في المدينة المنورة، المكان اللي مشي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط المؤمنين، كان فيه يتيم، ولد ملوش أب يصرف عليه، ولا ولي يحمي حقوقه، غير الله ورسوله.
اليتيم ده، وهو بيحاول يبني سور بسيط عشان يحوط أرضه، لقى مجهوده واقف بسبب نخلة واحدة، نخلة كانت ملك لراجل تاني. مهما عمل، ماقدرش يكمل السور بتاعه إلا لو سمحوله بالنخلة دي.
بقلب مليان وجع، اليتيم طلب المساعدة من خير الخلق، النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
النبي صلى الله عليه وسلم، اللي كان دايماً دليل وحامي للضعفاء، سمع شكوى الولد والتفت لصاحب النخلة. وبصوت مليان حكمة ورحمة، قال: "تصدق بها على أخيك، ولك نخلة في الجنة".
نخلة واحدة في الدنيا الفانية مقابل نخلة في جنات الخلد، صفقة ما تتوزنش. لكن الراجل، متمسك جداً بملكه الدنيوي، رفض.
"يا رسول الله، نخلتي بتطرح طرح كويس، ماقدرش أستغنى عنها"، رد عليه.
النبي صلى الله عليه وسلم ما أجبروش، لأن الكرم الحقيقي لازم ييجي من القلب.
من ضمن اللي شافوا الموقف ده كان أبو الدحداح رضي الله عنه، راجل معروف بإخلاصه وكرمه. سمع كلام النبي، وفيه حاجة اتحركت جوه قلبه.
خطى خطوة قدام والتفت للنبي صلى الله عليه وسلم. "يا رسول الله، لو اشتريت النخلة دي واديتها لليتيم، هيكون لي النخلة دي في الجنة؟"
وش النبي نور. "نعم، يا أبا الدحداح!" قال.
من غير تردد، أبو الدحداح قرب من صاحب النخلة. صوته كان ثابت، وهدفه واضح. "تبيع لي النخلة دي؟" سأل.
الراجل، لسه متعلق بملكه، تردد. "هتديني إيه قصادها؟"
أبو الدحداح ما فصالش بفلوس أو مبالغ قليلة. كان عارف إيه المهم. "هدي لك بستاني كله"، قال.
ده ما كانش بستان عادي. أرض أبو الدحداح كانت خضراء، مليانة نخل كتير، مصدر للرزق وللمعيشة. ده كان بيته، ومصدر أكله وشربه. ومع كده، في قلبه، شاف حاجة أكبر، وعد الله، وجزاء الجنة. (بعض الروايات بتقول كان عنده من أربعمائة لستمائة نخلة في البستان).
صاحب النخلة، اتفاجئ بالعرض، ووافق من غير تردد. بالنسبة له، ده كان مكسب دنيوي. وبالنسبة لأبو الدحداح، دي كانت تجارة مع الله.
من غير تأخير، أبو الدحداح رجع للنبي صلى الله عليه وسلم. "يا رسول الله، اشتريت النخلة واديتها لليتيم!"
النبي صلى الله عليه وسلم ابتسم وقال: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة!"
أبو الدحداح اتخلى عن أغلى حاجة عنده في الدنيا، لكنه ضمن لنفسه حاجة أكبر بكتير، بستان في الجنة، زرعه الله بإيده.
دي كانت التجارة الحقيقية. مش تجارة مال بمال، لكن تجارة إيمان بالخلود.
بعدها أبو الدحداح جرى على بيته، والروايات بتقول إنه ما دخلش البستان، نادى مراته من بره، ليه ما دخلش؟ لأنه ما كانش عايز قلبه يفتكر الذكريات وجمال البستان، لدرجة إنه ممكن يتراجع عن الصفقة.
مراته خرجت، وسألته ليه نادى عليها، فأبو الدحداح قال لها إنه باع كل حاجة. "باعها لمين؟" سألت، "لله"، قال.
إيه كان رد فعلها؟ خلي في بالك، العيلة دي كلها ممكن تبقى من غير مأوى، أبو الدحداح ما بقاش عنده ممتلكات تانية! إزاي ردت؟
بدل ما تحس بالإحباط أو القلق، قالت "بخ بخ يا أبا الدحداح، ربح البيع!"
