"هدفعلك نص التمن اللي طالباها في رغيف العيش ده،" عرضت ست كبيرة وهي بتشاور على الرغيف اللي عايزاه.
الست الشابة اللي واقفة ورا ترابيزة السوق كرمشت وشها وقالت: "بس الرغيف ده بحالة ممتازة! أنا طالبة فيه تمن عادل."
الست الكبيرة ضحكت بسخرية وقالت: "نص التمن، يا إما همشي."
الست الشابة اتنهدت. النص مكانش عادل، بس كان أحسن من مفيش. وكانت عارفة كمان إنها لازم تكون شاكرة إن الست دي كلفت خاطرها أصلاً ووقفت عند ترابيزتها الغلبانة في السوق.
هزت راسها بالموافقة. الست الكبيرة ابتسمت ابتسامة صفرا تقريباً من استعداد الشابة لبيع العيش بالسعر الرخيص ده. مدت إيدها خدت العيش وسلمت الفلوس. الست الشابة وطت وشها، مكسوفة من الطريقة اللي الست الكبيرة أكيد شايفاها بيها. شابة، ومبهدلة، وفقيرة.
ارتعشت وحاولت تشد الشال المهرول اللي لابساه عليها أكتر. كان الجو دافي بالنسبة ليوم شتا. التلج كان بيسيح، وعامل طينة بنية وحشة على أرضية السوق. ده مخلي الدنيا كلها شكلها مش نظيف ومبلولة.
الرغيف ده كان تاني حاجة بس قدرت تبيعها طول اليوم اللي وقفت فيه ورا الترابيزة دي. كانت قدرت تبدل رغيفين بقطعة لحمة دبدوب صغيرة من واحدة تانية، بس يا دوب هتكفيها تأكل نفسها الليلة دي. يمكن تكفي أكتر لو كلتها مع شوية عيش. مع ذلك، معظم العيش لازم يتشال عشان يرجعوا بيه تاني السوق اليوم اللي بعده، على أمل إن فيه حاجة تانية تتباع.
الباشوات والهانمات، بملابسهم الجميلة والدافية، كانوا بيتمشوا في السوق، ومبيقفوش غير عند الترابيزات اللي عليها أحسن أكل، أو تحف، أو حاجات تانية تهمهم. مكنش باين عليهم حتى إنهم واخدين بالهم من الست الشابة اللي بتبيع العيش. مكنش الموضوع إن الست كانت في مكان مش متشاف. الموضوع كان إن ناس مهمة زي الباشوات والهانمات مبيشتروش عيش، أو أي حاجة، من بنات فقيرة.
الست الشابة اتنهدت تاني، وبدأت تلم الأربع أرغفة عيش وحطتهم في بطانيتها. الدنيا هتضلم قريب، وكانت عارفة إنها مش هتبيع عيش تاني النهاردة.
كان مشوار مأساوي وهي راجعة للعشة الصغيرة اللي عاملاها بيت ليها. طينة كانت بتطرطش عليها كل ما عربية كارو تعدي. كانت بتتسرب في الخروم اللي في جزمتها وتتحشر بين صوابع رجليها. على وقت ما وصلت بتعتر في بيتها، كانت غرقت لحد عضمها. قفلت الباب وراها، وحطت قفة العيش على ترابيزتها البدائية، وقلعت هدومها وجزمتها المبلولين. الجو كان تلج، عشان النار في موقدها البدائي كانت طفيت من بدري بعد ما سابته الصبح ومقدرتش تتابعه. سنانها كانت بتخبط في بعض، لبست فستان تاني مهلهل ووجهت اهتمامها إنها تولع نار تانية. بعد دقايق، ريحة لحمة الدبدوب وهي بتستوي بدأت تملى الجو في العشة الصغيرة. الست قعدت على سريرها الناشف المصنوع من خشب وعليه كام بطانية. كانت تعبانة جداً. بس بعد وجبتها الصغيرة، كانت عارفة إنها لازم تخرج تاني في البرد وتعمل الشغل المطلوب منها للعيلة اللي هي عايشة معاهم.
بعد ساعات، لما خلصت شغلها، أليس زقت باب بيتها الصغير. وللأسف، اتفاجئت إن البيت برد، مش دافي زي ما كانت متوقعة. وهي محبطة، قفلت الباب وراها وراحت للموقد الصغير بتاعها عشان تولع تالت نار في اليوم.
على قد ما كانت حاسة بالإحباط، كانت عارفة إن مفيش فايدة من إنها تفكر في الموضوع ده. مفيش حاجة هترجع اللي حصل. الحاجة الوحيدة اللي تقدر تعملها دلوقتي هي إنها تنام وتحاول تاخد قسط كافي من الراحة قبل ما تضطر تصحى الصبح.
