الفصل الأول: يوم مثالي
الأزيز الناعم للمدينة كان بيزق برا شبكة أوضة أورورا، مختلط مع زقزقة العصافير الخفيفة مع دخول الصباح للأوضة. أشعة الشمس دخلت من الستاير، حاطة حرارة دافية على السرير، بترفق تصحيها من النوم. هي تحركت، متمطية شوية تحت البطانية، سايبة راحة شرنقتها المريحة تكمل قبل ما عيونها تفتح. الدنيا كانت حاسة إنها هادية، وأورورا استمتعت بالسكون الهادي، وقلبها بيتضخم بالرضا.
بصت لجنبها، ولقيت جايدن، لسه نايم، شكله هادي في نور الصبح البدري. شعره الأسود متشعث على المخدة، وشه القوي الوسيم ناعم ومرتاح. هي اتفرجت عليه للحظة، ودماغها طايرة بأفكار عن مستقبلهم سوا. كان ليها حوالي أربع سنين من لما بدأوا يرتبطوا، وكل يوم بعدها خلاها تحبه أكتر. هو كان كل حاجة هي عوزتها طول عمرها: حنين، مهتم، داعم، وملتزم بيها جدًا.
أورورا طلعت من السرير بهدوء، عشان تصحيهوش بالصدفة. عدّت الأوضة ع المطبخ، وهي بتتذوق إحساس البرودة الخفيف في الأرضية الخشبية تحت رجليها. شقتهم كانت مراية للحياة اللي بنوها مع بعض. نظيفة وبسيطة، مزينة بقطع بتحكي قصتهم — مزيج من صور السفر المُطرّزة، وحاجات غريبة صغيرة من الرحلات، وتذكارات بتخلّي ذكرياتهم حية.
سكبت لنفسها كوباية قهوة، أخذت نفس عميق من ريحتها الغنية وحست بنشوة الحماس المألوفة. الشهور الجاية كانت مليانة بخطط الفرح، بس تقل القرارات والمهام كان خفيف بفرحة إنها عارفة إنها بتتجوز أقرب صاحب ليها. كل خطوة، كل تفصيلة — من اختيار الزهور للتخطيط للمنيو — كانت حاسة إنها تأكيد على الحياة اللي بتبنوها مع بعض.
بصر أورورا وقع على لوحة الإعلانات اللي علقوها جنب التلاجة. كانت عبارة عن كولاج عشوائي من خطط الفرح، تذكيرات، كارتات إعلان عن الميعاد، ورسايل حب سابوها لبعض. عنيها وقعت على رسالة معينة جايدن سبها من كام يوم فاتت. كانت متخبطة بخطه المألوف الشوية الوحش: "فاضل كام أسبوع بس لغاية الأبد."
قراية الرسالة خلت قلبها يتضخم. هي حبت قد إيه جايدن كان مشارك في التخطيط لفرحهم. هو بحماس ساعد في اختيار الدعوات، ناقش ترتيب الكراسي، وادّى رأيه حتى في نوع الخط اللي هيستخدموه. عمره ما سابها تحس بالوحدة في العملية؛ ده فرحهم، يومهم، وهو عايزه يكون مثالي زي ما هي عايزاه.
"صباح الخير،" صوت جايدن الخشن جاي من وراها، وشدها من أفكارها. هي اتجهت وشافت واقف في المدخل، لسه شكله نص نايم لكن بابتسامة نعاس على وشه.
"صباح النور،" ردت عليه، وهي بتلمع له في وشها وهو أتجه ناحيتها وحضنها من وسطها. "صحيت بدري يوم السبت ليه."
هو ضحك، حاطت دقنه على كتفها. "حسبت إن معرفتش أقوم، كنت هتشربي القهوة كلها لوحدك."
هي ضحكت، ولفت عنيها بمزاح، وادتلوه كوباية. "أنا عمرّي ما أعمل حاجة زي كده،" قالت بتمسخر.
جايدن أخذ رشفة، قافل عينيه وهو بيتذوق الدفا. "يممم، مثالي،" تمتم. وقفوا سوا في صمت مريح، بيتمتعوا بهداوة الصباح. أورورا استندت على حضنه، بتتشرب اللحظة الصغيرة البسيطة.
بعد شوية، جايدن رجع لورا، وفي عينه بريق مقالب. "إيه رأيك ناخد يوم إجازة من تخطيط الفرح ونعمل حاجة عفوية شوية؟"
أورورا رفعت حاجبها، متحمسة. "عفوية، ها؟ عندك أي أفكار؟"
"أنا فكرت نروح نشوف المعرض الفني الجديد دا وسط البلد، ناخد لانش، حتى نُبذّر شوية وناخد تحلية عند الكافيه الصغير اللي بتحبيه. مفيش خطط، مفيش توتر. بس إحنا،" هو اقترح.
هي ابتسمت، وحماسها زاد. "أنا رأيي يبقى مثالي."
هما الاتنين تجهزوا، وهم بيتضاحكوا ويتفاكهوا وهم بيشاركوا في المغسلة وبيلفوا حوالين بعض. دا ذكرها بأيامهم الأولى، لما كانوا لسه بيبدأوا يرتبطوا وكل حاجة كانت جديدة ومثيرة. هما اتعودوا على بعض جدًا على السنين، لكن أيام زي دي لسه بترجع شرارة الحماس الأولى.
لما سابوا شقتهم واتجهوا لوسط البلد، أورورا حست بموجة سعادة غمرتها. الشوارع كانت زحمة بزباين نهاية الأسبوع، بس هي ماكانتش شايفة غير جايدن. وإيدهم في إيد بعض، اتجولوا في البلد، بيقفوا يشوفوا المناظر ويدخلوا بالمصادفة على محلات صغيرة أو مكتبات.
