كان فيه ضبابية من الألوان مالية عيني وأنا ببص من الشباك على الشجر وهو بيتغير. الشمس كانت بتغرب وبتنزل نورها البرتقالي عليه، ومخلية ورق الخريف شكله زاهي أكتر. طلعت نفس سخن خفيف على إزاز العربية ورسمت قلب في الضباب. بدأ يختفي زي الشمس ورا الجبل، والضوء البرتقالي اتغير لنور قمر. فجأة، عيون مألوفة لونها فيروزي لمعت في دماغي، وخطفتني بلونها المميز.
لمسة مفاجئة على كتفي خلتني أتنفض، وشديت واحدة من السماعات من ودني. عيون بنية دافية قابلت عيني وهي بتضحك.
"سمعتيني؟" أخويا سأل.
"إيه؟"
أخويا وأهلي ضحكوا في نفس الوقت، وأنا عينيا رايحة جاية بينهم، بحاول أفهم إيه اللي بيضحك.
"دماغك دايماً في حتة تانية،" رد عليا. "سألتك أنتي عايزة إيه على البيتزا بتاعتك بما إنك عملتي خناقة عشان نطلب النهاردة."
"مجرد إن عندي ذوق في الأكل ده مش معناه إني مدلوقة،" رديت بضيق وربعت إيدي، متجاهلة سؤاله عن البيتزا اللي عايزها.
بكل عناد لفيت راسي ناحية الشباك، وبصيت في الضلمة. شعري البني الغامق غطى عيني عشان ما أشوفش وش أخويا.
"تمام،" قال بسخرية. "زي ما تحبي. طيب، عايزة إيه؟ ماما بتتصل تطلب دلوقتي عشان تبقى جاهزة لما نوصل."
أنا اكتفيت بهز كتافي، ومكملة في عنادي، اللي واضح إنه ضايق إيثان زي ما كنت متمنية لأنه طلع تنهيدة تعب. حسيت بإيد صغيرة ودافية على كتفي، وبصيت لمصدرها من ورا خصلة شعري المجعدة. عيون ماما البنية اتقابلت مع عيني، ووزعت دفء وراحة جوايا. لفت عشان تبصلي من خلال باب العربية والكرسي.
"يا حبيبتي، أنا هتصل أطلب الأوردر بتاعنا دلوقتي. مش عارفة إنتي إيه رأيك، بس أنا بقالي كتير نفسي في بيتزا باربيكيو." ادتني واحدة من ابتسامتها المثالية وغمزتلي.
ماقدرتش غير إني أبتسم ليها. حتى وأنا حاسة إن عالمي بيقع من حولي، ماما كانت بتخليني أبتسم وأحس إن كل حاجة هتبقى كويسة.
هزيت راسي وبطني بدأت تزقزق من التفكير في بيتزا الباربيكيو. ماما لمست خدي الشاحب وادتني ابتسامة موافقة ولطيفة. عينيا عدت من فوق راسها لقدام العربية، فين نورين ساطعين لفتوا انتباهي.
كانت زي ما تكون الدنيا بتمشي ببطء. لما ماما سمعت أخويا وبابا بيصرخوا، وشها بدأ يتملي قلق، ولفت ناحية قدام العربية. اتفرجت على الابتسامة اللي بحبها وهي بتبهت ببطء. وقبل ما تلحق تشوف بابا وأيدن بيزعقوا ليه، النور غطانا، وخبطة كبيرة هزت جسمي.
عربيتنا الصغيرة طارت في الهوا قبل ما تتقلب، وخلتنا كلنا نتهز جوه زي عرايس القماش على الكراسي. فجأة كل حاجة بقت سودة وأنا حاسة بوقوع العربية على الأسفلت. كان كأن حواسي كلها اختفت، وكنت عايمة في ظلام دامس. الحاجة الوحيدة اللي كانت شغالة هي سمعي، اللي التقط صوت ست.
كلير...
سمعت اسمي بيتنادى من كيان مجهول كذا مرة، بس مهما حاولت، ماقدرتش أعرف الصوت جاي منين. بدل ده، كنت عايمة في العدم، وبفكر في اللي حصل. دقيقة ماما كانت بتكلمني والدقيقة اللي بعدها، ألم جرح جسمي والعربية بتتقلب.