أبو الدحداح المعروف كمان بثابت بن الدحداح استشهد بعد كده في غزوة أحد اللي حصلت سنة ستمائة وخمسة وعشرين ميلادية.
في غزوة أحد، والمسلمين بيواجهوا الصعاب والنبي صلى الله عليه وسلم اتصاب، نادى: "من يرد هؤلاء القوم، وله الجنة؟" أبو الدحداح رضي الله عنه استجاب من غير تردد، ودخل في قلب المعركة عشان يحمي النبي صلى الله عليه وسلم. قاتل بشجاعة لحد ما استشهد. ولما لقوا جسمانه، النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة!"
-----
شمس العرب الحارقة كانت بتصب لهيبها على المدينة المنورة، وبتلقي ظلال طويلة على شوارعها الضيقة. كان أبو لبابة بن عبد المنذر ماشي بخطوات محسوبة، وقلبه مثقل بعبء قرار كان لازم ياخده. راجل صاحب عهد، كان بايع النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الولاء، ووقف جنبه ثابت في الحرب وفي السلم. لكن النهاردة، علاقاته القديمة وواجبه الحالي بقوا في صراع في اختبار ما كانش يتوقعه أبداً.
الهوا في المدينة كان تقيل ببواقي الحرب. غزوة الخندق انتهت بانتصار، لكن المدينة كانت لسه بتعاني من غدر بني قريظة. كانوا حلفاء في يوم من الأيام، مربوطين باتفاق مع المسلمين، لكن لما قريش وحلفائهم حاصروا المدينة، بني قريظة انقلبوا. فكروا في الخيانة، وغدرهم ده كان هيضيع المسلمين لولا لطف الله.
دلوقتي، حصنهم محاصر. الحصار استمر أيام. الأكل بدأ يخلص، وصراخ العيال الخايفين كان مسموع من جوه الحيطان العالية. رجالة القبيلة عرفوا إنه مافيش مهرب، فبعتوا رسالة، بيطلبوا فيها التفاوض على شروط. بس مش مع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. كانوا عايزين أبو لبابة.
أبو لبابة كان في يوم من الأيام قريب منهم. قبل ما الإسلام يغير مسار حياته، كانوا حلفاء. كانوا بيثقوا فيه. وممكن، للحظة، حس بالألفة القديمة بتسيطر عليه وهو بيدخل حصنهم. (سنة ستمائة وسبعة وعشرين ميلادية)
الهوا كان مكتوم جوه الحصن. عيون تعبانة وبترجى، بصت له. كبار بني قريظة قعدوا في صمت، ووشوشهم باين عليها الهم. المحاربين، اللي بقوا يائسين، حبسوا أنفاسهم. بس أكتر حاجة وجعت قلبه كانت رؤية الستات والأطفال، وشوشهم المليانة دموع، وإيدين الأمهات اللي بترتعش وهما حاضنين عيالهم.
اتقدموا وقالوا: "هيحصل فينا إيه لو استسلمنا؟"
زوره اتخنق. كان عارف الإجابة. حارب جنب النبي صلى الله عليه وسلم فترة كافية تخليه يفهم إن الخيانة في وقت الحرب ما ينفعش تمر من غير عقاب. كان عارف كويس المصير اللي مستنيهم، وحكم سعد بن معاذ، اللي كان اتوكل عشان يقرر عقابهم. ومع ذلك، في اللحظة دي، ولما واجه العيون الحزينة لناس كانوا في يوم بيسموه صاحب، عزيمته ضعفت.
من غير كلام، ومن غير حتى تفكير، إيده اترفعت ناحية رقبته. إشارة بسيطة، حركة عفوية. علامة على اللي مستنيهم.
نفس واحد مر قبل ما الإدراك يضربه زي الصاعقة. دمه برد.
هو عمل إيه؟
في المناسبة دي نزلت الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ عِنْدَ اللَّهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (القرآن الكريم 8:27-28).
غلب عليه الخجل، خرج من الحصن وراح على طول ناحية مسجد المدينة، وربط نفسه في واحد من أعمدته في مسجد النبي، ونادى: "ماحدش يفكني لحد ما الله سبحانه وتعالى يقبل توبتي واستغفاري".