في المعرض، معرض الفن كان كل اللي كانوا متمنيّنه — ملون، بيفكر، ومليان إحساس. أورورا انجذبت للوحدة معينة لست واقفة قدام خلفية من ألوان دوامة نابضة بالحياة. كان فيه حاجة آسرة في تعبير وشها، قوة هادية كانت متفاهمة معاها أورورا.
"هي بتذكرني بيكي،" قال جايدن بهدوء، وهو لاحظ تعلق نظرها.
أورورا بصت له، متفاجئة. "بجد؟ إزاي كده؟"
"هي قوية، لكن فيها رقة بردو. زي إنها حاملة حاجات كتير، لكن لسه واقفة شامخة،" هو شرح، وعينيه دافية بإعجاب.
خدودها احمرت من المجاملة غير المتوقعة. "شكرًا،" همست، وهي بتعصر إيده.
هما اتحركوا في المعرض، بيشاركوا بعض أفكارهم وتفسيراتهم للفن، وبيضحكوا على تخميناتهم الجامدة عن اللوحات الأكتر تجريدًا. كان منعش إنهم يكونوا مع بعض كده، من غير ضغط الشغل أو تخطيط الفرح ثقيل عليهم. أورورا حست بحبها لجايدن بيعمق مع كل لحظة بتعدي، علاقتهم بتقوى أكتر وهم بيشاركوا الخبرات الصغيرة ذات المعنى دي.
بعد كده، لقوا كافيه مريح جنبهم واستقروا عشان يتغدوا. هما أكلوا أكلاتهم المفضلة وتكلموا عن كل حاجة من ذكريات طفولتهم لأحلامهم في المستقبل. جايدن سمعها باهتمام، بيضحك على قصصها وبيحكي قصصه هو في المقابل.
"شايفانا بنعمل إيه بعد عشر سنين من دلوقتي؟" هو سأل في نقطة معينة، ونبرته فضولية.
أورورا فكرت شوية. "بصراحة؟ شايفانا لسه بنعمل حاجات زي كده. نستكشف أماكن جديدة، نتعلم سوا، ندعم بعض. ممكن عيلة، لو كان ده حاجة احنا الاتنين عايزينها."
عينين جايدن اتنعموا. "أنا أحب ده. طالما أنا معاكي، أعتقد إن حياتنا هتبقى جامدة."
هي حست بقلبها بيتضخم بالعاطفة، رؤيتهم المشتركة للمستقبل رستها في الحاضر. في جايدن، هي لقيت حد فهمها، حد تحديها، حد حبها عشان هي هي بالضبط. حسّته حاجة نادرة، مش طبيعية تقريبًا، إنهم لقوا بعض في الدنيا الواسع الفوضوي دي.
هما قضوا بقية اليوم يتجولوا في البلد، بيتمتعوا بحرية يوم من غير خطة. جايدن فاجأها بأيس كريم من المحل اللي بتحبه، وهما اتفسحوا على ضفاف النهر، والشمس بدأت تغرب بألوان وردية وبرتقالية. كل حاجة كانت هادية، زي إنهم في عالمهم الصغير الخاص.
وهما راجعين للشقة، أورورا حست بإحساس غامر بالامتنان لحياتها. كانت عندها شريك بيحبها، مستقبل بيعملها حماس، وفرح مستنياه.
لكن بمجرد ما وصلوا لعمارتهم، التليفون بتاعها رنّ. هي بصت تحت وشافت رسالة من أحسن صاحبتها، ليلي. "هيّ، تقدري تتكلمي؟ الموضوع مهم."
"إيه الأخبار؟" جايدن سأل، وهو لاحظ تعبير وشها.
"دي ليلي بس،" هي ردت وحاجبها اتجعد. ليلي نادرًا ما تستخدم كلمة "مهم" إلا لو كان فيه حاجة غلط بجد.
"اتصلي بيها. أنا هطلع أبدأ أجهز العشاء،" جايدن قال، مديها ابتسامة تطمينية. أورورا أومأت براسها، مقدرة استيعابه، واتنحت جنب عشان تعمل المكالمة.
"هيّ يا ليل! كل حاجة تمام؟" هي سألت بمجرد ما ليلي ردّت.
"أورورا... أنا مش عارفة أقولك ازاي،" صوت ليلي كان متردد، فيه حاجة زي الخوف.
قلب أورورا وقع. "إيه هو؟"
"أنا... أنا شفت جايدن إمبارح. مع ست تانية،" ليلي قالت بهدوء.
لحظة، دماغ أورورا فضيت. "إيه؟ إنتي متأكدة؟"
"آه. هما كانوا في كافيه. أنا فكرت يمكن صاحبة بس... هما كانوا قريبين من بعض. قريبين أوي. أنا محبتش أستبق الأحداث، لكن فكرت يبقى لازم تعرفي،" ليلي شرحت، وصوتها مليان قلق.
دنيا أورورا حسّتها بتدور. كل حاجة — يومها المثالي، مستقبلها مع جايدن، الحياة اللي بنوها — فجأة بقى كله موضع شك.
"شكرًا يا ليل،" قدرتقول، وصوتها متكسّر. "أنا محتاجة أمشي."
أورورا قفلت التليفون، حست بمزيج مقلق من الغضب وعدم التصديق والحزن بيتقلب في بطنها. هي أخذت نفس عميق، بتحاول تهدي نفسها، بس بذرة الشك كانت اتزرعت، مهددة إنها تهد كل حاجة هي عزيزة عليها.
وهي طالعة لشقتها، أفكارها كانت بتدور، عاصفة من المشاعر والأسئلة من غير إجابات. ممكن يكون فيه تفسير منطقي؟ ولا هي كانت عايشة في وهم؟
لما دخلت شقتهم، لقيت جايدن بيغمغم بهدوء وهو بيجهز العشاء. هو اتجه ليها وابتسم، لكن هي بالكاد لاحظت، دماغها مشغولة بثقل كلام ليلي.
