المكتبة

التصنيفات

رومانسية فانتازيا كورية رعب وغموض أكشن وإثارة خيال علمي تاريخية دراما

بداية غزاة الشمال | رواية عصر الفايكينج (الفصل الأول)

بداية غزاة الشمال

السور القديم كان بيقع في كذا حتة، نقص العمال بسبب الحروب منعنا من إننا نصلحه كويس. قريتنا مكنتش مهمة كفاية عشان يكون ليها واجهة حجرية زي أغلب المدن. كتلة الأرض الضخمة، اللي مزروع فوقها خشب مدبب، كانت بتنزلق بالتدريج من خلال طبقة الألواح الخارجية، وبتملا الخندق تدريجياً. ومع إن السور كان لسه عالي ومبهر، مكنش هيحمينا كتير قدام غزاة مصممين.
تحميل الفصول...
                       أنا بموت.

مش النهاردة، ولا بكرة، بس حاسة بجسمي بيستسلم للمعركة بالتدريج.

مش مهم، أنا مستعدة. عشت حياة طويلة ومليانة، وولادي اللي قدروا ينجوا من قسوة دنيتنا بقوا كبار دلوقتي.

الموت مش مخوفني. جوزي واجهه كتير، ودخلنا في جدالات كتير عن الآخرة. ورغم كل السنين اللي حاولت فيها أهديه للإيمان الحق، لسه مؤمن بأودين وآلهته الوثنية. قريب هيكون معايا دليل إني كنت على حق. هيتسلى قلبي وأنا بشوف وشه لما يلحق بيا على أبواب السما، ويكتشف إن المسيح هو الإله الوحيد.

ندمي الوحيد هو إني مش هشوف عيلتي تاني.

أنا متولدتش في المكان ده. أبويا كان "ثين" صاحب مكانة كويسة، في بلد بعيدة كنا بنسميها إنجلترا. كان بيحكم بلدة صغيرة هادية، قريبة من تشيستر، على ساحل ميرسيا.

كنت أصغر العيال، والبنت الوحيدة. أمي ماتت بسبب حُمى وأنا لسه طفلة صغيرة، دايماً كانوا بيقولوا لي إني نسخة طبق الأصل منها.

ممكن ده السبب في إن إخواتي الأربعة وأبويا كانوا بيدلعوني جداً. وأنا صغيرة، كنت متدلعة بشكل ملوش حدود. كنت بجنن الخدم، وعارفة إني مش هتعاقب. مفيش أي أذى ممكن يطولني، كنت لا أقهر. طيب، إخواتي المحاربين كانوا كده. كنت شيطانة صغيرة، بس كنت مبسوطة.

كنا عايشين حياة هادية، ورا الأسوار القديمة اللي بناها الملك ألفريد. كنت بحب أتمشى فوقها، وأتفرج على البحر، وسط يأس "أيليث"، خادمتي.

بس، الملك القديم مبقاش موجود. وفي مكانه حكم راجل ضعيف، "إيثيلريد" غير المستعد. بعيد عن البراعة العسكرية للي قبله، خسر معارك كتير. آخر هزيمة ليه، قدام ملك الدنماركيين "سفين فوركبيرد"، كلفته كتير جداً. كان لازم يدفع جزية باهظة للفايكنج عشان يشتري السلام. كان عندي اتناشر سنة لما ده حصل، ولسه فاكرة نظرة الخزي اللي كانت على وش أبويا وهو بيسمع الخبر.

عدت سنتين، والقراصنة طمعوا.

واحد منهم، غازي من جزيرة شمالية كبيرة، لقى ملجأنا الصغير ده. جه مجهز بسلاح تقيل، ومعاه محاربين كتير. مكنش عندنا القوة عشان نحاربه. كتير من قرايبنا كانوا ماتوا أو اتخطفوا للعبودية في حروب الملك، والأسوار لوحدها مكنتش تقدر تحمينا.

اتنفسنا الصعداء لما مهاجمناش، وطلب فدية بدال ده. مقابل عشرين باوند من الفضة في السنة، هيسيبنا في حالنا. كان تمن غالي، بس هنعمل إيه والملك نفسه انحنى؟ مكنش هيساعدنا.

أبويا بلع كبريائه كمحارب وفضى خزنته عشان خاطر مصلحة شعبنا.

الغازيين رجعوا السنة اللي بعدها ودفعنا اللي طلبوه، بالعافية.

السنة دي مجاليش المجوهرات اللي كنت بطمع فيها في عيد ميلادي. مكنتش بشتكي؛ مكنش معانا تمنها.