أبو لبابة فضل في الحالة دي من عشرة لخمسطشر يوم، ما كانش بيسمح لنفسه يتفك إلا للصلاة أو عشان يروح الحمام.
"لو كان أبو لبابة جالي، كنت استغفرت له، بس بما إنه هو نفسه مستني مغفرة الله، سيبوه لحد ما الله سبحانه وتعالى يغفر له"، النبي محمد علق لما عرف اللي عمله أبو لبابة.
أم المؤمنين أم سلمة بتقول: "في يوم، وقت الفجر، شفت النبي محمد سعيد وبيضحك. الله سبحانه وتعالى يديم عليك الضحكة! إيه السبب؟" سألته.
النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: "جبريل بلغني إن توبة أبو لبابة اتقبلت".
قلت له: "يا رسول الله، ممكن آذن له وأبشره بالخبر الحلو؟"
"لو تحبي تقدري"، رد عليها. ومن جوه الأوضة ناديت: "أبشر يا أبا لبابة! الله سبحانه وتعالى قبل توبتك".
الناس جريت عشان تفكه بس هو أمرهم: "بقسم عليكم بالله سبحانه وتعالى، ماحدش يفكني غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم".
لما النبي محمد وصل المسجد لصلاة الفجر، فك أبو لبابة من العمود اللي لسه موجود لحد النهاردة في مسجد النبي، ومعروف باسم "أسطوانة التوبة" أو "أسطوانة أبي لبابة".
ملحوظة: أبو لبابة هو جار اليتيم اللي بدل نخلة ببستان أبي الدحداح في القصة اللي فاتت.
---
في سجلات التاريخ، ومن بين أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم اللي مالهمش عد، كان فيه واحد اسمه نادراً ما يتذكر في المجالس الكبيرة، لكن قصته ليها صدى بمعاني عميقة، وهو جليبيب رضي الله عنه. كانت حياته مليانة وحدة، وموسومة بكلمات المجتمع القاسية. كان قصير، وملامحه ما كانتش جذابة، ونسبه مجهول، وما كانش ليه قبيلة يعتزي بيها. في أزقة المدينة، العيال كانوا بيتريقوا عليه والناس بتبعد عينيها عنه. لكن الله كان كاتب له مصير تاني، مصير هيخلي اسمه مذكور بين الصالحين.
رغم الرفض والوحدة، جليبيب لقى السكينة في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم. كان بيقعد بتواضع عند رجليه، يشرب من كلامه، وعمره ما تجرأ يطلب أي حاجة، بس النبي صلى الله عليه وسلم كان شايف أبعد من المظاهر، كان شايف جمال روح جليبيب. وفي يوم، النبي التفت له وقال: "يا جليبيب، ألا تتزوج؟"
جليبيب رضي الله عنه تردد قبل ما يجاوب بصوت واطي، يكاد يكون بيترعش: "يا رسول الله، ومَن يُزوِّجني يا رسول الله؟"
لكن النبي كان عارف حزنه اللي مش بيقوله، وشوقه للصحبة، وللحب، وللكرامة في عيون اللي نبذوه، وعشان كده، قرر يغير مكانة جليبيب. راح لراجل من الأنصار وقال له: "أريد أن أزوج ابنتك".
وش الراجل نور بالفرحة. "يا لها من نعمة يا رسول الله، ومن أحسن من ذلك!"
"ليس لنفسي"، النبي صلى الله عليه وسلم أضاف، "ولكن لجليبيب".
سكت الراجل. والفرحة اللي كانت على وش الأنصاري بدأت تبهت. "دعني أستأمر أمها"، قال.
لما الخبر وصل للأم، اتصدمت. "جليبيب؟ لا! والله لا نزوجه".
ولما أصوات الرفض بدأت تعلى، صوت هادي بس حازم قطع كلامهم. كانت البنت. "أتردون على رسول الله أمره؟ ادفعوني إليه، فإنه لن يضيّعني".
تقيل كلامها سكتهم كلهم. هي فهمت حاجة ناس كتير ما قدروش يستوعبوها، إن المقياس الحقيقي للشخص مش في شكله، لكن في أخلاقه، وإن أي طريق يرسمه النبي صلى الله عليه وسلم هو طريق للخير. ولما النبي سمع ردها، رفع إيديه ودعى لها: "اللهم صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً".