اليوم المثالي اللي قضته معاه حسّاه بعيد، متغطي بعدم اليقين. وهي بصت في عينين جايدن، مقدرتش تمنع نفسها من التساؤل إذا كانت شايفاه على حقيقته — ولا يمكن، هي كانت متعمية بالحب من الأول.
مشاعر مش مريحة
أورورا فضلت صاحية في الظلام، عنيها بتتتبع أشكال في السقف. صدى كلام ليلي فضل موجود، زي همهمة واطية مش راح تختفي. "ست تانية." ده كان مستحيل، زي قلب أحداث في مسلسل مكتوب وحش. بس بذرة الشك كانت اتزرعت، وبدأت تضرب جذورها في صدرها. هي تقلبت على جنبها، بحرص عشان تصحوش جايدن، اللي أنفاسه العميقة المنتظمة كانت ماليه الأوضة. كل حاجة كانت شبه زي ما هي، بس كل حاجة اتغيرت.
هي قالت لنفسها تنسى الموضوع، وتثق في الراجل اللي بتحبه. أكيد ليلي كانت غلطانة، أو فيه تفسير بريء خالص. جايدن بيحبها. هو بخطط لفرحهم بحماس أكتر ما كانت متوقعة أبدًا. مفيش سبب للشك، ورغم كده... في حاجة مش مظبوطة. تغير بالكاد ممكن تحسه. هي قفلت عنيها، وتمنت لو تقدر تنام تاني، بس دفء الرضا المألوف اللي كانت متعودة عليه بقى بعيد عنها مش قادرة توصله.
النهاردة الصبح، أورورا حاولت تخلص من القلق اللي لسه موجود وهي بتعمل روتين الصباح بتاعها. هي استحمت، لبست، وعملت الفطار، حركاتها أوتوماتيكية ومألوفة. جايدن قعد معاها على الترابيزة، فرحان زي كل يوم. عنيه تجعدوا من النواحي وهو ابتسم ليها، الحاجة اللي كانت دايمًا بتحبها فيه.
"نمتي كويس؟" هو سأل، وهو مد إيده ليكس القهوة.
"أيوه،" هي ردت، ومصطنعة ابتسامة. "بس... أحلام غريبة."
"في حاجة مثيرة للاهتمام؟" هو فضّها، وهو بيشرب رشفة قهوته.
"مش أوي،" هي قالت بسرعة، متجنبة نظره. هي كانت لسه مش جاهزة تحكيله عن إحساسها — هي أصلا لسه مش فاهمة نفسها. جايدن كان أحسن صاحب ليها، سندها، بس هي مكنتش عايزة تبان غير منطقية أو بارانويا.
هما قضوا الصباح مع بعض بروتينهم المعتاد، بيعملوا مشاوير آخر الأسبوع وخطط الفرح. ورغم محاولاتها إنها ترجع للحياة الطبيعية، أورورا لقيت نفسها مش قادرة تتخلص من إحساس مزعج جواها. كان حاجة خفيفة، مش قوية، بس كان موجود. وهم بيعدوا على لستة الضيوف، هي لقيت نفسها بتتفرج على جايدن، بتحاول تقرا تعابير وشه، تدور على علامات هي مش عارفة تفسرها.
وصل الضهر، وقررت إنها محتاجة هواء نقي. جايدن كان منغمس في شغل، فاستأذنته وطلعت تتمشى، على أمل إن هواء الخريف النضيف يساعدها يصفّي دماغها. هي اتجولت في شوارع البلد، سايبة أفكارها تيه وهي بتتفرج على ورق الخريف عامل بطانية على الرصيف.
لما وصلت للجنينة، تليفونها رن. بصت على الشاشة، شافت رقم مش معروف. ترددت شوية، وبعدين ردّت.
"ألو؟"
كان فيه صمت قصير، بعدين خشخشة ضعيفة للخط مش مظبوط. "أورورا؟"
حاجبها اتجعد. الصوت كان مألوف بشكل غامض، بس مش عارفة تحده. "أيوه، أنا أورورا. مين معايا؟"
ثانية صمت عدّت، وبعدين الخط فصّل.
"ألو؟ ألو؟" هي حاولت تاني، بس مكنش فيه غير صمت من الناحية التانية. هي قفلت الخط، ووشها متعقد. أكيد رقم غلط أو حد بيعلن عن حاجة، حسبت كده. بس المكالمة القصيرة سابت معاها إحساس مزعج مش قادرة تتخلص منه.
تجاهلت الموضوع، وكملت مشوارها، وفي الآخر لقيت نفسها في كافيه صغير هي وجايدن كانوا بيروحوه كتير في أول علاقتهم. هي طلبت كابتشينو وقعدت عند الشباك، بتتفرج على الناس وهما بيمشوا في الشارع. دماغها رجعت للمكالمة تاني، وتساءلت إذا كانت مجرد صدفة مش مؤذية، ولا إن شكوكها الأخيرة خلتاها حساسة جدًا لأي حاجة صغيرة.
وهي بشرب قهوتها، تليفونها رن تاني. المرة دي، كانت ليلي.
"هي يا رورا،" ليلي قالت، وصوتها دافي. "بس أتطمن عليكي. إيه أخبارك؟"
أورورا ترددت. هي مكنتش كلمت ليلي من محادثتهم عن جايدن، وجزء منها مكنش مستعد يرجع يكمل في المنطقة الموحلة دي. "أنا كويسة يا ليل. ماشية شوية. كنت محتاجة هواء نقي."