هوت النار، وهي عارفة إنها هتضطر تصحى بعد كام ساعة عشان تولعها تاني، وزحفت لسريرها الناشف.
لسه الدنيا كانت ضلمة بره لما أليس قامت من على سريرها وبدأت تخبز عيش تاني. كانت لسه بتطلع آخر رغيف عيش لما أدركت إن وقت شغلها الصبح جه. أليس حطت العيش يبرد وخدت شال وهي خارجة من الباب.
أليس مشيت ناحية السوق وهي عندها أمل أكتر شوية من اليوم اللي قبله. كان معاها ست أرغفة عيش، ومعاهم دستة بيض للبيع كانت الهانم فندريل إدتهالها. كانت بتأمل إن الحظ يحالفها، وتبيع معظم الأكل اللي معاها.
الشوارع وهي راجعة البيت كانت متغطية تاني بالطينة. مرتين، أليس شافت سواقين العربيات بيجروا الأحصنة بسرعة زيادة في الظروف الوحشة دي، وده كان هيؤدي لحوادث. مكنتش قادرة تفهم إزاي رجالة ممكن يكونوا قساة كدة مع الأحصنة. جهل معظم الرجالة كان بيستفزها.
كانت لسه بتبدأ تلف في ناصية الشارع الضيق اللي هي فيه لما سمعت دبة حوافر أحصنة جاية ناحيتها. مكنش عندها وقت تتصرف، ووقعت من طولها لما جم بيجروا ورا الناصية. قفتها طارت من إيدها ووقعت تحت رجلين التلاتين حصان أو أكتر، اللي كان راكبهم رجالة لابسين لبس حرس القصر. اتفرجت وهي الأحصنة بتدوس على القفة الوحيدة اللي كانت عندها، ومعاها الرغيفين اللي متباعوش، وتلات بطاطسات، وقطعة اللحمة بتاعتها.
حست بدموع بتحرق في عينيها. ده كان الأكل الوحيد اللي عندها لعشاها ووجبة الصبح اليوم اللي بعده. دلوقتي هتضطر تاخد من الحاجات اللي محتاجاها عشان تعمل عيش للسوق اليوم اللي بعده.
قعدت مكان ما وقعت في التلج، وحاولت تبلع الغصة اللي في زورها. مش هتعيط.
الأحصنة وقفت فجأة، وهي بتصهل باحتجاج لراكبيها. كان فيه أكتر من دستة حصان وفارس اللي لفوا من ورا الناصية وكان شكلهم من حرس القصر، ولسه كان فيه غيرهم جايين.
حارسين نطوا من على أحصنتهم وجريوا ناحية أليس عشان يساعدوها تقوم.
"إنتي متعورة؟" واحد منهم سأل بصرامة. الحارسين فضلوا ماسكين دراعاتها بعد ما ساعدوها تقوم. أليس هزت راسها بالسكوت، وهي مرعوبة من اللي هيحصل دلوقتي.
حارس تاني، باين عليه إنه القائد، نزل ببطء من على حصانه ومشي ناحيتها هي والحارسين.
"إيه الشغلانة اللي بتعمليها دي، بتجري ورا النواصي وبتفزعي أحصنة حرس الملك؟" سأل، من غير ما يبص حتى في وش أليس، وهو بيقلع ببطء الجوانتي الجلد من إيده اليمين. صوته كان قاسي ومخيف.
بصت أليس للأرض الطينية اللي تحتها: "راجعة من يوم في السوق، يا بيه." ردت، بخضوع على قد ما تقدر. مكنتش عايزة تغضب الراجل ده أكتر من ما هي واضح إنها عملت فعلاً.
"فهمت،" قال القائد، "بتستعدي عشان تدفعي الضرايب، مش كدة؟"
أليس خدت نفس عميق عشان تحاول تبعد الخوف اللي مالي دماغها.
"أيوه يا فندم."
القائد بص لأليس وضيّق عينيه. مد إيده عشان يمسك دقنها عشان يقدر يلف وشها ويفحصه بمزاجه. أليس انتفضت لما إيده لمست جلدها.
"أنا شايف إنك محتاجة درس صغير في الاحترام،" قال، وصوت تسلية مريضة في صوته وهو بيلف وشها لفوق عشان تضطر تبص في عينيه.