وحقيقي، ما كانش فيه بين نساء الأنصار أكتر منها حظ.
جليبيب رضي الله عنه لقى الحب، والكرامة، ومكان في عيلة كانت في يوم من الأيام مترددة تقبله، لكن قصته ما انتهتش هنا. خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، ولما المعركة خلصت، النبي سأل: "هل تفقدون من أحد؟" قالوا له أسماء الشهداء، بس ما حدش ذكر جليبيب. النبي سأل تاني: "هل تفقدون من أحد؟"
"لا يا رسول الله".
ساعتها، وبصوت مليان حزن، النبي قال: "لكني أفقد جليبيب".
الصحابة دوروا في أرض المعركة لحد ما لقوه، صغير في جسمه، بس عظيم في روحه. كان حواليه جثث سبعة من الأعداء اللي قتلهم قبل ما يستشهد. النبي صلى الله عليه وسلم نزل على ركبه جنبه وحضنه بإيديه، وصوته مليان حب وفخر: "قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه".
ما كانش فيه مكان أحسن لجليبيب رضي الله عنه يرتاح فيه غير في حضن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبإيديه الشريفة، النبي صلى الله عليه وسلم حطه في قبره، فالشهيد مش محتاج غسل، دمه كان طهارته، وبكده اللي العالم كان بيبعد عنه في يوم من الأيام، بقى مكرم من أحب خلق الله إليه.
---
كان فيه راجل اسمه عمرو بن الجموح، كان واحد من سادة يثرب (المدينة) قبل الإسلام. كان سيد قبيلة بني سلمة ومعروف بكرمه وشجاعته. زي كتير من سادة يثرب، كان عنده صنم في بيته بيعبده، وكان مؤمن إنه بيجيب له البركة وبيحميه. صنمه "مناة" كان مصنوع من أغلى أنواع الخشب، وكان بيهتم بيه جداً، وبيدهنه بأحلى العطور ويقدم له القرابين.
في الوقت ده، الإسلام بدأ ينتشر في يثرب، وبالأخص بفضل جهود مصعب بن عمير، الصحابي اللي بعته النبي محمد صلى الله عليه وسلم عشان يعلم الناس الدين الجديد. كتير من الجيل الشاب، بما فيهم ولاد عمرو التلاتة، معاذ ومعوذ وخلاد، دخلوا في الإسلام. ومراته هند كمان أسلمت، لكنهم خبوا إيمانهم عن عمرو، عارفين هو قد إيه كان متعلق بتقاليد أجداده.
عمرو بدأ يحس بالقلق. كان خايف إن ولاده يتخلوا عن عبادة مناة ويتبعوا الدين الجديد. قال لمراته: "احذري أن يدخل أولادك على هذا الرجل قبل أن ننظر في أمره".
هند، اللي كانت بتحب جوزها جداً، كانت قلقانة على مصيره. ما كانتش عايزاه يفضل على الكفر والبيت كله بيتحول لعبادة الله الواحد. ولما شافت أهل يثرب بيدخلوا في الإسلام بأعداد كبيرة، كانت بتأمل إن عمرو يتبعهم قريب.
في يوم، قالت له: "هل تحب أن تسمع من ابنك معاذ ما تعلمه من هذا الرجل؟"
عمرو اتفاجئ. "هل صبأ معاذ عن دينه بغير علمي؟"
طمنته وقالت: "لا، ولكن قد حفظ شيئاً مما يقوله هذا الرجل".
عمرو نادى على ابنه: "يا معاذ، أسمعني مما يقوله هذا الرجل".
معاذ قرأ عليه سورة الفاتحة:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
عمرو اتعجب جداً. "ما أحسن هذا الكلام وما أجمله!" قال. "أكل كلامه هكذا؟"
معاذ رد: "نعم يا أبتاه. فهل لك أن تبايعه؟ فقد بايع قومك كلهم".
لكن عمرو لسه كان متردد. "لا أفعل حتى أستشير مناة وأرى ما يقول".
معاذ حاول يقنعه: "وأي شيء يقوله مناة يا أبتاه؟ إنما هو خشب، لا يعقل ولا ينطق".