بس الحياة استمرت كأن محصلش حاجة، لحد الصيف اللي بعده. عواصف رعدية مرعبة ضربت البلد، ونزلت بَرَد تقيل. محاصيلنا اتدمرت تماماً واتساوت بالأرض. لو مكناش عايزين نموت من الجوع في الشتا ده، كان لازم نشتري أكلنا.

أبويا كان حزين جداً الأيام دي، كان رايح جاي في القاعة وبيصرف ساعات في الصلاة. كنت شايفة إنه بيائس. الفايكنج كانوا جايين قريب ومش هنقدر ندفع.

فاكرة ابتسامته المجهدة في الصبح المشؤوم ده، لما تمنيت له يوم سعيد.

مكنتش أعرف إني عمري ما هعمل كده تاني.



جزية الفايكنج - الفصل الأول: ضيوف غير مرحب بهم

سبت السور اللي بيحيط ببيوت العيلة وعديت القرية عشان أطلع فوق السور، ووسخت إيدي وفستاني وأنا بعمل كده. السلم القديم كان متوسخ من كتر الاستخدام، بس لسه متين كفاية عشان خادمتي تطلع ورايا، وهي بتنهج وتنفخ. عرضت عليها أساعدها بس رفضت، وفضلت تسحب نفسها لحد ما وصلت للقمة. هزيت كتفي واستمتعت بالمنظر، وأنا بزق خصلة شعر متمردة ورا ودني.

السور القديم كان بيقع في كذا حتة، نقص العمال بسبب الحروب منعنا من إننا نصلحه كويس. قريتنا مكنتش مهمة كفاية عشان يكون ليها واجهة حجرية زي أغلب المدن. كتلة الأرض الضخمة، اللي مزروع فوقها خشب مدبب، كانت بتنزلق بالتدريج من خلال طبقة الألواح الخارجية، وبتملا الخندق تدريجياً. ومع إن السور كان لسه عالي ومبهر، مكنش هيحمينا كتير قدام غزاة مصممين.

مساحة صغيرة بين عمودين سمحتلي إني أتأمل البحر، وهو بيلمع تحت أشعة شمس سبتمبر الدافية. فضلت هناك شوية، أتفرج على الصيادين وهما بيسحبوا الشباك على المراكب، لحد ما "أيليث" شدت كمي.

"ممكن ألقي نظرة يا سيدة؟ مش استحق مكافأة عشان طلعت لحد هنا وأنا في حالتي دي؟" قالت وهي بتبوز، وبتحط إيدها على بطنها المكورة.

ابتسمت لها، بشوية غيرة. كانت بالنسبة لي صاحبة أكتر منها خادمة، إحنا اتربينا مع بعض. رغم إنها أصغر مني بسنة، كانت بتتصرف كأنها ست كبيرة من وهي صغيرة، واتجوزت الحداد بتاعنا السنة اللي فاتت. ودلوقتي مستنية أول طفل ليها، وأنا حتى مكنتش اتخطبت، وأنا عندي ستة عشر سنة، سن يعتبر متأخر.

تنهدت، وسبت لها مكاني ولفيت وشي ناحية القرية. مكنش ذنبي ولا ذنب أبويا إني ملاقتش جوز. كوني من النبلاء، مكنتش أقدر أجوز غير نبيل، وصف العرسان المحتملين كان قل جداً في المعارك الأخيرة. كان فيه عرايس كتير أكتر من العرسان، والاختيار غالباً كان بيعتمد على حجم المهر. وفي ورطتنا الحالية، مهري كان ملوش وجود.

ممكن رجالة كتير كانوا يغضوا الطرف عن ده، لو كانوا أغنياء كفاية والعروسة جميلة، بس أنا كنت أعتبر "حلوة" مش أكتر. شعري الأحمر الغامق بتجعيداته البرية وعيوني البنية العادية مكنوش ييجوا حاجة جنب ستات البلاط الملكي الجمال.

الفكرة دي حزنتني؛ كنت بحب أبويا جداً، وكان نفسي أشرفه. عشان أطرد الفكرة دي، اتفرجت على البيوت اللي تحتي، وأنا حاسة بفخر إني عارفة اسم كل واحد فيهم. ممكن أكون متهورة أحياناً، بس كنت بهتم بأهل قريتي. استنشقت ريحة الدخان والطحالب وروث الحيوانات بعمق. يمكن ميبانش إنها ريحة حلوة، بس بالنسبة لي كانت ريحة البيت.

شهقة من "أيليث" نبهتني.

"في حاجة غلط؟ ده البيبي؟"

لفت وشها الشاحب ناحيتي. كانت باين عليها الألم.

"محتاجة مساعدة؟ ممكن أروح أجيب جوزك..."

حسيت بالذنب إني خليتها تطلع. يا ترى لو ده كان السبب في ضررها؟

هزت راسها، ولقت صوتها بالعافية.