أليس بدأت تتفزع. كانت سمعت عن رجالة في مراكز عالية، بياخدوا أي ست عايزينها، وبيعملوا فيها اللي يعجبهم. "أنا بحترمك يا بيه،" تلعثمت. فضلت بصة لتحت، خايفة تبص في عينيه تاني، لحسن يفتكر ده تحدي.
بصلها كأنه بيشرب كل خوفها ومستمتع بيه زي نوع من الحلوى المسكرة.
في لمح البصر، شال إيده من على وشها، وضهر إيده رجع وضربها على جنب وشها. أليس صرخت لما وجع فظيع ضرب في دماغها. قوة الضربة كانت هتوقعها من طولها، لو الحراس اللي ساعدوها يقوموا مكنوش لسه ماسكينها بقوة.
عنيها اتملت دموع، من الإهانة ومن الوجع في نفس الوقت.
فضلت مواربة راسها وحاولت تاخد نفسها وهي بتعاني من وجع الضربة. مكنتش قادرة تفتكر إن فيه راجل مد إيده عليها قبل كدة.
القائد مشى بصوابعه على رقبتها المكشوفة.
"حاجة صغيرة جميلة،" قال بصوت واطي، "خسارة إنك بتضيعي هنا في البلد دي. قوليلي، هل إنتي تابعة لراجل؟"
أليس ارتجفت وحاولت تبعد عن لمسته، بس الحراس مسكوها مثبتينها. عضت شفايفها بين سنانها عشان تحاول تمنع دقنها إنها ترعش.
"كفاية!"
الأمر كان عالي، ومليان سلطة.
القائد اتجمد، وكل العيون اتجهت للناحية اللي طلع منها الأمر. كلهم إلا أليس، لأنها مكنتش عايزة تجذب أي اهتمام زيادة لنفسها.
"الأمير داستريان،" القائد باين عليه فقد كل إحساس بالقوة والشجاعة، "يا سمو الأمير، افتكرتك بتستنى مع بقية الحراس."
أليس مقدرتش تمنع نفسها إنها تبص بصه سريعة على الراجل اللي القائد بيشير إليه بلقب الأمير. يا ترى ليه الأمير يكون موجود هنا في البلد في الوقت ده من السنة؟ وخصوصاً مع كل المشاكل اللي الجانب ده من المملكة بيواجهها مع المملكة المجاورة، كاتيش، وملكها.
كان قاعد على الحصان الأبيض الوحيد، ولبسه الملكي محبوس تحت الدروع اللي مربوطة عليه. كان عنده شعر بني غامق مسرح لورا، وكان باين عليه إن فيه دقن خفيفة كأنه محلقش بقاله كام يوم.
"ليه بتضايق الست دي؟" الأمير سأل بحدة، ونظراته بتحرق وش القائد.
"كانت بتجري في الشوارع، وبتسبب إزعاج لأحصنتنا،" رد القائد، وصوته دلوقتي بقى أقل ثقة شوية، "كنت بعلمها شوية احترام وأدب-"
"البنت معملتش حاجة غلط."
صوت راجل تالت قاطع القائد.
"اسكت!" صوت القائد رجع بقى شرير تاني، وهو بيبص بصة موت للراجل اللي تجرأ يشكك في كلامه.
"يا سمو الأمير،" الحارس اللي اتكلم دفاعاً عن أليس شق طريقه ناحية الأمير وحصانه، "لو تسمح لي أتكلم ثانية."
الأمير هز راسه.
"شكراً، يا سمو الأمير،" الحارس انحنى انحناءة خفيفة، "إحنا لفينا من ورا الناصية بسرعة زيادة بالنسبة للظروف الزحلقة دي. أنا كنت واحد من الحراس اللي في المقدمة. البنت مكنش عندها فرصة تبعد عن الطريق، وإحنا خبطناها وقعناها-"
"اقفل..."
"اتكلم بأدب يا جاكس!" الأمير زأر، ولف راسه بسرعة عشان يبص بصه غضب للقائد. القائد شد على سنانه وسكت.
"كمل،" الأمير قال للحارس.
"إحنا وقعناها، وهي وقعت قفة كانت شايلاها وفيها أكل. هي معملتش أي حاجة غلط."
"فهمت،" الأمير رجع بنظره للقائد، "يا جاكس، عندك إيه تقوله في ده؟"
القائد بص بضيق للحارس اللي اتكلم. أليس كانت عارفة إن الشاب ده غالباً هيشوف غضب قائده الكامل في الوقت المناسب.
"قلة أدب عليا، يا بيه،" قال القائد.
"الكلام ده حقيقي؟" الأمير وجه كلامه لكل مجموعة الرجالة. محدش قال ولا كلمة، بس فيه كام واحد هزوا راسهم، بحركة خفيفة جداً.
