." ابتسامته وسعت أكتر. "دلوقتي أنا مديرك."
ميرا رمت بعينيها في ذهول.
قضت سنين بتشتغل تحت إيد الأستاذ باربوسكا الكبير. الراجل كان صارم، وقوي، وتصرفاته متوقعة. ودلوقتي واقف ابنه قدامها، عنده اتنين وعشرين سنة، شكله كأنه خارج من إعلان موضة وريحته خرافية.
"ماحدش بلغني."
"والدي كان عايز يعملك مفاجأة." هز كتافه. "قال إنك إنتي اللي هتعرفي تلميني."
ميرا قاومت رغبتها في إنها تقلب عينيها بملل.
عظيم.
مش بس ابن مديرها، ده كمان حلو، ومغرور، وصغير زيادة عن اللزوم. الموضوع ده هيكون سهل التجاهل... صح؟
توماس لف حوالين المكتب ووقف قريب منها زيادة عن اللزوم.
"إنتي قلقانة؟"
فردت طولها. "طبعاً لا. أنا دايماً مهنية."
"ده اللي سمعته،" قال، وصوته نزل شوية. "نشوف ده هيستمر قد إيه."
قلب ميرا فوت دقة.
شفايفه اترسمت عليها ابتسامة شيطانية. كأنه عارف حاجة عنها هي مقالتهاش لأي حد.
"بحب أشتغل لوقت متأخر، على فكرة،" أضاف، وهو رايح ناحية الباب. "أتمنى ما يكونش عندك مانع تخلصي شغل بعد مواعيد العمل الرسمية."
بلعت ريقها بصعوبة. "ما عنديش."
بس هي كانت عارفة من دلوقتي إن الشغل معاه مش هيكون زي الشغل مع أبوه.
ولا حتى يقرب منه.
ميرا قالت لنفسها إنه مجرد يوم تاني زي أي يوم.
تعديل مؤقت بسيط.
هي اشتغلت مع مديرين تنفيذيين، ومستثمرين، ورؤساء أقسام، رجالة يخوفوا بشعر رمادي وبدل متفصلة على ميزتهم طول التلات سنين اللي فاتوا في الشركة دي. هي عارفة إزاي تتعامل مع الرجالة الأقوياء اللي يرهبوا.
بس توماس مكنش زي الباقيين. من طريقة مشيته لحد الهالة الفخامة اللي محوطاه، حضوره اللي بيجذب الانتباه بيفرض وجوده فوراً. كان لعوب بس ذكي. جذاب، بس كمان مسيطر.
والأسوأ من ده كله، إنه كان بيلاحظ كل حاجة.
"إنتي لسه هنا؟"
الصوت خرجها من تفكيرها. لفت وشها.
كان واقف على باب مكتبها، مربع إيديه، ومسند بكسل على البرواز كأنه معاه كل وقت الدنيا.
"أنا دايماً بفضل لوقت متأخر،" ردت باختصار، وهي بتكتب بسرعة على اللاب توب بتاعها.
توماس دخل جوه، وإيديه في جيوبه، بيبص على مكتبها بلامبالاة. "أبويا قالي إنك مدمنة شغل. شكله مكنش بيكدب."
ميرا ابتسمت بضيق. "لازم حد يخلي الشركة ماشية."
"فاكرة إني مش هعرف؟" سأل، وهو بيقرب خطوة.
بصت لفوق. "أنا مقلتش كده."
"بس فكرتي فيها."
ميرا بصت في عينيه مباشرة. متراجعتش. مقدرتش. دي الطريقة اللي البنات اللي زيها بيتهرسوا بيها في مكاتب زي دي.
توماس مال براسه، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه. "إنتي متوترة."
"أنا كويسة."
ضحك بهدوء. "لا، إنتي بتمثلي. فيه فرق."
ميرا قامت، وقفلت اللاب توب بتاعها بالراحة. "في حاجة كنت محتاجها يا أستاذ باربوسكا؟"
توماس مردش علطول. بالعكس، أخد خطوة تانية ناحيتها، وقلل المسافة بينهم لكام بوصة بس.
ضهرها اتفرد بغريزة، بس متحركتش بعيد.
وطى صوته. "أنا قولتلك بدري، بحب أشتغل لوقت متأخر. بس الحقيقة... أنا بس بحب إحساس المكتب لما الكل بيمشي."
قلب ميرا دق بسرعة.
"هادي،" كمل. "وضلمة. وشوية خطر."
بص لميرا كأنها هي الخطر. كأنه يقدر يشوف نبضها وهو بيجري تحت جلدها.
"ما تقلقيش،" قال، وهو بيرجع لورا. "مش هتخطى أي حدود."
"كويس،" قالت، مع إن صوتها طلع مش ثابت شوية.
"بس إنتي ممكن تتخطي،" أضاف، وهو بيبص وراه بابتسامة شيطانية. "في وقت من الأوقات."
كان المفروض تقول أي حاجة. أي حاجة. تحجمه في مكانه.
بس كل اللي قدرت تفكر فيه هو الطريقة اللي بص بيها لها، والإحساس الغريب اللي بيقطع النَفَس اللي وجوده سابه جواها.
لما اختفى في الطرقة، قعدت ببطء، وإيديها كانت بتترعش خفيف على المكتب.
إيه اللي حصل ده؟ فكرت في نفسها.