"الفايكنج، هيكونوا هنا كمان شوية. السفن الكبيرة داخلة الخليج."

جرينا رجعنا البيت واقتحمت القاعة عشان أحذر أبويا. كان محتاج وقت عشان يستعد. كان مأمل إنه يقنعهم يستنوا سنة كمان. وعشان يهديهم، كان عايز يعرض عليهم استقبال وتكريم ومأدبة. كان عندي شكوك، بس عملت كل اللي أقدر عليه عشان أخبيها. القراصنة دول عبارة عن وحوش طماعة. ليه هيحنوا علينا؟ ومع ذلك، وعدت إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أساعد.

عديت على المطبخ عشان أدي أوامر للطباخين، وبعدين طلبت من الخدم يحضروا لي حمام ويكون فيه مية سخنة زيادة. كنت سمعت إن الوثنيين بيحبوا الاستحمام، يمكن يقدروا الاهتمام ده بعد أيام في البحر.

النورسيين كان ليهم سمعة إنهم بيحبوا الستات. لو خليت نفسي جميلة على قد ما أقدر، يمكن رئيسهم يميل إنه يعمل لي معروف؟

كان تفكير غبي جداً، كنت صغيرة وبريئة في الوقت ده، ومكنتش أعرف كتير عن الرجالة. كنت فاكرة إني أقدر أخليه يسمعني، ومكنتش عارفة إني كنت بلعب بالنار.


جزية الفايكنج - الفصل الثاني: مأدبة القدر

كان الوقت لسه بعد الضهر بشوية لما روحت قاعة أبويا. الساعة كانت غريبة على عزومة، بس رئيس الفايكنج رفض يبات الليلة. كان عايز يمشي مع جزر المساء، أول ما يملي مخازنه من المية العذبة والأكل. وده ساب وقت أقل لأبويا عشان يترافع عن قضيته.

كنت لابسة لبس الخروج بتاعي، قميص خفيف من الحرير والكتان وفستان حرير بكم قصير. القماش الأخضر الفاتح كان بيلمع في النور، ومطرز بخيوط دهب. شعري كان سايب من غير ضفيرة، زي ما يليق ببنت بنوت، وكان واصل لتحت وسطي، تحت طرحة خفيفة وتاج دهب. عصير التوت خلى شفايفي وخدودي محمرة، واكتفيت بقلادة واحدة من خرز دهب صغير. كنت محتاجة أكرمه، مش أستعرض غنى.

عند باب القاعة، ترددت. مكنتش شفت الراجل ده قبل كده، لأنهم كانوا بيخبوني بعيد في زياراته اللي فاتت. يا ترى لو كان وحش؟ لفترة قصيرة، تخيلته كأنه غول، مقرف ومخيف. هزيت راسي، وطرَدت الأفكار الطفولية دي. كان مجرد راجل تاني، بس من نوع أخطر. مش هبين خوفي.

مع كده، كنت متوترة وأنا داخلة، واستخبيت لحظات في الضلمة جنب الباب. الأوضة الطويلة الضلمة كانت منورة بمشاعل، نورها المتراقص منعكس على دهب الأواني والكوبايات اللي على التربيزات. كانوا مترتبين على شكل حرف "يو" حوالين الموقد في النص، والفتحة اللي في السقف فوق كانت مدخلة شعاع شمس رفيع. سجاجيد جميلة كانت متعلقة على الحيطان، بعضها من شغل أمي. ممكن متبهرش الراجل ده؛ ستات النورس معروفين بمهارتهم الاستثنائية على النول. بس بالنسبة لي كانت لا تقدر بتمن، لأنها كل اللي فاضل لي منها.

تنهدت بارتياح وأنا بشوف مفرش التربيزة النضيف والأعشاب المطحونة على أرضية الطين. تعليماتي اتنفذت صح. هزيت راسي للخدم؛ كانوا خدوا بالهم من وجودي وبصوا لي بانتظار.

رغم مساحتها الكبيرة، الأوضة كانت زحمة. رجالة لابسين كويس كانوا واقفين، مستعدين يقعدوا على البنشات، نصهم مكنتش أعرفهم. أكيد كانوا بتوعه.

حددت مكان إخواتي، في طرف التربيزة العالي. تلاتة أجانب كانوا على الناحية التانية منها، وفي النص كان واقف أبويا مع غريب تاني: هو.

ضيقت عيني على راجل النورس الطويل، واتصدمت إنه اختار يلبس درعه الشبك في عزومة. كانت علامة تحدي وإهانة لأهلي، كأنه بيقول إننا ممكن نتجاهل قوانين الضيافة. الراجل ده أكيد كان عنده أعداء كتير.