الأمير نزل من على حصانه. تنفس أليس بدأ يتسارع أكتر، رغم إنها مكنتش تفتكر إن ده ممكن. الأمير مشى ببطء ناحيتها هي والقائد، وعينه متثبتة على وش القائد.
وقف بالظبط قدام أليس. لو الحارسين مكنوش لسه ماسكينها، كانت هتقدر تمد إيدها وتلمس الأمير، رغم إنها مكنتش هتجرأ أبداً.
"سيبوها. إزاي تتجرأوا تمسكوا ست معملتش أي حاجة غلط."
الحراس سابوا دراعاتها فوراً، وأليس وقعت على الأرض في الحال، وهي بتنحني.
"يا سمو الأمير،" قالت، وهي بتحاول تخلي صوتها ثابت.
وطى ولمس كتفها بإيده، "قومي."
عملت كدة، وفضلت بصة لتحت وهي بتقوم.
"إيه اسمك؟" سأل بنعومة، تناقض صارخ مع صوته من دقايق لما كان بيكلم القائد بتاعه.
"أليس،" قدرت تجاوب، بصوت أعلى من الهمس بحاجة بسيطة. رفعت عينها شوية، بس مكنتش تجرأ تبص مباشرة في وشه.
"من أي عيلة إنتي يا أليس؟ ممكن أناديكي كدة؟"
أليس كادت تضحك من فكرة إن الأمير بيطلب يناديها باسمها الأول، "أيوه، يا سمو الأمير. أنا مش من عيلة."
الأمير مال براسه للجنب شوية، "مين أبوكي؟"
أليس بلعت ريقها، "راح."
الأمير كرمش وشوشه، "متجوزة؟"
أليس هزت راسها بالنفى. ليه بيسأل الأسئلة دي؟
"مين طيب، اللي بيعتني بيكي، يا ستي؟"
ترددت، "أنا،" وطت عينيها تاني.
الأمير ضيّق عينيه، كأنه بيحاول يفهمها.
"لا عيلة، لا أب، لا جوز،" الأمير كرر لنفسه، "عندك كام سنة؟"
"حوالي تسعشر سنة، يا فندم،" ردت أليس.
الأمير فضل صامت كام لحظة وهو بيدرس مظهرها. أليس انكمشت على نفسها، وبتتخيل قد إيه هو لازم يكون مقرف من حالتها المبهدلة وغير اللائقة بوجودها قدامه. دعت إن شعرها البني الكيرلي يكون لسه متلم كويس في كحكتها، بس ده كان احتمال بعيد بعد وقعتها على الأرض.
"يا جاكس،" صوت الأمير قسي وهو بيلف تاني عشان يواجه القائد، "تضرب ست شابة، كل اللي بتعمله إنها بتحاول تعتني بنفسها في الشتا؟"
أليس سرقت نظرة لوش الأمير دلوقتي وهو مكنش بيبص عليها. عينيه كانت دهبية في بني زاهية، وملامح وشه قوية ووسيمة.
وش القائد احمر من الخجل الظاهر من توبيخ الأمير ليه قدام رجاله، "هي... هي كانت قليلة الأدب، يا سمو الأمير."
الأمير ضيّق عينيه وطلع خنجر من تحت درعه.
قلب أليس نط في زورها.
هل صوته الحنين ليها كان تمثيل؟ كانت بدأت تفتكر إنه ممكن يكون حاسس بشفقة عليها، بس دلوقتي خافت إنه كان بس بيهديها قبل الضربة القاضية.
أكيد حس برد فعلها، لأنه لف ناحيتها لثانية وغمزلها.
أليس رمشت في صدمة. إزاي أمير بمكانته يهزر معاهم كلهم كدة؟ هل ده نوع من اختبار لحراسه؟
الأمير مد إيده تحت درع صدر القائد وطلع كيس صغير كان مربوط بفتلة. في حركة سريعة، قطع الفتلة، ورجع الخنجر تحت درعه هو.
"القائد جاكس بيقدم ليكي مرتب شهره كاعتذار عن تصرفه المتهور." الأمير أعلن لكل الرجالة الحاضرين، بس مد الكيس الصغير لأليس.
"لا، يا سمو الأمير،" أليس بتوتر وطت عينيها ورجعت نزلت على الأرض باحترام، "مقدرش أقبل."
الأمير مد إيده وخد إيدها في إيده، وقلبها على كفها، وحط الكيس بقوة فيها. شدها عشان تقف تاني، وبعدين حط إيده تحت دقنها ورفع وشها عشان تضطر تبص في عينيه.