"كويس، كويس،" ليلي ردت، وصوتها مرتاح. "اسمعي، بخصوص اللي قلتهولك اليومين اللي فاتوا — أنا مكنش قصدي أقلقك. بس أنا حسّيت إن دي حاجة هتحبي تعرفيها."
"لا، أنا فرحانة إنتي قلتيلي،" أورورا ردت، بتحاول تخلي صوتها خفيف. "بس بصراحة، أنا متأكدة إن مفيش حاجة. جايدن كان طول الوقت رائع."
"ياريت بجد يا رورا. إنتي عارفة إني عايزة لك الخير،" ليلي قالت بهدوء. "أنا مش عايزة أشوفك بتتأذّي."
"أنا عارفة يا ليل. أنا مقدرة ده،" صوت أورورا كان صادق، بس جواها، القلق لسه موجود، رافض يختفي خالص.
هما قفلوا الخط بعد شوية، بس المكالمة فضلت في دماغ أورورا وهي ماشية راجعة الشقة. لما وصلت البيت، السما كانت بدأت تغيم، وجايدن كان موجود في المطبخ، بيقطع خضار عشان العشاء.
"هي يا حبيبتي،" هو استقبلها بابتسامة وهي دخلت.
"هي،" هي ردت، وحالتها اتحسنت شوية لما شافت المنظر المألوف. "ريحة العشاء تحفة."
"فكرت أعملك مفاجأة وأجهّز اللي بتحبيه،" هو قال، وهو أومى بإيده ناحية الحلة اللي على النار فيها صلصة المكرونة كانت بتسخن. "تمشيتك كانت ازاي؟"
"كانت لذيذة،" هي ردت، وغلبت نفسها وارتاحت. "بس... كنت محتاجة وقت أصفّي دماغي شوية."
هو بص لها، والقلق لمع في عينيه. "كل حاجة كويسة؟"
أورورا ترددت، بعدين أومأت براسها. "أيوه، بس حاسة إن كل حاجة تقلت عليا شوية."
جايدن مد إيده وعصر إيديها. "لو محتاجة تاخدي بريك من التخطيط، قولي. نقدّر نخلي الدنيا بسيطة."
"شكرًا،" هي همست، ممتنة لفهمه. هما خلّصوا تحضير العشاء سوا، الروتين المألوف جاب ليها إحساس بالراحة. بس لما قعدوا ياكلوا، لاحظت حاجة غريبة. خاتم خطوبتها، اللي هي دايمًا بتحطه في الطبق الصغير عند الحوض وهي بتطبخ، كان مفقود. هي بصت حواليها، فحصت السفرة، بس مكنش موجود.
"بتدوري على حاجة؟" جايدن سأل، وهو لاحظ إنها مش مركزة.
"خاتمي... أنا قَسَمِيّ حطّته هنا قبل ما نبتدي نطبخ."
جايدن اتجعد وجهه وقام، وساعدها يدوّر. هما فتشوا المطبخ كله، فحصوا كل مكان ممكن، بس الخاتم مكنش موجود. قريب لما أورورا بدأت تهلع، هي لاحظت الخاتم واقف على طرف ترابيزة السفرة، مكان هي متأكدة إنها محطتوش فيه.
"إيه وصلّه هنا؟" هي تمتمت، لنفسها مش لجايدن.
"أكيد إنتي حطّيته ونسيتي،" هو اقترح، ونبرته خفيفة.
أورورا خدعت نفسها بابتسامة، وعدم الارتياح بلسع في دماغها. هي عارفة إنها محطتوش هناك. بس يمكن، في حالتها المشتتة، كانت مشتتة أكتر من المعتاد. هي رجعت الخاتم في صباعها، وذكرت نفسها إنها تفضل هادية.
الأيام القليلة اللي فاتت عدّت بسرعة مع شغل وتجهيزات الفرح. أورورا دخلت في مهامها، على أمل إن الانشغال يسكت الشكوك المستمرة اللي بتدور في دماغها. ومع ذلك، حوادث صغيرة فضلت تهدد هدوء بالها. كانت تنسى مفتاحها، وبعدين تلاقيه في مكان مش متذكرة إنها سابته فيه. إيميلات هي متأكدة إنها كتبتهم كانوا يختفوا من كمبيوترها، بس يطلعوا تاني بعد ساعات. حاجات صغيرة، ميسواش إنها تتذكر، بس كل حاجة كانت بتضيف قلق جديد.
المكالمات الغريبة بقت أكتر كمان. كانت دايمًا من أرقام مش معروفة، وفي كل مرة، كان فيه ثواني صمت قبل ما الخط يفصل. حاولت تتجاهلهم، تقول لنفسها إنها مكالمات روبوت أو غلطة، بس كل مكالمة كانت تخلقها أكثر من اللي قبلها.
في يوم من الأيام بالليل، وهي قاعدة في الأوضة بتحاول تخلص ترتيبات الكراسي، تليفونها رن تاني. هي عرفت الرقم علطول — كان هو هو رقم أول مكالمة جاتها وهي في الجنينة. ترددت، وبعدين ردت، وصوتها متوتر.
"ألو؟"
المرة دي، كان فيه صوت من الناحية التانية، بس خفيف وبعيد. "أورورا...؟"
قلبها دق بقوة. "أيوه، مين معايا؟"
الصوت كان واطي، قريب من الهمس. "أنا... أنا هي. بحاول أحذّركي..."
"تحذريني؟ من إيه؟" هي طالبت، وضربات قلبها بتجري.