ماقدرتش أحدد قد إيه وقت عدى أو إيه اللي بيحصل. ومع ذلك، بعد اللي حسيته دقايق، صوت اسمي بدأ يختفي، وكل حاجة حواليا بدأت تنور لحد ما فتحت عيني. بالتدريج، حواسي رجعتلي. كل اللي حسيته كان رعب وألم لما استوعبت إني متعلقة متشقلبة في العربية. بصيت حواليا بجنون عشان أتأكد إن عيلتي كويسة. بس الدنيا كانت ضلمة، فماقدرتش أشوف غير خيالاتهم الثابتة.
كانت الدنيا هادية. ناديت عليهم وحاولت أهز إيثان، اللي كان جنبي، بس ما جاليش رد.
"أيدن!" صرخت وأنا بهزه أقوى.
الدموع بللت خدودي الساقعة. بصيت قدام بعيون مزغللة ناحية أهلي.
"ماما؟ بابا؟" سألت بصوت واطي ومهزوز.
حالتي النفسية اتحولت من الفزع للخوف. ماكنتش متأكدة لو الناس اللي بحبهم كويسين. استنيت كذا ثانية قبل ما أنادي على أساميهم تاني، بس برضه ما ردوش. بدأت أشد حزام الأمان بغضب، بحاول أفك نفسي عشان أطمن على عيلتي وأجيب مساعدة. كل ما زاد غضبي إني محبوسة، بدأت أحس بدوخة. ماكنتش عارفة بقالي قد إيه متشقلبة.
"ماما؟ بابا؟ إيثان؟ أنتوا كويسين؟" كنت بترجاهم وأنا بحاول أكتم عياطي.
من بعيد، قدرت أسمع صوت سرينة كانت بتبدأ تعلى. بصيص من الأمل والراحة عوم جوايا لما ومضات أحمر وأبيض نورت العربية الضلمة.
"ساعدوني!" ناديت، بس طاقتي كانت بتخلص، والدوخة زادت.
بقع سودة غطت رؤيتي، وقبل ما كل حاجة تسود تاني، سمعت ناس بيزعقوا، "هنا!"
كنت غرقانة في الضلمة تاني، بس المرة دي ماكنتش لوحدي. نفس العيون الفيروزي كانت بتبصلي زي ما بتعمل دايماً، بتهديني بمالوفتها. عمري ما كنت متأكدة مين الراجل ده، بس كان دايماً في دماغي. عيونه الغريبة سحرتني، وخلتني تقريباً أنسى اللي لسه مريت بيه.
تقريباً.
حاربت عشان أفتح عيني، وأنا عارفة إني لو فتحتها، هضطر أواجه اللي حصل؛ الفكرة دي رعبتني. ومع ذلك، قلقي على عيلتي غلب خوفي من المجهول. صوت تزييق رن في دماغي، وبعدين بقى أوضح، وده دل إن الصوت جاي من جهاز ما. جفوني كانت تقيلة، ودماغي بتوجعني. أجبرت عيني تتفتح عشان ألاقي نفسي في أوضة مستشفى. بعد ما رمشت كذا مرة، كل حاجة بقت أوضح. ومن خلال بصي على النور الخافت، استوعبت إنها لسه ليل.
حاولت أعدل نفسي للقعدة، بس ده زود وجع راسي، فاستسلمت وريحت جسمي. أسئلة مالت دماغي عن عيلتي. كنت ملهوفة أشوف ابتسامة ماما المشرقة، وأسمع ضحكة بابا الهبلة، وأشوف الطريقة اللي جبين أخويا بيكرمش بيها كل ما أقول حاجة بتضايقه. الذنب سيطر عليا لما بدأت أفكر في أسوأ الاحتمالات. لو حصلهم أي حاجة، هيكون ذنبي إني خليتهم يخرجوا يتعشوا. مسكت الملاية الخفيفة اللي مغطية نص جسمي من التفكير.
تزييقة الباب لفتت انتباهي وقطعت المعركة اللي في دماغي. ست شعرها أحمر ولابسة لبس تمريض أزرق فاتح دخلت الأوضة ناحيتي. لما عينيها الزرقاء قابلت عيني، بانت متفاجئة إني ببصلها. الممرضة جريت عليا وبصت على الشاشة.