"أنا آسف على اللي حصل لوشك. رجالي مش هيضايقوكي تاني أبداً. من فضلك اقبلي العملات دي، كعلامة على ندمي إن الراجل ده أذاكي."
أليس هزت راسها لأنها حست إنه هيكون قلة احترام إنها تفضل تجادل، وهو شال إيده من تحت دقنها. نزلت في انحناءة، "شكراً، يا سمو الأمير."
الأمير لف ومشي لحصانه، وحرص إنه يرمي نظرة جليدية لقائده. في خلال لحظات، حرس الحرس كلهم كانوا رجعوا على أحصنتهم وماشيين في طريقهم من خلال القرية، بسرعة معقولة للظروف دي.
حتى مفكرتش تنقذ القفة، رغم إنها راحت وجمعت العملات اللي عملتها النهاردة في السوق من وسط الطينة. الدنيا كانت بدأت تضلم، ومع كمية العملات اللي باين إنها معاها من تقُّل الكيس الصغير اللي الأمير إدالها، كانت عايزة توصل لعشتها الصغيرة بأسرع ما تقدر. شوارع "كريب" مش آمنة بالليل من الحرامية، خصوصاً للستات.
وصلت البيت لأوضة باردة تاني، بس مكنش عندها وقت تنهار زي الليلة اللي قبلها. كانت عارفة إنها اتأخرت أصلاً على شغلها دلوقتي. ولعت نار، وهوتها، وخبت كيس العملات الصغير في حفرة صغيرة حفرتها في أرض الطين تحت الترابيزة. كان فيه كيس تاني صغير في الحفرة، اللي فيه عقد قديم هو الحاجة الوحيدة اللي بتمتلكها من ماضيها. غطت الطين عليهم تاني، ولما اطمنت إن مفيش حد هيقدر يلاقيه، خرجت تاني للبرد عشان تعتذر للهانم فندريل وتبدأ شغل البيت بتاع بالليل.
أليس كانت متلجة من البرد لما رجعت لمسكنها. النار كانت لسه قايدة، وهي بدأت تفرح أول ما أدركت إنها تقدر تاكل من البيض اللي كانت شايلاه للعيش كعشا ليها بداله. بيض ولبن تاكلهم. لأنه أكيد، هيكون فيه عملات كفاية في الكيس الصغير ده تقدر تشتري بيه مؤن تانية من السوق اليوم اللي بعده. هتقدر تاكل وجبة كاملة لأول مرة من وقت أطول ما تقدر تفتكر.
على قد ما كانت فضولية، قدرت تعمل وجبتها وتقعد تاكلها، قبل ما تسمح لنفسها إنها تطلع العملات.
قعدت على سريرها، بتسمع للنار في موقدها الصغير وهي بتطقطق، وفضت محتويات الكيس على سريرها.
كان فيه عملات أكتر حتى مما كانت تجرأ تامل فيه. وهي بتلمسهم بإيدها، حسبت إنها تقدر تشتري قماش على الأقل لكام فستان جديد أدفى، وشال جديد، ومؤن أكل زيادة، ولسه يتبقى معاها كتير. عدت فلوس أكتر مما كانت ممكن تعملها في سنة بيع عيش في السوق. هتقدر تعيش براحة أكتر لفترة، لو كانت حذرة واستخدمت العملات بحكمة.
مدت إيدها بحذر ناحية الجنب اليمين من وشها. الجلد كان وارم شوية، وكانت متأكدة إنه هيكون بألوان غامقة وموحشة في الجلد الصبح. كانت محظوظة إن الأمير قطع عليهم؛ وإن الأمير كان راجل نص نص في أصله. مكنتش حتى عايزة تتخيل الحاجات اللي كان القائد ممكن، أو كان هيعملها فيها لو الأمير مكنش قرر يتدخل. أفكارها بعدين راحت للجندي الشاب اللي وقف يدافع عنها قدام الأمير. يا ترى القائد هيعاقبه على الخيانة دي؟ أليس حست بمرض لما فكرت في كدة، بس مكنش فيه حاجة تقدر تعملها دلوقتي. هي دلوقتي عرفت إن الأمير راجل محترم، وكانت بتأمل بكل كيانها إنه يكون عنده بعد نظر إنه يحمي الشاب ده.
رجعت العملات في كيسها، ودفنته تاني، وزحفت لسريرها. نامت هناك ومعدتها مليانة لأول مرة من أكتر من سنة، وحست بعبء الكفاح المستمر بيخف قبضته على حياتها.