بس الخط فصّل قبل ما تاخد إجابة. أورورا قعدت هناك، تتفرج على تليفونها، ودماغها مليانة أسئلة. مش عارفة الصوت ده، بس كان فيه حاجة مألوفة بطريقة مخيفة. هل حد هي عرفاه؟ وإيه اللي ممكن يكون بيحاول يحذرها منه؟
بالكاد لاحظت جايدن وهو داخل الأوضة، ووشه قلق. "رورا؟ كل حاجة كويسة؟"
هي بصت له، ثقل الأيام اللي فاتت ضاغط عليها. "مش عارفة يا جايدن. بتيجيلي مكالمات غريبة دي... وحاجات بتختفي وتظهر... حاسة إني باتجنن."
جايدن اتجعد وجهه، وقعد جنبها. "مكالمات إيه؟"
أورورا شرحت نمط المكالمات، وسابت آخر واحدة. حاجة في التحذير الغامض كانت تحسها مش حقيقية إنها تحكيلها دِلْوَقْتي.
"حبيبتي، يبان إنك مضغوطة بس. يمكن ده بيأثر على نومك أو ذاكرتك؟" هو اقترح بهدوء. "أنا عارف إنك ماسحة حمل كتير بالشغل والفرح."
هي أومأت براسها، رغم كلامه ما ريحهاش. يمكن هو كان محق. يمكن ضغط الفرح كان طالع عليا أكتر ما كنت متخيلة. ورغم كده، جواها، مش قادرة تتخلص من إن فيه حاجة تانية بتحصل.
على مدى الأيام القليلة اللي فاتوا، أورورا كملت محاولاتها تتجاهل قلقها، رغم إن الحوادث الغريبة زادت. في يوم بالليل، بعد يوم طويل في الشغل، رجعت البيت لقيت اللاب توب بتاعها مفتوح على ترابيزة المطبخ. هي كانت متأكدة إنها سابته مقفول وفي مكانه في مكتبها. سألت جايدن لو هو استعمله، بس هو قال إنه مجاش البيت أصلا.
الليلة دي، هي قعدت على مكتبها، اللاب توب قدامها، ونويتها تخلص حاجات تخص الفرح. بس لما فتحت إيميلها، قلبها كاد يقف. فيه، في صندوق الوارد بتاعها، كان فيه مسودة رسالة هي متأكدة إنها مكتتبهاش. كانت متوجهة لليلي وكتب فيها بس: "أنا مش متأكدة من جايدن بقي. أنا حاسة إن فيه حاجة غلط."
إيديها ارتجفت وهي بتتفرج على المسودة، بتتفرج على الكلمات. هي أكيد مكتتبهاش، بس حسّتها ظل لأفكارها المخبصة. حست بقشعريرة في رقبتها. مين كان ممكن يكتب الكلام ده؟ اللاب توب بتاعها عليه باسوورد محدش يعرفه غير هي وجايدن.
بنفس سرعة ارتفاع ضربات قلبها، غلبت نفسها ونفست، بتحاول تبرير الموقف. يمكن هي كتبته غلط ونسيت. هي كانت مشتتة، في الآخر، ودماغها بتاعة في أكتر من اتجاه. هي مسحت المسودة وقفلت اللاب توب، وقررت إن ده كفاية شغل لليوم.
بس في الآخر الليلة، وهي نائمة في السرير، محققتش تتجاهل إحساس عدم الراحة. النوم جى صعب، مقطع بأحلام قوية مزعجة. في حلم، هي كانت ماشية في الصالة لوحدها، فستان الفرح وراها، تقيل بشكل مستحيل، زي إنه فيه حجارة. دورت في الزحمة على جايدن، بس مكنش موجود. الكراسي كانت مليانة بشخصيات ضبابية مش عارفة تتعرف على وشوشهم. كانوا يهمسوا باسمها، وأصواتهم بتعلى وتتعلى لحد ما هي صحت بزز، وقلبها بيقرع بقوة.
جمبها، جايدن كان نايم عميق، نفسَه منتظم وهادي. هي تأملت وشه في النور الخافت، تدور على أي علامة إن فيه حاجة غلط. بس هو كان شكله زيه كل مرة: هادي، مطمن، مش دريان باضطرابها جواها. هي سافرت، بتحاول ترجع تنام، بس إحساس بالوحدة كان دبّ فيها، رافض يسيبها ترتاح.
اليوم اللي بعده، أورورا كلمت ليلي في بريك الأكل، على أمل تدعمها شوية. هي ائتمنتها على الحوادث الغريبة، إيميل المسودة، الحاجات اللي بتروح، والمكالمات. ليلي سمعتها بهدوء، بس أورورا حسّت بالقلق المتزايد في صمت صاحبتها.
"أورورا، الكلام ده كله... فعلاً مزعج،" ليلي قالت أخيرًا. "إنتي متأكدة إن جايدن مذكركش إن في حاجات غريبة بتحصله هو كمان؟"
"هو لأ،" أورورا ردت، وهي بتعض شفايفها. "هو فضل يقولي إن كله في دماغي، أو إني مضغوطة بس. يمكن هو صح."
"يمكن،" ليلي ردت، رغم إن صوتها كان فيه شك. "بس... فقط اعديني إنك تبقى متابعة الدنيا، كويس؟ ولو أي حاجة تانية حصلت، قوليلي."
أورورا وعدتها، رغم إن جزء منها كان مش عايز يعترف إنه حتى بيفكر في احتمال إن فيه حاجة غلط بجد. بعد ما قفلت، حسّت بحالها أحسن شوية، وارتياح بدعم ليلي. بس مع تقديم اليوم، الارتياح ده راح، واتعوض بإحساس رعب بيكبر.
في المسية، بعد ما جايدن نام، لقيت نفسها بتتخبّط في الشقة، مش قادرة تتخلص من إحساس إن حد بيبص عليها. فحصت أقفال الشبابيك، وبعدين الباب، واتأكدت إن كل حاجة آمنة. أخيرًا، رجعت لمكتبها، حيث اللاب توب مستنيها. فتحته، ونصّها متوقعة إنها تلاقي رسالة غريبة تانية أو ملف فُقدان، بس كل حاجة كانت طبيعية.