ميرا مكنتش متعودة تحضر الحفلات المسائية. كانت بتفضل دايماً تكون هي اللي بتنسق من ورا الستار. بس لما مؤسسة باربوسكا عملت سهرتها السنوية في الصيف، مكنش قدامها حل غير إنها تكون موجودة.
قاعة الحفلات الكبيرة كانت بتلمع بإضاءة دهبي خافتة والضحك مالي المكان. كاسات الشمبانيا بتخبط في بعض، والمزيكا شغالة بهدوء في الخلفية، والكل كان لابس عشان يبهر التانيين. كان النوع ده من الحفلات اللي ميرا متعودة تندمج فيه: رصينة، أنيقة، ومختفية ورا نوتة أو سماعة.
ميرا عدلت حمالة فستانها الأبيض في بينك اللؤلؤي وحاولت تتجاهل إحساس الضيق اللي حاساه عند صدرها. فستانها كان محتشم بس أنيق، ومعاه جزمة بكعب واطي كالعادة. وشعرها الطبيعي مربوط كحكة مشدودة.
راجعت قايمة الضيوف تلات مرات. وحفظت خريطة أماكن القعدة. كانت مسيطرة على كل حاجة.
لحد ما شافته.
توماس.
مش نسخة توماس اللي بيلبس هودي وكوتشي اللي اتعودت عليه.
توماس ده كان لابس بنطلون أسود مظبوط، وكوتشي أبيض نضيف، وقميص أبيض مكوي والكمام متشمّرة بالظبط عشان تبين دراعه، ومتعلق من رقبته كرافتة بينك مشجرة مربوطة بـ رخاوة كأنه مبيحاولش يبان مهتم أوي. وشعره مسرح لورا بـ عشوائية.
ميرا كانت هتتشرق في مشروبها.
طريقة القماش وهو حاضن جسمه الطويل، كان شكله زي حلم أي بنت لمدير تنفيذي صغير وشيك ومثير ومبيتبعش قوانين حد. من غير مجهود، خطر، وسيم، كأنه حتى مش بيحاول.
كأنه حس بنظراتها، توماس بص للناحية التانية من الأوضة وقابل عينيها. ابتسامة خبيثة اترسمت على شفايفه البينك.
ميرا لفت وشها بسرعة، وبلعت ريقها بصعوبة.
"ما تبصيش له كده يا ميرا،" دمدمت لنفسها، "ده مديرك. مديرك الأصغر منك."
بس خطوات قربت منها، كانت هادية وواثقة. "إيه الأخبار؟"
ميرا مالتفتش. "أنا بشتغل."
"وأنا اللي كنت فاكر إن الليلة دي عشان نحتفل بالشغل." قرب منها أكتر شوية. كانت قادرة تحس بدفا نَفَسه جنب ودنها. "شكلك... مش معقول."
ميرا بلعت ريقها.
"أنا هنا بس عشان أتأكد إنك مش هتحرج نفسك قدام مجلس الإدارة."
توماس ضحك - ضحكة واطية، ناعمة، ومش مهتم خالص. "ده اللي بتقوليه لنفسك عشان تعرفي تنامي بالليل؟"
لفت وشها، وقابلت عينيه، كانت غامقة، وشقية، ومليانة قصد.
"أنا سكرتيرتك،" قالت بحزم. "مش... أي حاجة إنت فاكرها."
ابتسم بخبث، "قوليلي حاجة،" قال. "دايما بتصعبيها على الناس عشان يعرفوكي؟"
رجعت لورا خطوة. كانت غلطة. لأنه مشي وراها، ودلوقتي كانوا واقفين قريبين من بعض بزيادة. ضهرها لمس طرف عمود رخام طويل، وكف إيده كان مسنود بلامبالاة فوق راسها.
"ده مش مناسب،" همست، لنفسها تقريباً.
صوته نزل. "لو أنا مش مهتم؟"
عين ميرا نزلت بسرعة على الكرافتة البينك المشجرة. بتداعبها. مثالية. وبتشتت الانتباه.
"إنت صغير أوي عليا." قالت، وعينيها رجعت اتعلقت بعينيه.
"وإنتي متوترة أوي معايا،" رد، وعينيه نزلت للحظة على بوقها. "واحد فينا لازم يعمل حاجة بخصوص ده."
طلعت زفرة ببطء. "توماس..."
"أيوه؟" همس، وقرب كفاية عشان نَفَسها يتقطع. شفايفهم كانت على بعد همسة. والحرارة اللي بينهم كانت ملموسة.
مالت راسها، بس كفاية عشان تتفادى التلامس. "ده مش احترافي."
ضحك بهدوء، وشفايفه مالت بالابتسامة الشريرة اللي لايقة عليه أوي. "أنا مش فارق معايا أي حاجة."
كان المفروض تمشي، كان المفروض تفكره بأدوارهم. وفرق السن بينهم. وأبوه. وشغلها.
بس بدل ده، فضلت واقفة مكانها، قلبها بيدق، وعينيها متثبتة على الولد اللي قدامها.
ميرا كانت كارهة إزاي جسمها بيتجاوب معاه. وإزاي ريحته لسه موجودة حتى وهو بيبعد.
سيبها وراح، وقلبها لسه بيدق، وجسمها لسه بيترعش من قربه منها.
ميرا مكنتش عارفة هي متمسكة بضبط أعصابها، ولا هي على بعد ثواني من إنها تسيبها تنهار.