"دي معجزة!" قالت بحماس وحطت إيدها على إيدي. "حاسة بإيه؟"
"أنا... أنا كويسة. بس جسمي مكسر،" رديت بصوت مبحوح.
الممرضة بدأت تطلب رقم على تليفونها وقالت للي بترد عليه إني أخيراً فوقت.
لما قفلت، سألتها بتبلد، "بقالي قد إيه نايمة؟"
شعور غريب عدى على ملامح الست الشاحبة. "أنتي كنتي في غيبوبة بقالك تقريباً تلات أسابيع."
الخوف اللي كنت بحاول أبعده غمرني، وقمت قعدت. راسي بدأت تنبض. "إيه؟ فين أهلي؟ أخويا؟ عايزة أشوفهم." الرعب كان باين في صوتي.
الممرضة حطت إيد على ضهري والتانية على كتفي وهي بتنزلني تاني. "ششش. كله تمام. اهدي. الدكتور هيجي هنا قريب يكلمك،" ردت بنبرة قالتلي إن فيه حاجة مش مظبوطة. ما بقتش تبص في عيني.
وفي نفس اللحظة، راجل شعره بني ولابس بالطو أبيض دخل الأوضة. الممرضة مشيت ناحيته وبدأت تهمس. الحاجة الوحيدة اللي قدرت أسمعها كانت حاجة بخصوص الأهل. الترقب زاد جوايا. الدكتور هز راسه للممرضة، اللي فضلت جنب الباب في حين الراجل قرب مني.
"كلير، فاكرة إيه اللي حصل؟" الدكتور سأل بصوت هادي.
حواجبي اتعقدت وأنا بحاول أفتكر الليلة دي. "إحنا... كنا في حادثة عربية. شفت أنوار قوية، والعربية اتقلبت. فاكرة إني صحيت جوه العربية متشقلبة، بس بعد كده مش فاكرة أي حاجة تانية."
الدكتور هز راسه وهو بيقعد على السرير وحط إيده على كتفي. بابا كان بيعمل نفس النظرة لما بيقولي إنه مش هيقدر يجي ماتش الكورة بتاعي.
"أنتي اتعورتي جامد في الحادثة. عانيتي من نزيف في المخ. قدرنا نوقف النزيف، بس ماكناش متأكدين لو هتفوقي. دماغك حاسة بإيه دلوقتي؟"
"بتوجعني شوية، بصراحة،" رديت وأنا ببص بين الدكتور والممرضة. "فين عيلتي؟"
الدكتور والممرضة بصوا لبعض قبل ما الدكتور يتنهد. "كلير... أنا آسف جداً. عملنا كل اللي نقدر عليه..."
"لأ!" قاطعته.
ماكنتش قادرة أقبل كلامه. ماكنتش قادرة أخليه يقولها عشان هتبقى حقيقة، وده معناه إني مش هشوفهم تاني أبداً. ذكرى ماما وهي بتلمس خدي وإزاي كنت بعامل أخويا ظهرت في دماغي. الدموع بدأت تنزل على خدودي الشاحبة، وزغللت عيني، وشهقات عالية طلعت من شفايفي. راسي كانت بتنبض، بس قلبي كان بيوجعني أكتر. حسيته كأنه متشال من صدري.
عمري ما هقدر أشوفهم تاني، وكل ده بسببي. كانوا هيبقوا عايشين لو ماكنتش عملت خناقة عشان نجيب بيتزا زي العيلة المدلعة. الذنب خلاني أعيط أكتر. بدأت أتمنى إني ما كنت فتحت عيني أبداً. عالمي كله انهار بسببي.
موجات من اللون الفيروزي غمرتني وهديتني فوراً، بس تلاشت بسرعة زي ما جت. فجأة، ضوء القمر لمس جلدي من بين الشجر الكثيف في الغابة. رجلي كانت بتغرس في الطين المبلول مع كل خطوة، وشعري بيطير مع الهوا. كنت عارفة إن الجو برد، بس البرد ما لمسش جلدي أبداً. الضحك ملى كياني كله بس هدي لما صرخة رنت بين الشجر. راسي لفت ناحية الصوت ورايا عشان أشوف لون أحمر بس. مش أي أحمر.. دم. حواسي اتملت بسائل سخن ومعدني، وبعدها مفيش. عيون فيروزية بصت في روحي، وماقدرتش أمنع نفسي من البكاء.