فتحت معرض الصور، بتتقلب على صور آخر كام شهر. وقفت عند صورة حديثة ليها ولجايدن في فرح واحدة صاحبتهم، الاتنين بيبتسموا، وشوشهم مبسوطة زي الفل. هي تأملت وش جايدن، تدور على حاجة، أي حاجة، تشرح لها المشاعر الغريبة اللي كانت تحس بيها. بس هو كان شكله زيه كل مرة: حنين، بيحب، ومخلص. حسّت بتأنيب ضمير إنها حتى تشك فيه.
قريب ما كانت هتقفل اللاب توب، لاحظت فولدر مش عارفه. كان مخبي تحت في سطح المكتب، عليه اسم "مستندات" بس. مش متذكرة إنها عملته، ولما دخلت عليه، قلبها بدأ يدق بقوة.
جواه، لقيت صور كتير لنفسها، ماخوذة من زوايا غريبة وفي أماكن غريبة: واحدة منها وهي بتشتغل على المكتب، واحدة تانية وهي قاعدة في الأوضة، واحدة تانية وهي نايمة في السرير. ولا صورة من دول كانت مألوفة، والزوايا كانت تقترح إنهم اخدوا بالخفاء. حسّت بقشعريرة في ضهرها وهي بتتقلب فيهم، دماغها بتجري. مين كان ممكن ياخد الصور دي؟ وازاي وصلت لكمبيوترها؟
قفلت الفولدر، وإيديها بتترجف. عايزة تواجه جايدن، تطالبه بتفسير، بس جزء أعمق منها كان خايف من اللي ممكن تعرفه. قفلت اللاب توب وقعدت في الظلام، بتحاول تهدي نفسها، بس صور الصور دي فضلت في دماغها.
مين كان ممكن يعمل كده؟ السؤال طاردها، خلّي النوم مستحيل.
النهاردة الصبح، أورورا قررت إنها هتتكلم. مش قادرة تكمل كده، ساكتة وتحتمل القلق المتزايد. وهي وجايدن بيجهزوا للشغل، هي جمعت شجاعتها وبدأت الموضوع.
"هي يا جايدن،" ابتدت بحرص، وهي بتتفرج عليه وهو بيصب القهوة.
"هممم؟" هو بص، قابل نظراتها بتعبير هادي جعلها تحس بعدم ارتياح أكتر.
"أنا... كنت باخد بالي من حاجات غريبة بتحصل هنا،" قالت ببطء، بتختار كلماتها بحرص. "زي خاتمي بيروح، وملفات على اللاب توب بتاعي أنا ماعملهاش. وكنت بتيجيلي مكالمات غريبة..."
حاجب جايدن اتجعد وهو حط كوباية القهوة بتاعته. "يعني إيه؟ ملفات إيه؟"
أورورا ترددت. "كان فيه فولدر فيه صور... صور ليّا. صور مش فاكرة إني أخدتها."
وش جايدن بقى جاد، و للحظة، حسّت إنها شافت حاجة سودة لمعت في عينيه. بس اختفت في ثانية، واتعوضت بتعبير قلق. "رورا، ده... يبان إنه مرعب بجد. إنتي متأكدة إنتي ماخدتيش الصور غلط؟ يمكن سبتي الكاميرا شغالة وسجلت صور ثابتة؟"
أورورا اتجعد وجهها، مش عارفة ترد إزاي. "أنا... أعتقد لأ. الزوايا كانت شبه إن حد تاني أخدها."
هو حط إيده على كتفها، قبضته قوية. "حبيبتي، أنا أعتقد إن ضغط تخطيط الفرح والشغل طالع فيكي. نقدّر نهدى الدنيا شوية لو محتاجة."
دماغ أورورا داست، وحاولت تركز في كلامه. يمكن هو صح؛ يمكن هي بتوصل حاجات ببعض ملهاش علاقة. بس وهو فضل يطمنها، هي لاحظت رعشة صغيرة في إيده، حاجة هي عمري ما شافتها قبله. كانت حاجة بسيطة، بالكاد موجودة، بس كانت كفيلة تزرع بذرة شك جديدة.
"يمكنك صح،" همست، رغم إنها مش مصدقة خالص.
مع الأيام اللي عدّت، أورورا حاولت قد ما تقدر تقنع نفسها إنها بتبالغ ببساطة. هي حتى خدت يوم إجازة من الشغل عشان تصفي دماغها، ودلعت نفسها وبعدت عن كل حاجة تخص الفرح. بس قلقها ماختفاش. كل مرة تلف حوالين نفسها، نصها متوقعة تشوف حاجة مش في مكانها، أي علامة جديدة إن عالمها مش مستقر زي ما هو باين.
وبعدين، في ليلة، كل حاجة اتغيرت.
هي كانت لوحدها في الشقة؛ جايدن كان طلع يقعد مع صحابه. هي حاولت ترتاح بكتاب، على أمل تهدي أعصابها، بس الصمت كان تقيل، بيضغط عليها من كل حتة. قررت تاخد دش، على أمل إن المية الدافية تريح شد كتافها.
وهي واقفة تحت المية، دماغها بدأت تيه، مهدية بإيقاع المية. بس فجأة، سمعت صوت—كليك خفيف، زي صوت باب مقفول. هي جمدت مكانها، قلبها بيقرع، بتصغي عشان تسمع على صوت المية.
"جايدن؟" نادت، وصوتها متكسّر. مفيش رد.
قفلت المية، واقفة من غير حركة، نفسها خفيف. هي ممكن تحلف إنها قفلت باب الشقة بعد ما جايدن مشي. لفّت نفسها بفوطة، طلعت من تحت الدش، ماشية بحرص ناحية أوضة النوم.