مكنش وحش زي ما كنت فاكرة، وده أثبت إن المظاهر خداعة. ممكن حتى أقول إنه كان وسيم، بطريقة باردة وقاسية. شعره كان فاتح، لونه باهت من الملح والشمس، وشه كان مسمر. كان عنده عيون صافية، رغم إني مقدرتش أحدد لونها. وطبعاً، كان قوي، كلهم كانوا كده. التدريب الشاق والشد على المجاذيف بيخلي الأجسام الضخمة دي.

عيني رجعت لوشه وفزعت لما اتقابلنا. كان أخد باله مني. ثبت عيني في عينه فترة كافية، وهو بيميل ناحية أبويا، بيتكلم معاه. أبويا شاور لي أتقدم وهما بيقعدوا.

جمعت كل شجاعتي، رفعت راسي ومشيت ناحيتهم. كان لازم بس أبتسم، وأحييه وأقدم له مشروب. وبعدين أقدر أمشي، عادات الساكسون مكنتش بتسمح للستات يقعدوا مع الرجالة.

وقفت بطولي قدامهم، والخدم جابوا الميد (مشروب العسل).

"اللورد إينار، دي بنتي، السيدة سونجيفو."

أنا انحنيت وهو هز راسه.

"سونجيفو، هبة الشمس... اسم في غاية الجمال، لايق على السيدة اللي لابساه."

ابتسم وأنا شكرته بجمود. مكنتش بحب وقع اسمي، أمي اختارته عشان اتولدت بشوية خصلات شعر لون النار واقفين فوق راسي.

محرجة، انشغلت بتحضير التحية، وهو قريب تجاهلني.

"إذاً،" قال لأبويا، "إزاي ناوي تدفع لي لو مش بالفضة؟"

"إيه اللي ممكن تقبله كدفع؟"

الفايكنج كان باين عليه بيفكر في خياراته. سرقت نظرة وقشعريرت من الابتسامة المقرفة على وشه.

"مش هقدر أقبل ماشية لأني مش هقدر أنقلها. العبيد ينفعوا، البنات الشابات الحلوين ممكن يجيبوا تمن كويس في السوق. عندنا رجالة كتير. خلينا نقول، خمسة عشر منهم."

شهقت من ده، وإيدي بدأت ترعش. مكنش عندنا أي بنات وسط عبيدنا، أغلبهم كانوا رجالة مأسورين في معارك. الستات القليلين اللي عندنا مكنوش في ريعان شبابهم.

لو أبويا كان مصدوم، خبا ده كويس. بدل ما يعترض، بدأ يفاصل. وبعدين فهمت، ومعدتي اتقبضت. الوحش ده كان هياخد ستات أحرار.

"خمسة، عبدة شابة جميلة ممكن تجيب تلاتة باوند من الفضة."

ضحك.

"عشرة، لازم تكون جميلة بشكل مذهل عشان توصل للرقم ده."

"سبعة..."

ركزت في مهمتي، وقفلت عقلي عن المفاصلة المقززة دي. صبيت الميد بالراحة في قرن الاحتفال الكبير، وحريصة إني مدلقهوش. كنت لسه حاطة الإبريق على التربيزة لما سمعت:

"ستة، لو ضفت أرملة شابة لعوب، هستغرب لو مفيش واحدة حوالين هنا. رجالة بتوعي ممكن يستخدموا شوية ترفيه."

وشي اصفر من ده، وعيني وسعت وأنا بتخيل الأهوال اللي مستنية البنت المسكينة. كان فيه واحدة فعلاً، ماجي، أرملة راجل حر فقير. كان عامل في المزرعة، وسابها من غير أطفال ولا موارد لما مات. كانت مضطرة تقبل رجالة في سريرها مقابل أكل، وإلا كانت هتموت من الجوع.

الفايكنج أخد باله من رد فعلي وابتسم لي.

"إذاً، فيه واحدة. كويس. وبنتك هتكون واحدة منهم؛ هتكون مكافأتي الشخصية على تساهلي معاكم."

وشه اتصلب.

"كان ممكن أختار أدبح شعبك وأحرق قريتك، وهعمل كده لو خذلتني تاني."

خدت مني كام لحظة عشان أرد، من كتر الصدمة من كلامه. وبعدين، أعصابي غلبتني. من غير تفكير، رميت محتويات القرن في وشه.

"عمري ما هكون ليك، يا ابن الحرام!"

فجأة، الأوضة سكتت. كل العيون كانت عليا. بصيت بجمود لأبويا، وتعبير الرعب على وشه.

"سونجيفو، اخرجي، دلوقتي!"

صوته كان مسطح وبارد.

لفيت وجريت على أوضتي، مكنش فارق معايا مظهري خلاص. رميت نفسي على السرير، وراسي بين إيدي. أنا عملت إيه؟