رؤيتي رجعت للواقع وشفت الممرضة وباقي الطاقم بملابسهم البيضا بيبصولي وأنا على الأرض. حاولت أخد نفسي لأني حسيت كأني اتخبطت في صدري والهوا راح مني. مديت إيدي على وشي، صوابعي المرتعشة لمست الدموع السخنة اللي كانت نازلة على خدودي الشاحبة. مسحت شعري البني اللي كان لازق في البلل.
ده بيحصل كل مرة، وكل مرة، بتملّك مني العيون الفيروزية دي وبتاخدني بعيد عن الواقع.
دكتور كارسون بيسمي ده حالة شديدة من اضطراب ما بعد الصدمة. أنا مش شايفة كده لأني عندي الحالة دي طول عمري، حتى قبل الحادثة. لما كان عندي تلاتاشر سنة، أهلي ماتوا في حادثة عربية، ومعاهم أخويا الكبير. قالوا عني محظوظة إني عشت. الدكاترة قالوا إني معجزة، بس حياتي مكنتش أي حاجة غير عكس كده.
كنت متعودة يجيلي أحلام غريبة لحد ما حصلت حادثة العربية. كان باين إن خيالي واسع زيادة. بعدها، بدأت يجيلي رؤى وأنا صاحية. دكتور كارسون بيسميها ذكريات اقتحامية، بس "الذكريات" دي ماحصلتش معايا قبل كده. كأني بشوف من عيون حد تاني. حاولت أشرحله ده، بس هو فاكر إن عقلي بيخبي الحقيقة عشان يحميني. وده لسه مايفسرش وجوده هو.
عمري ما قابلته قبل كده في الحقيقة. كان في أحلامي من وقت ما بدأت أفتكر. كان جزء من حياتي، وماكنتش بتهتم بالموضوع لحد ما قالولي إني مش متزنة عقلياً. لما الراجل اللي عيونه فيروزية وبشرته غامقة في رؤياي بيبصلي، بحس إني أعرفه. بحس بشد ناحيته مش فهماه. الشد ده خلى الناس تفتكر إني مجنونة. بأكد إني مش مجنونة، رغم إني بشوف حاجات مش حقيقية.
بيت رعاية ورا التاني ماقدرش يتحمل مراهقة مجنونة ومتدمرة، ففي الآخر اتحطيت في مصحة عقلية لما كان عندي خمستاشر سنة. بقالي هنا حوالي أربع سنين، وكل الأدوية والعلاج ماوقفش اللي بيسموه اضطراب ما بعد الصدمة ده. ده عشان أنا معنديش اضطراب سببه الحادثة الوحشة دي؛ أنا عندي المشكلة الغريبة دي من فترة أطول بكتير.
صوت خبط الكعب على البلاط لفت انتباهي للي قدامي؛ كانت الممرضة الرخمة اللي بتحب تخلي حياتي جحيم.
"كلير، كان عندك نوبة تانية. جالك كذا واحدة كل يوم الأسبوع ده،" قالت بنبرة اتهام كأنها بتشاور على إن غلط يكون عندي نوبات.
كأنها هي اللي مش عارفة.
الممرضة الشقرا دي حاطة عليا من أول ما جيت هنا. بتبصلي بتعالي وبتعاملني كأني حيوان وسخ، ممرضتي راتشيد الخاصة بيا.
"أيوة،" رديت بلامبالاة.
بطلت أحاول أنكر إنها جزء من اضطراب ما بعد الصدمة من زمان. ده بس بيخلي الأمور أسوأ. اتعلمت إني لو مشيت معاهم في كل حاجة، الدنيا بتمشي أسهل.
طيب، أحياناً.
"أنتي مخبية دواكي تحت لسانك تاني؟ ده ماكنش هيحصل لو كنتي أخدتي دواكي. هضطر أتصل بدكتور كارسون وأبلغه بنوبتك الأخيرة." الممرضة بصتلي، ومتضايقة إنها اضطرت تعمل حاجة تبع شغلها.