وبعدين شافته. خاتم خطوبتها، واقف على حوض الحمام. هي مالبسوش المسا—كان مفروض يكون في علبة الحُلي بتاعتها في أوضة النوم. اتفرجت عليه، ودماغها بتجري. إيه اللي جابه هنا؟
إحساس رعب فجأة غمرها. هي اتجهت، عينيها بتفحص الحمام، نصها متوقعة تشوف حد واقف وراها. بس مكنش فيه حد. بس صمت، تقيل وخانق.
في هلع، هي مسكت تليفونها واتصلت على رقم جايدن. رن مرة، مرتين، تلات مرات، قبل ما يروح للبريد الصوتي. حاولت تاني، واصابعها بترتجف، بس مكنش فيه رد.
حاسّة إنها محصورة، رجعت بضهرها لصالة الشقة، ماسكة تليفونها. كل صوت كان باين أكتر—تيكة الساعة على الحيطة، همهمة التلاجة، صرير ألواح الأرضية تحتها. هي صتّت ودانها، نصها متوقعة تسمع خطوات أو صوت سُحّارة باب. بس الشقة كانت ساكتة، غير صوت دقات قلبها الثابتة اللي بتطنّ في ودانها.
أورورا تحركت ببطء ناحية باب الشقة، تليفونها لسه ماسكاه بقوة، كل غريزة بتقولها تمشي. قريب ما لمس الكُلاب، تليفونها رن. هي قَفَزت، كادت توقع منه من الصدمة، وبصت تحت شافت رسالة من جايدن.
"هي، آسف، تليفوني قفل. في إيه؟"
هي سيّبت نفسها تتنفس بارتجاف، وكتبت رد بسرعة. أنا حاسة إن حد في الشقة. أنا خايفة. إنت قريب؟
النقاط التلاتة اللي بتظهر إن جايدن بيكتب ظهرت على طول، وهي اتفرجت، حابسة نفسها، وردّه جه: في الطريق، حبيبتي. شدي حيلك. أقفلي على نفسك في أوضة النوم.
قلب أورورا كان بيجري بسرعة، بس الرسالة جابت لها إحساس بالأمان للحظة. هي قفلت البيبان وجريت على أوضة النوم، قافلة وراها. حاولت تهدي نفسها، بتتمشى جوة وبرة وهي مستنية جايدن. فضلت تتفرج على تليفونها، تعد الدقائق، تتساءل هياخد وقت قد إيه لما يوصل.
بس وهي بتتفرج حواليها في أوضة النوم، حاجة لفتت نظرها—نوتة صغيرة مفتوحة على التواليت. مش بتاعتها. هي قربت منها بحرص، شالتها وقلبت في صفحاتها.
معدتها وقعت. النوتة كانت مليانة بكتابات، ملاحظات مفصلة عن حياتها اليومية: بتخرج من البيت أمتى، بترجع إمتى، روتينها، حتى اللحظات اللي بتقضيها لوحدها في الشقة. زي ما يكون حد كان بيتتبع كل خطوة بتمشيها، مسجّل جدولها بتفاصيل دقيقة. إيديها ارتجفت وهي بتقلب الصفحات، إحساس تقيل من الرعب بيتمرمط في بطنها. مين كان ممكن يكتب ده؟ وإزاي وصل لأوضة نومها؟
قبل ما تفكر كتير في الموضوع، سمعت باب الشقة مقفول، وراه خطوات. هي جمدت، حاطة النوتة على صدرها، دماغها بتجري. نادت، وصوتها مرتجف، "جايدن؟ ده أنت؟"
لحظة عدّت، وبعدين سمعت صوته المألوف. "ده أنا يا رورا."
الارتياح غمرها، وهي فتحت قفل باب أوضة النوم، وطلعت تقابله. بس بمجرد ما شافته، الارتياح اتغيّر لحيرة. هو كان واقف في السُوّيقة، شكله مش مرتب، عينيه بتتلف حوالين الشقة زي ما يكون بدوّر على حاجة.
"إيه اللي حصل؟" هو سأل، وصوته متوتر.
"أنا... أنا حسّيت إن حد كان هنا،" هي تَمتَمَت، وهي ماسكة النوتة بقوة. "وأنا لقيت دي." هي رفعته، بتتفرج على وشه بتركيز.
تعبيره اتغير، لمعة حاجة سودة وصعب تفسيرها علا ملامحه. هو أخذ النوتة منها، قلب فيها بسرعة بعدين بص ليها. "إنتي لاقيتي دي فين؟"
"كانت على التواليت،" هي ردت، وصوتها بالكاد همس.
فك جايدن اتقفل، و للحظة، حسّت إنها شافت خوف في عينيه. بس هو غطاه بسرعة، وداها ابتسامة تطمينية. "رورا، أنا مش عارف جابت منين دي، بس أنا دلوقتي موجود. بلاش نستبق الأحداث."
"نستبق الأحداث؟" رددت، وعدم التصديق ملّن صوتها. "جايدن، حد كان بيتتبع خطواتي كلها! وأنا سمعت أصوات، لقيت حاجات في أماكن غريبة، جاتلي مكالمات من أرقام مش معروفة. في حاجة مش مظبوطة."
هو حط إيده على كتفها، قبضته قوية. "اسمعيني، أنا فاهم إن ده مرعب، بس يمكن فيه تفسير تاني. يمكن يكون غلطة، أو مقالب."
"مقالب؟" هي سحبت نفسها منه، موجة غضب بتفور. "ده جد يا جايدن. أنا مش حاسة بالأمان هنا."