عمرو، لسه متعلق بصنمه، رد بحزم: "قلت لك، لا أفعل شيئاً بغيره".
بعدها، راح قدام مناة وكلمه عشان يطلب منه الهداية. وزي ما كان متبع عند عباد الأصنام، كانت فيه عجوز أحياناً بترد بلسان الصنم، كأنها بتدعي إنه نطق، لكن المرة دي ما كانش فيه رد. عمرو اضطرب لكن قرر يسيب الموضوع كام يوم.
في الوقت ده، ولاده شافوا إن تعلق أبوهم بمناة بدأ يضعف، وقرروا يتحركوا. في ليلة، دخلوا غرفته في السر، وأخدوا مناة ورموه في حفرة قذارة لبني سلمة. الصبح، عمرو راح عشان يحيي إلهه بس لقاه مش موجود.
"ويحكم! من عدا على إلهنا الليلة؟" زعق.
ما حدش رد عليه. فضل يدور لحد ما لقى مناة محطوط على وشه في الحفرة. طلعه، وغسله، وعطره، ورجعه مكانه، وهو بيقول: "لو أعلم من فعل هذا لأخزيته".
لكن الليلة اللي بعدها، حصل نفس الشيء. ولاده أخدوا مناة تاني ورموه في الحفرة. وكل مرة عمرو كان بيطلعه، ينظفه ويرجعه مكانه، وبدأ يحس بضيق أكتر.
في الآخر، قرر يختبر إلهه. ربط سيف في رقبة الصنم وقال: "يا مناة، إني لا أعلم من يصنع بك هذا، فإن كان بك خير فادفع عن نفسك، فهذا سيف معي".
في الليلة دي، ولاده أخدوا الصنم تاني، بس المرة دي ربطوه بجثة حيوان ميت (بعض الروايات بتقول إنهم شالوا السيف بس) ورموه في الحفرة. الصبح، عمرو لقى الصنم بالحالة دي. أخيراً، أدرك عبث عبادته وقال: "لو كنت إلهاً لما كنت على هذه الحال". أسلم وكرس حياته كلها لخدمة الله ورسوله.
إيمان عمرو بقى قوي، ورغم سنه الكبير وضعفه الجسدي، كان عنده عرج في رجله، كان نفسه يشارك في الجهاد في سبيل الله. في غزوة أحد، ولاده التلاتة استعدوا عشان يخرجوا يحاربوا. عمرو، رغم إنه عدى الستين وكان بيعرج، أصر يروح معاهم.
ولاده اعترضوا وقالوا: "يا أبتاه، إن الله قد عذرك. فلماذا تكلف نفسك؟"
لكن عمرو رفض يسمع لهم. راح للنبي صلى الله عليه وسلم واشتكى وقال: "يا رسول الله، إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الخروج. والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة!"
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعوه، لعل الله يرزقه الشهادة".
قبل ما يخرج لأرض المعركة، عمرو التفت للقبلة ودعى دعوة طالعة من القلب: "اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائباً".
ومع احتدام المعركة، عمرو حارب بشجاعة، رغم ظروفه الجسدية. اتشاف في الصفوف الأولى، بينط على رجله السليمة وبيزعق: "إني لمشتاق إلى الجنة! إني لمشتاق إلى الجنة!" فضل يحارب بشجاعة لحد ما استشهد، هو وابنه خلاد.
بعد المعركة، النبي صلى الله عليه وسلم وقف فوق جثمان عمرو وقال: "كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة".
وهكذا، عمرو بن الجموح، اللي كان في يوم من الأيام مخلص جداً لعبادة الأصنام، نال أعلى شرف وهو الشهادة، وخد البشرى بالجنة.
عمرو اتدفن جنب أعظم الصحابة، صاحبه عبد الله بن عمرو، والشهيد مصعب بن عمير رضي الله عنهم.
واتروى إنه لما قبره اتفتح بعد عشرات السنين بسبب سيل أو تغيير في الأرض، جسمه كان زي ما يكون لسه مدفون، الوقت ما أثرش فيه، وده كان علامة من علامات بركة الله عليه. واتروى كمان إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفنه مع ابنه.
"ادفنوهما معاً، فإنهما كانا متحابين في الدنيا".