ماكنتش عايزاها تبلغ الدكتور. كنت بكرره وبكره إني لازم أروح أقابله في مكتبه.
"لأ، ماعملتش كده. قلتلكوا آخر أربع سنين إن دواكوا مش بيساعد،" رديت بعصبية، ودفنت وشي بين إيديا. "مش عارفة ليه ده بيحصل أكتر الفترة دي."
رميت إيديا في الهوا قبل ما أخبطهم تاني على ركبي وأطلع تنهيدة إحباط. ده بيحصل كل ما يشوفوني بالمنظر ده، وكل مرة، بيتهموني إني مش باخد الدوا. وبعدها، بيحقنوني بمهدئ، اللي أنا مرعوبة منه.
الممرضة قلبت عينيها مني وبدأت تطلب رقم على موبايلها. "دكتور كارسون. كلير فيلدز جالها نوبة تانية... أيوة، بتقول إنها بتاخد الأدوية... أيوة يا فندم. ده اللي كنت بفكر فيه... ماشي... سلام."
الممرضة هزت ديل الحصان بتاعها وهي بتلف. كنت عارفة إيه اللي هيحصل. هيخدروني وبعدين ياخدوني لدكتور كارسون لما يبقى فاضي. وزي ما توقعت، الممرضة الشقرا رجعت مع ممرضين رجالة ومعاهم سرنجة. بصتلي بضيق.
"مفيش داعي تدوني ده. أنا مش عدائية ولا بحاربكم. أنا هروح لدكتور كارسون لوحدي،" حاولت أتفاهم معاهم وأنا بمد إيديا قدامي.
حاولت أتكلم مع الناس دي، بس ده مش بينفع. هما مش بيسمعوا. بس بيبصولي كأني مجنونة. من كتر الرعب، رجعت لورا وبصيت حوالين الأوضة. من وقت ما جيت المصحة، وأنا مرعوبة من الحقن.
"كل ما تحاولي تقاومي، كل ما هيبقى أسوأ عليكي وعلينا،" واحد من الممرضين الرجالة قال.
الدموع اتكونت في عيني البنية، وغبشت رؤيتي. الجزء ده دايماً بيخليني أحس بنفس الإحساس. بحاول أكون قوية في المكان ده، بس صعب لما تكوني لوحدك ومن غير حماية. مش بحبهم يشوفوني ضعيفة، بس صعب أتماسك بعد كل الوقت ده. كل يوم بيعدي بيحسسني إني بدأت فعلاً أتجنن.
"أرجوكم، بلاش تعملوا كده. أرجوكم! مش تاني،" توسلت ليهم، وبركل برجلي عشان أبعد عنهم.
الأحلام بتيجي لما بيخدروني، ومؤخراً، بقوا بيحسسوني إنهم حقيقيين أكتر، حقيقيين لدرجة إني أحياناً بصحى بعلامات بتخلي شكلي كأني بأذي نفسي.
بعض المرضى التانيين كانوا بيبصوا، والبعض التاني كان في حالة تبلد. صرخت، بنده لواحدة منهم عشان تساعدني، بس مفيش حد جه ينجدني. هما اللي كانوا المجانين بجد. أنا كنت بس بنت بريئة اتحطت هنا لأني خسرت عيلتي.
الممرضين مسكوني من دراعاتي وثبتوا رجلي عشان أبطل أركلهم. الرعب بدأ يتمكن مني بسبب التقييد، وخلى قلبي يدق في صدري. الممرضة الشقرا وطيت قدامي وبصت في عيني. شفايفها كانت مفرودة في خط رفيع.
كنت بكره الست دي جداً لأنها بتخليني أمر بالعذاب ده.
"ما تقلقيش. مش هتوجع غير حاجة بسيطة،" قالت بنبرة باردة قبل ما تغرز الحقنة في فخذي.
حاولت أحارب الضلمة زي ما بعمل دايماً، بس مكنش فيه فايدة. جفوني بدأت تحس بالتقل، وجسمي بقى ضعيف. حسيت بالرجالة وهما بيشيلوني قبل ما كل حاجة تبقى سودة.