هو سافّر، ومر إيده على شعره. "أورورا، أنا بحبك، وأنا موجود عشان أحميكي. لو إنتي مش حاسة بالأمان، يمكن ناخد بريك من تخطيط الفرح ونركّز إنك تاخدي راحة بالك."
اقتراحه زاد شكوكها بس. محققتش تتخلص من الإحساس إنه بيخبي حاجة، ومحاولاته تهمّش مخاوفها كانت بتضيف بنزين على شكوكها.
"جايدن، إنت بتخبي عني حاجة؟" السؤال خرج قبل ما تمنع نفسها، وندمت علطول. بس الوقت فات عشان ترجع فيه.
هو بص ليها، ووشه مش مفهوم، و للحظة، الصمت بينهم كان خانق. أخيرًا، سافّر، وكتافه اتّدلِت. "أورورا، أنا عارف إن الفرح ده حط ضغط علينا احنا الاتنين. لو فيه أي حاجة إنتي حاسة إنها مش واضحة، نقدّر نتكلم فيها. أنا مش عايزك تحسي إنك مضطرة تعدي بكده لوحدك."
كلامه كان باين صادق، بس عدم الارتياح في صدرها رفض يروح. هي عايزة تصدقه، تثق إن كل ده كان مجرد سلسلة صدف غريبة. بس النوتة في إيديه، الصور على كمبيوترها، المكالمات الغريبة—ولا حاجة منهم كانت منطقية. ومهما حاول يطمّنها، إحساس الشك المزعج فضل موجود.
الليلة دي، هي قعدت صاحية جمبه، دماغها بتجري بأسئلة مش عارفة ترد عليها. فضلت تعيد الأحداث في دماغها، بتحاول تفهم كل ده، بس ولا حاجة كانت مريحة. وهي بتتفرج في الظلام، تساءلت إذا كانت بتتخبل بالتدريج، ولا الراجل اللي بتحبه بيخبي حاجة أشر بكتير من أي حاجة كانت ممكن تتخيلها.
الأيام عدّت، وأورورا بقت منعزلة أكتر، ثقل شكوكها بيأكل فيها. حاولت تتجنب جايدن، مش قادرة تتخلص من الإحساس إنه كان مرتبط بالحوادث الغريبة. بطلت ترد على المكالمات من أرقام مش معروفة، سابتهم يروحوا للبريد الصوتي، بس فضلوا ييجوا، كل واحدة تذكير بجنون الشك اللي كبير عندها.
في يوم ضهر، وهي بتقلب في ملفات قديمة في مكتبها، لقيت صورة مطبّية ما بين ورقتين. كانت صورة ليها ولجايدن، ماخوذة على البحر من سنين. هما كانوا مبسوطين، من غير هم، في الحب تمام. حسّت بوخزة حزن وهي تتأمل الصورة، تتساءل الدنيا خربت فين.
دلوقتي، تليفونها رن، وشافت إنها مكالمة تانية من نفس الرقم المش معروف. المرة دي، بدل ما تتجاهله، ردّت، وصوتها ثابت.
"مين معايا ده؟" طالبت، ونبرتها حادة.
كان فيه صمط طويل، وبعدين صوت مألوف رد، واطي ومستعجل. "أورورا، أنا هي. لازم تسمعي لي."
هي جمدت. الصوت كان صوت جايدن.
"إيه... إيه ده؟" تَمتَمَت، قلبها بيقرع. "ليه بتتصل بيا من رقم مش معروف؟"
"أورورا، أنا مش جايدن اللي معاكي دلوقتي،" الصوت قال، كل كلمة بحرص وقصد. "أنا عارف إن ده يبدو جنون، بس أنا بستلم لأحذّركي. الراجل اللي في شقتك... هو مش أنا."
نفسها اتقطع في زورها. "إنت بتتكلم عن إيه؟ إيه ده ازاي ده ممكن أصلا؟"
"اسميعي بقى،" الصوت كمل، والإلحاح شايل كل كلمة. "الراجل اللي إنتي عايشة معاه—هو خطير. أنا مش عارف أشرح ازاي، بس هو مش مين ما بيقول إنه هو. أنا معيش وقت كتير، بس لازم تطلعي من هناك. أطلعي، وماتلفتيش وراكي."
المكالمة فُصِلت فجأة، وسابت أورورا واقفة مذهولة، التليفون ماسكاه في إيدها. دماغها جرت، بتحاول تفهم إللي سمعته. مكنش منطقي. ولا حاجة كانت منطقية. بس وهي بتفكر في الأسابيع اللي فاتت—الحوادث الغريبة، المكالمات، النوتة—كل حاجة بدأت تبقى واضحة.
هي أخذت نفس عميق عشان تهدى، وقررت. من غير ما تضيع ثانية، هي مسكت مفتاحها وشَنْطة، مشيت بهدوء في الشقة عشان تصحش جايدن. قلبها دق بقوة وهي خرجت من باب الشقة، بصت وراها مرة أخيرة قبل ما تمشي، صمت الشقة المريع ضاغط عليها.
وهي طلعت في الليل، إحساس ارتياح غمرها، مختلط بعزيمة جديدة. هي مش عارفة إيه اللي بيحصل، بس عرفت حاجة واحدة أكيدة: هي مش قادرة تكمل هنا تاني.
أورورا دخلت عربتها وبدأت تسوق، دماغها بتجري وهي بتحاول تجمّع أجزاء اللي عارفته. مش عارفة رايحة فين، غير إنها محتاجة تبتعد عن جايدن—أو أيًا كان هو—أكتر ما تقدر.
أضواء البلد اتضببت حواليها وهي بتطير في الشوارع، أفكارها فوضى من الخوف والحيرة، واحتياج يائس لإجابات. مش عارفة تثق في مين، ولا تروح لمين، بس حاجة كانت واضحة: حياتها مش هتبقى زي ما كانت أبدًا.